هل صحيح أن الحاضر لا وجود له.. وأن العقل يكذب علينا ؟!
الحاضر الهارب: اعترافات رجل يعيش في الماضي

محمد عزيز الوكيلي
سبب ورد السؤال أعلاه أنّ أحد الحاصلين على جائزة نوبل أثبت، حسب زعمه، أننا نعيش زمنين فقط: الماضي بواسطة التذكّر، والمستقبل بواسطة التخيّل، أما ما نسميه أو نعتقده “حاضراً”، فإنه لا يوجد سوى في أدبياتنا، لأننا نعيش لحظات تتحول في لمح البصر إلى ماضٍ بفارق جزء من المليون من الثانية، فكأنها ماضٍ منذ البداية، كما أننا حين نرى الأشياء فإن حالتها التي التقطتها أنظارُنا تكون قد أصبحت ماضياً بمجرد في زمن الرؤية نفسه، أي بمجرد حدوث الرؤية… “فلا شيء يقف عنده الزمن حتى يكون حاضراً مستقراً في حضوره وآنيته”.

إنني الآن، وأنا أكتب لك هذه المقدمة… أدرك أنّ أحرفُها تتحول فعلاً إلى “ماضٍ” بمجرد ظهورها على شاشة العرض، أو على الورق.
هذا يعني أنك حين تقرأ أول كلمة من هذه الكلمات تكون قراءتُك ذاتُها قد انصبّت على كلام مضى عليه زمن القراءة بمجرد تعرّضه لتلاوتك، أما على الورق فإن الحرف يتحول إلى الماضٍ قبل حتى أن يكتمل رسمُه، فإذا أكملتَ رسمَه كان ماضيا بالقوة… يا لها من فكرة مرعبة !!
أهلاً بكم إذَن في “نادي الأموات”… عفواً، أقصد “نادي الماضين” إذا جاز التعبير، أو مجتمع “المنتمين إلى الماضي، وربما أيضاً وبالتخيّل إلى المستقبل” !!
سأزيد هذا الطرح تبسيطاً، وتوضيحاً، بالقول إننا حين ننظر إلى شيء نكون قد رأيناه في الحالة التي كان عليها في الجزء من المليون من الثانية، الذي تمت فيه الرؤية، وبالتالي فعندما ندرك اننا رايناه يكون قد تحول من حالة إلى أخرى خارج وعينا وإدراكنا، ولذلك فإننا إذا ابتعدنا عنه ردَحاً من الزمن، ثم عدنا إليه، ستبدو لنا التحولات التي طرأت عليه من جرّاء تراكُم الهنيهات الدقيقة التي مرت به والتي لا يزيد استغراق الواحدة منها، كما سبق القول، على الجزء اليسير من الثانية، بل أقل من ذلك وأصغر.

دعونا نستحضر هنا سرعة الضوء، التي تعادل نحو ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، ولنتصوّر أن حركة الأشياء، من الوضع الذي نعتبره حاضراً، إلى الماضي، تتم بنفس تلك السرعة على الأقل، وسيتضح لنا إلى أي حد يفر الحاضر من تحت أنوفنا ومن بين أصابعنا حتى أننا لا نستطيع مطلقاً الإمساك به، أليس هذا أمراً مُهْوِلاً ؟!
إننا مثلاً حين نرفع أعيننا إلى السماء الدنيا، فتُطالِعُنا ملايير النجوم، ندرك الآن، بفضل تطوُّرنا العلمي، أننا نراها في الحالة التي كانت عليها قبل ملايير السنين الضوئية، ولا حاجة بنا إلى مجرد طرح السؤال عن عدد الكيلومترات التي يمكن ان يقطعها الضوء في سنة ضوئية كاملة، لأننا لو فعلنا ذلك لاحتاجنا إلى رقم فلكيّ يبدء بعدد من الأعداد التسعة البسيطة، أو برقم مركّب، متبوع بأصفار لن يكفينا محيط الأرض لرصّها بجانب بعضها البعض، بالطريقة التي نرصّ بها مكوِّنات الرقم 1.000 أو 1.000.000 إلى ما لا نهاية… وهذا وحده يجعلنا نفطن إلى أننا نعيش في الماضي، أما الحاضر فحركته إلى الوراء دائبة ولا تنتهي، وأما المستقبل فنحلم به ونُعِدُّ له وليس أكثر، وبمجرد بلوغنا إلى أعتابه يكون قد تحول بدوره إلى ماضٍ فات وانتهى أوانُه !!
أحد الأصدقاء الظرفاء علق على قولي حين فاتحتُه في هذا الأمر قائلا: “فلمذا تأتينا فاتورة الماء والكهرباء في الحاضر؟ هل لأن عداد الشركة المزوِّدة لم يقرأ هذه النظرية”؟!
صديق ظريف آخر رد عليه قائلا: “طيّب، لماذا يكون الحاضر حاضراً عندما نكون مطالَبين بتسديد الفواتير، ولكنه يظل مستقبَلاً بعيدَ المنال عندما نريد أن نقبِض”؟!
خلاصته أن صاحب هذه النظرية، وهو عالم الأعصاب “بنيامين ليبت” الحائز على نوبل في الفيزياء، وصاحب التجارب الشهيرة (1983: “دماغك يؤخّر إدراكك 0.5 ثانية ليركب لك فيلماً اسمه الحاضر”)، أثبت نظرياً وعملياً أن الحاضر يهوي أو يموت في نفس لحظة ولادته، مع الانتباه إلى أن اصطلاح “اللحظة” هنا يشير إلى زمن لا يتعدى طوله جزءًا فائقَ الدِّقة من الثانية، وأعتذر عن التكرار، أي أنه غير موجود في الواقع، وإنما نحن الذين نجعل له “وجوداً حاضراً” بواسطة “إدراكنا الثقيل”، المحكوم بحواس خمسٍ استطاعت أن تستوعب الماضي، وأن تتخيّل المستقبل، ولكنها تعجز عن الإمساك بحاضر يفر منها بسرعة لا تقل عن سرعة الضوء !!
إن هذا ليس له سوى تفسيرٍ واحد، وهو أن دماغنا يمارس علينا “هِواية الكذب” ليلَ نهار، ومن المهد إلى اللحد، لكنه يفعل ذلك رحمةً بنا، وتلك من مشيئة الله بلا أدنى ريب، لأننا ربما لو أدركنا بالدقة الفائقة ما يطرأ من التحولات على كل الأشياء والموجودات في أجزاء المليون من الثواني لأصابنا من الرعب ما لن تطيقه الأنفس ولا العقول…
خلاصته أيضاً، أننا نسكن ها هنا في عالم ليس فيه سوى غرفتين اثنتين فقط: “غرفة الماضي”، و”غرفة المستقبل”، وبينهما حاجز لا تُطيق إداركَه عقولُنا رحمةً بنا، لأن ذلك الإدراك سيكون لو تحقّق منفتحاً على “الحقيقة”، ودنيانا كما نعلم “مجالٌ للواقع”، و”ليس للحقيقة”، التي لن يُرفع عنها الغطاء إلى في العالم الآخر …
ربنا ما خلقتَ ما في الكون جميعاً وفي أنفسنا باطلاً.. سبحانك فقنا عذاب النار !!!
_____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



