🚨🚩👩🏽💻🇩🇿التضليل الإعلامي: حين تسبق الرواية الدليل

بقلم حميد فوزي
أثارت واقعة الاعتداء الوهمي المتداولة بشأن مشجع جزائري في بوسطن ضجة لافتة، غير أن صخب الرواية ما يزال يسبق صلابة الدليل، في ظل غياب معطيات محلية أمريكية حاسمة تكشف حقيقة ما جرى على وجه اليقين.
وبين رواية تتسارع في فضاء الإعلام ووقائع لم تقل كلمتها النهائية بعد، تظل الحاجة قائمة إلى قراءة رصينة تزن الخبر بميزان التثبت، لا باندفاع الانفعال.

فإلى حدود الآن، تبدو القصة محصورة في رواية إعلامية عربية ذات نبرة عالية، بينما تغيب عنها، في المقابل، الوثيقة الأمريكية المحلية التي تمنحها الصفة الإخبارية المستقرة.
وهذا الفراغ ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جوهر المسألة، لأن أي حادثة تُقدَّم على أنها اعتداء عنيف داخل فضاء عام في مدينة أمريكية كبرى، يفترض أن تترك أثرًا واضحًا في الشرطة المحلية أو في الصحافة القريبة من موقع الحدث.
المشكلة هنا ليست في التعاطف مع الضحية، ولا في إنكار احتمال وقوع الاعتداء، بل في الطريقة التي تُبنى بها السردية قبل اكتمال عناصر التثبت. ففي عصر السرعة الرقمية، صارت القصة تُصاغ أحيانًا قبل أن تُتحقق، وتُحمَّل بأبعاد سياسية وهوياتية قبل أن تُفكك قانونيًا وميدانيًا. وهذا بالضبط ما يجعل بعض التغطيات تتحول من نقل الخبر إلى صناعة موقف، ومن البحث عن الحقيقة إلى تثبيت رواية جاهزة تلائم المزاج العام أكثر مما تلائم الوقائع.
واللافت للنظر أن الصحافة المحلية في بوسطن لم تتبنَّ، حتى الآن، الرواية المتداولة بالصورة نفسها التي انتشرت عربيًا. وهذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلًا بريئًا، لأن الصحافة المحلية عادة ما تكون أول من يلتقط مثل هذه الوقائع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحادثة داخل فضاء جماهيري مرتبط بحدث رياضي كبير. فإذا لم تلتقطها القنوات الإخبارية المحلية، ولم يصدر بشأنها بيان أمني واضح، فذلك يضع علامة استفهام حول حجم الواقعة، أو حول الصيغة التي جرى تسويقها بها.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حادثة موثقة لم تحظ بعد بالتغطية المناسبة؟ أم أمام رواية إعلامية تضخمت قبل أن تجد سندها الرسمي؟ الفارق بين الاحتمالين كبير، لأن الأول يتعلق ببطء التغطية، أما الثاني فيتعلق بمشكلة مهنية وأخلاقية في نقل الأخبار، خصوصًا عندما تُستثمر الحادثة في خطاب تعبوي أو في سجال سياسي عابر للحدود.
التسييس قبل التحقق
تبدو بعض الصياغات المنشورة حول الحادثة وكأنها استعجلت الإدانة قبل اكتمال الوقائع. فبدل التركيز على سؤال: ماذا حدث تحديدًا؟ ومن الذي أثبته؟ ومتى وأين؟
جرى الانتقال سريعًا إلى أسئلة الهوية والخصومة والاتهام. وهنا يتسلل التسييس إلى الخبر من أوسع أبوابه، إذ تتحول الواقعة من ملف أمني وقانوني إلى مادة لتغذية سرديات قومية متقابلة.
هذا النوع من التغطية لا يخدم الضحية ولا الحقيقة. بل على العكس، قد يضعف صدقية الرواية نفسها حين تتكاثر حولها المبالغات والافتراضات غير المدعومة. فالخبر الجيد لا يحتاج إلى رفع الصوت، بل إلى وضوح المصدر، وتعدد الشهادات، وتأكيدات رسمية، وتفريق صارم بين ما ثبت وما يُتداول.
من الطبيعي أن يثير أي اعتداء على قاصر أو مشجع أو أي شخص في فضاء عام موجة تعاطف واسعة، وهذا أمر إنساني مفهوم. لكن التعاطف لا يبرر إغلاق باب التدقيق. فالإعلام المسؤول لا يكتفي باستحضار البعد الأخلاقي للواقعة، بل يوازن بينه وبين واجب التحقق. وإذا كانت الحالة الصحية للمعتدى عليه قد استقرت كما قيل، فإن ذلك لا يكفي وحده لإثبات باقي تفاصيل القصة أو تحديد المسؤوليات القانونية.
المأزق الحقيقي يظهر عندما يصبح كل تشكيك مهني في الرواية محاولة لنفي الحادثة برمتها، أو عندما يُعامل طلب التثبت كأنه موقف سياسي مضاد. وهذا خلط خطير، لأن الدفاع عن الدقة ليس دفاعًا عن الجاني، بل دفاعًا عن المعايير التي تمنع الإعلام من التحول إلى منصة لإعادة إنتاج الإشاعات.
ما الذي يحتاجه الملف
لكي يخرج هذا الملف من ضباب الرواية إلى وضوح الحقيقة، يحتاج إلى ثلاثة أشياء أساسية:
أولًا، بيان أمريكي محلي يحدد ما جرى فعليًا، إن كان قد جرى؛
ثانيًا، توضيح طبي أو قانوني يبيّن طبيعة الإصابة ومسارها؛
ثالثًا، تغطية صحفية مستقلة تبتعد عن لغة التحريض والاصطفاف. ومن دون ذلك، ستبقى القصة معلقة بين الشك والافتراض، وبين الرغبة في تصديقها والحاجة إلى اختبارها.
إن التضليل الإعلامي لا يشتغل فقط عبر الكذب الصريح، بل أيضًا عبر الانتقاء والتأويل والتقديم الموجَّه للمعلومة، بحيث يصبح الخبر أداة للتوجيه بدل أن يكون وسيلة للكشف.
وتؤكد اليونسكو أن الصحافة الجادة تحتاج إلى مهارات تحقق صارمة، لأن “الأخبار الزائفة” و”المعلومات المضللة” باتت تهدد الثقة العامة وتربك المجال الإعلامي برمته .
كما تفرّق الجمعية الأمريكية لعلم النفس بين المعلومات الخاطئة بوصفها معلومة غير دقيقة، وبين التضليل بوصفه فعلًا مقصودًا يرمي إلى الخداع، وهو ما يوضح أن الخطر لا يكمن في الخطأ وحده، بل في نية التلاعب نفسها .
والخلاصة أن القضية، في وضعها الحالي، تكشف مشكلة أوسع من حادثة واحدة: إنها أزمة في أخلاقيات التلقي والنشر معًا. فحين تُبنى الوقائع على أساس الانفعال، لا يعود السؤال: هل وقع الاعتداء فعلًا؟ بل يصبح: كم من الوقت نحتاج حتى نمنح الحقيقة فرصة الظهور قبل أن يبتلعها الضجيج؟
إن أخطر ما في مثل هذه القضايا ليس فقط احتمال وقوع الخطأ، بل تحويل الشك إلى يقين، والرواية إلى حقيقة قبل أن يثبتها الدليل. ومن ثم، فإن الموقف المهني الرصين لا يكون في معارضة التعاطف، بل في حماية الحقيقة من الاستعجال، وحماية الخبر من أن يتحول إلى أداة تعبئة قبل أن يستكمل شروطه الصحفية والقانونية.



