الصحة و التغذيةكتاب البديل

🚨👈🏼🇲🇦👑⚽المنتخب المغربي: حين يتحول التحدي إلى إنجاز.. “المغرب بلد التحديات.”

 

هكذا قال الراحل الحسن الثاني، وهي عبارة لا تزال تحتفظ بقيمتها الرمزية والدلالية، لأنها تختصر مسار بلد اعتاد أن يحوّل الامتحان إلى فرصة، والصعوبة إلى دافع، والرهان إلى إنجاز. وفي السياق نفسه تقريباً قال الملك الراحل: “نحن شعبٌ للتحدي، وسنظل كذلك دائماً. وعلى الجميع، سواء في الداخل أو في الخارج، أن يعلموا أننا لسنا نحن من نبحث عن التحديات، لكن إذا اعترضت طريقنا تحديات، فإننا نعرف كيف نتجاوزها.” وهذه الكلمات، حين تُقرأ اليوم في ضوء ما يحققه المنتخب المغربي، تبدو أقرب إلى وصف دقيق لروح وطنية ورياضية صلبة، لا تكتفي بر@دّ الفعل، بل تصنع المعنى من قلب الضغط، وتستمد من الإيمان بالله طمأنينةً داخلية تجعل المواجهة أقل قسوة والرهان أكثر اتساعاً.


لم يعد المنتخب المغربي بحاجة إلى أن يُقدَّم بوصفه “مفاجأة”؛ فالمفاجأة، بطبيعتها، لحظة استثنائية عابرة، بينما ما يفعله “أسود الأطلس” منذ قطر وصولاً إلى مونديال أمريكا يقترب أكثر من بناء هوية تنافسية جديدة. في قطر، لم يكن بلوغ المربع الذهبي مجرد نتيجة رياضية لامعة، بل كان إعلاناً صريحاً عن دخول المغرب مرحلة مختلفة من الوعي الكروي: مرحلة لا تكتفي بالمشاركة، بل تطالب بالاعتراف؛ لا تكتفي بالحضور، بل تصنع الإيقاع؛ ولا تكتفي بالتمثيل، بل تنازع الكبار على موقعهم. واليوم، في مونديال أمريكا، تتأكد الفكرة نفسها تقريباً: ما يجري ليس صدفة، بل ثمرة منطق طويل يقوم على الانضباط، والالتزام، والعمل الهادئ الذي لا يحب الضجيج لكنه يحب الإنجاز .

الأمر اللافت في التجربة المغربية أنها لم تُبنَ على نجم واحد، ولا على لحظة إلهام عابرة، بل على روح جماعية صلبة، وإيمان عميق يتجلى في السلوك قبل الخطاب، وفي السجود شكراً لله قبل الحديث عن النتيجة. وهذا في كرة القدم الحديثة ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو أصل الحكاية. فالمنتخب الذي يعرف كيف يدافع، وكيف يهاجم، وكيف ينتقل من حالة إلى أخرى من دون أن يفقد توازنه، هو منتخب يملك أكثر من المهارة؛ يملك الشخصية، ويملك أيضاً سكينة الإيمان التي تمنح المعركة الرياضية معناها الأخلاقي والإنساني. ومن هنا، فإن قيمة المغرب لا تكمن فقط في عدد الانتصارات، بل في الطريقة التي بات يفرض بها احترامه. لقد انتقل من موقع “المنتخب الذي قد يفاجئك” إلى موقع “المنتخب الذي يجب أن تستعد له جيداً”، وهذه نقلة نوعية في الوعي الرياضي قبل أن تكون في النتائج .

أما انتقال القيادة من وليد الركراكي إلى محمد وهبي، فلا ينبغي أن يُقرأ كفصل بين مرحلتين متناقضتين، بل كامتداد لمسار يريد أن يحافظ على روحه مع تجديد أدواته. فالركراكي مثّل لحظة الجرأة، حين تحرر المنتخب من الخوف القديم، وأعاد تعريف سقف الطموح. ثم جاء وهبي ليحمل العبء الأصعب: كيف تُدار الاستمرارية بعد أن يتحول الاستثناء إلى توقع؟ وهذه هي الامتحانات الحقيقية في كرة القدم وفي غيرها؛ فالتألق أسهل من المحافظة على التألق، والدهشة أسهل من ترسيخ المعنى. وإذا كان المغرب قد نجح في عبور الامتحان الأول، فإن التحدي اليوم هو أن يحول الإنجاز إلى ثقافة دائمة، لا إلى ذكرى جميلة .
ولا يكتمل الحديث عن هذا المسار من دون الإشادة بالعمل الجماعي الذي يصنع خلف الأضواء ما يظهر فوق العشب الأخضر. فالمدرب، أيًّا كان اسمه، لا يصنع النجاح وحده؛ إذ يقف وراءه طاقم تقني وإداري وطبي يشتغل بصمت،

ويُحسن قراءة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير. وهنا يبرز اسم موسى الحبشي بوصفه واحداً من جنود الخفاء الذين لا تُقاس قيمتهم بالظهور الإعلامي، بل بعمق الأثر. فقد ظل محلل الأداء بالفيديو عنصراً حاسماً في إعداد المنتخب، يمدّ الطاقم التقني بالمعطيات الدقيقة، ويُسهم في تفكيك خصوم المغرب قراءةً وتحليلاً، بما يعكس أن الإنجاز الحقيقي هو ثمرة شبكة متكاملة من العقول والأيدي والخبرات، لا ثمرة فرد واحد مهما كان بريقه .

ما يثير الانتباه أيضاً أن التجربة المغربية تمنح درساً يتجاوز المستطيل الأخضر. فهي تقول، ببساطة، إن بناء النجاح لا يتم عبر الكلام الكبير ولا عبر الاستعراض الرمزي، بل عبر العمل المتدرج، واحترام التفاصيل، والإيمان بأن المؤسسات حين تعمل بجدية تستطيع أن تُنتج الفارق. وهذا الدرس مهم في زمن يميل إلى الاستعجال ويحب النتائج السريعة، بينما الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى صبر، وإلى وعي بأن الطريق إلى القمة أطول من لحظة الوصول إليها. المغرب، في هذا المعنى، لا يقدم نموذجاً رياضياً فقط، بل يقدم نموذجاً في كيفية تحويل الرؤية إلى واقع .

ولعل أجمل ما في هذا المسار أن المنتخب المغربي لم يعد يقف في المونديال بوصفه مجرد ممثل لمنطقة جغرافية تبحث عن حضور مشرف، بل صار طرفاً يُحسب له العالم حساباً فعلياً. وهذا التحول في النظرة الخارجية لا يقل أهمية عن التحول في الأداء. فحين يصبح احترام الخصم نتيجة طبيعية، ندرك أن شيئاً عميقاً قد تغير. والمغرب اليوم لا يطلب من أحد أن يصفه بالمفاجأة، لأنه تجاوزها فعلاً. إنه يدخل المونديال لا بوصفه صورة جميلة، بل بوصفه حقيقة تنافسية متقدمة، قادرة على الاستمرار، وعلى الإقناع، وعلى إثبات أن التحدي حين يُدار بذكاء، والإيمان بالله يملأ القلوب ثباتاً، يتحول الإنجاز إلى هوية .

وهكذا، فإن الاستمرارية الرياضية ليست رفاهية ولا شعاراً دعائياً، بل امتحاناً يومياً لصلابة المشروع وعمق الرؤية. فإذا كان المغرب قد كسب احترام العالم في لحظة التألق الأولى، فإن التحدي اليوم هو أن يحافظ على ذلك الاحترام، لا عبر ضجيج الكلام، بل عبر انتظام الأداء، وتجدد الفكرة، وقدرة المنتخب على تحويل النجاح من حدث يبهت إلى ثقافة لا تنطفئ. “المغرب بلد التحديات”، و”نحن شعبٌ للتحدي”؛ ومع كل مباراة جديدة، يواصل المنتخب المغربي ترجمة هذه الحقيقة إلى لغة يفهمها العالم: لغة الانتصار حين يكون الانتصار ثمرة عمل، لا مجرد مصادفة، ولغة الإيمان بالله حين يكون الإيمان سنداً للثبات والنجاح .

حميد فوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى