كتاب البديل

الثوابت الدينية الراسخة في المملكة المغربية: الأصول التاريخية، والخصوصية النسقية، ودور إمارة المؤمنين في تدبير التحديات المستقبلية.

 

مقدمة

تشكّل الهوية الدينية للمملكة المغربية نموذجاً متميزاً في الغرب الإسلامي، حيث نجحت في صياغة “أطروحة استقرار” بنيوية قوامها التلاحم العضوي بين ثلاثة أركان مذهبية متكاملة: الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي السلوكي. هذا المزيج النسقي ليس مجرد خيارات جافة، بل هو منظومة فكرية دينية متكاملة تلتئم حول مرجعية سياسية وشرعية عليا تتمثل في إمارة المؤمنين.

 

أولاً: الإطار المفاهيمي والتأصيل التاريخي للثوابت الثلاثة:

تضافرت عوامل تاريخية وجغرافية وسياسية في صياغة الثوابت المغربية، حيث انتقلت هذه المذاهب من حواضر المشرق لتدخل في سيرورة “مغربية ” جعلتها جزءاً لا يتجزأ من الشخصية الوطنية.

1. المذهب المالكي (التأصيل الفقهي)

هو المدرسة الفقهية المنسوبة لـ الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ)، إمام دار الهجرة، وتعتمد على مصادر تشريعية تتميز بالمرونة والتوسع، أبرزها: الكتاب، السنة، عمل أهل المدينة، المصالح المرسلة، وسد الذرائع.

دخل المذهب المالكي إلى المغرب في أواخر القرن الثاني الهجري عبر رحلات علماء المغاربة والأندلس إلى المدينة المنورة (مثل زياد بن عبد الرحمن “شبطون” ويحيى بن يحيى الليثي). وقد وجد المذهب بيئة خصبة في المغرب لملائمته لطبيعة المجتمع القبلي ولنزعته الواقعية. ترسخ المذهب رسمياً في عهد الدولة الإدريسية، ثم أصبح المذهب الرسمي والوحيد للدولة في عهد المرابطين والموحدين وصولاً إلى الدولتين السعدية والعلوية.

2. العقيدة الأشعرية (الأمن الفكري والاعتقادي)

هي المرجعية الكلامية المنتسبة لـ الإمام أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ)، وتقوم على منهج الوسطية والجمع بين النقل والعقل، وتنزيه الخالق مع إثبات الصفات الواردة في النص، وتجتنب تكفير أهل القبلة بذنب.

دخلت الأشعرية إلى المغرب تزامناً مع نهاية القرن الرابع الهجري، لكن التمكين الفعلي والدستوري لها تم على يد الإمام محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، الذي وضع العقيدة المرشدة للدفاع عن التوحيد بأسلوب كلامي. واستمر هذا الاختيار مع المرينيين والسعديين، حيث تبنى المغرب الأشعرية كحصن عقدي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الغلو الخارجي أو الاعتزال الإقصائي.

3. التصوف الجنيدي السلوكي (التزكية الروحية والتربوية)

هو المنهج التربوي والأخلاقي المنسوب لـ الإمام أبي القاسم الجنيد البغدادي (ت 297هـ)، ويتميز بـ “الاعتدال” والتزام ضوابط الكتاب والسنة، حيث يركز على تزكية النفس وتطهير القلوب، متبعداً عن شطحات الفلاسفة وإسقاط التكاليف الشرعية.

حظي التصوف بمكانة رفيعة في المغرب منذ القرون الأولى، وتأصل المنهج الجنيدي تحديداً من خلال كتابات ورسائل القاضي عياض، والإمام أبي مدين الغوث، ثم ابن عباد الرندي صاحب “شرح الحكم العطائية”. أصبح التصوف الجنيدي العمود الفقري لعمل الزوايا المغربية (كالطريقة الشاذلية، والتجانية، والدرقاوية)، موازناً جفاف القياس الفقهي بفيض التربية الروحية.

ثانياً: طبيعة الخصوصية المغربية والاختلاف عن المشرق الإسلامي

لم يكن المغرب مجرد مستهلك للمذاهب المشرقية، بل أعاد إنتاجها في قالب نسقي متكامل يتميز عن المشرق في عدة ميزات بنوية:

 

1. الوحدة والانسجام النمطي:

في حين شهد المشرق الإسلامي صراعات مذهبية وكلامية مريرة بين الحنابلة والشافعية، وبين الأشاعرة والمعتزلة والحشوية، تميز المغرب بـ “الوحدة المذهبية”. فالفقيه هو نفسه المتكلم الأشعري، وهو نفسه الصوفي السلوكي.

2. أجرأة الفقه عبر “العمل” وعلم النوازل:

تميز الفقه المالكي في المغرب بتطوير أدوات تفاعلية مثل “جريان العمل” وفقه النوازل. هذا جعل الفقه مستجيباً للتحولات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المغربي، بخلاف المشرق الذي ظل في كثير من الأحيان متمسكاً بالمتون دون مراعاة لتغير العوائد.

3. تصوف البناء لا تصوف الفناء:

بينما مال التصوف المشرقي في بعض محطاته إلى الإشراق الفلسفي المعقد (مثل أطروحات الحلاج أو السهروردي)، كان التصوف الجنيدي المغربي تصوفاً سلوكياً واجتماعياً وجهادياً. كانت الزاوية في المغرب مؤسسة لإيواء الغرباء، وإطعام المساكين، وتنظيم المقاومة ضد الثغور الاستعمارية.

ثالثاً: نجاعة الثوابت الدينية والارتباط الوظيفي بإمارة المؤمنين

تستمد هذه الثوابت فاعليتها وقوتها القانونية والتنفيذية من ارتباطها العضوي بمؤسسة إمارة المؤمنين، التي تمثل قمة الهرم السياسي والديني في المملكة.

1. التلازم الشرعي والتاريخي

إن عقد البيعة الشرعية في المغرب يربط الأمة بأمير المؤمنين باعتباره حامياً للملة والدين. وتعتبر البيعة هي الآلية السياسية والفقهية التي تضمن الالتزام بالثوابت. فأمير المؤمنين، استناداً إلى الفصل 41 من الدستور المغربي، هو حامي حمى الدين، ورئيس المجلس العلمي الأعلى.

2. النجاعة الوظيفية في تدبير الحقل الديني

الفقه المالكي وإمارة المؤمنين: يوفر الفقه المالكي لإمارة المؤمنين مرونة تشريعية هائلة (عبر المصالح المرسلة وسد الذرائع) لإصدار ظهائر شريفة وقوانين حديثة تتلاءم مع العصر (مثل مدونة الأسرة) دون الخروج عن الشريعة.

الأشعرية كدرع ضد الطائفية: تبني المؤسسة الملكية للأشعرية يمنع نشوء تيارات تكفيرية تحتكر النطق باسم الدين، مما يضمن الأمن الروحي للمواطنين ويجعل الدولة هي الراعي الشرعي الوحيد للشأن الديني.

التصوف كممتص للصدمات الفكرية: تدعم إمارة المؤمنين الطرق الصوفية السنية باعتبارها قنوات للتربية على قيم التسامح والاعتدال، مما يشكل خط دفاع أول ضد التطرف العنيف والأفكار الوافدة.

رابعاً: الاستمرارية في المغرب الحديث وإعادة الهيكلة المؤسساتية.

لم تعد الثوابت الدينية في المغرب الحديث مجرد تراث تاريخي، بل تم إدماجها في بنية الدولة الوطنية الحديثة من خلال استراتيجية “إعادة هيكلة الحقل الديني” التي انطلقت بقوة منذ عام 2004.

المأسسة العلمية: تم تفعيل دور المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، لتكون المؤسسة الرسمية الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى في الشأن العام، مما قطع الطريق على “فوضى الفتاوى”.

تأهيل الفاعلين الدينيين: تأسيس معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، لنشر هذا النموذج المغربي المعتدل محلياً وقارياً.

التعليم العتيق وجامعة القرويين: تمت مأسسة التعليم العتيق وضبط مناهجه الدراسية لدمج العلوم الشرعية بالعلوم الحديثة، مع الحفاظ على المتون الأشعرية والمالكية الكبرى (كالعقيدة الإسنية، ومختصر خليل، ومتن ابن عاشر).

خامساً: الدور الاستراتيجي للثوابت في مواجهة تحديات المستقبل المتغير

في عالم يتسم بالعولمة الجارفة، والسيولة الفكرية، وتصاعد موجات الإلحاد الجديد من جهة، والتطرف العنيف من جهة أخرى، تشكل الثوابت المغربية صمام أمان حاسم:

1. مواجهة تحدي التطرف والسيولة الفكرية:

تقدم الأشعرية بنموذجها العقلي المرن حلاً وسطاً يرفض الجمود الحرفي والنفي العلماني، بينما يقدم التصوف السلوكي إجابات روحية عميقة لشباب يعاني من المادية المفرطة وعقد الهوية.

2. صيانة الوحدة الوطنية والترابية:

إن الالتفاف حول إمارة المؤمنين والاشتراك في مذهب فقهي وعقدي واحد هو الرابط الوثيق الذي يذيب الفوارق العرقية واللغوية (بين الأمازيغ والعرب والحسانيين) في بوثقة وطنية موحدة.

3. الدبلوماسية الروحية والقوة الناعمة:

أصبح “النموذج المغربي” في التدبير الديني مطلوباً دولياً وقارياً، وتحديداً في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث يساهم نشر المذهب المالكي والتصوف التجاني في محاصرة الفكر المتطرف العابر للحدود، مما يعزز الاستقرار الإقليمي للمملكة في بيئة جيوسياسية متحولة.

خاتمة

إن الثوابت الدينية المغربية ليست مجرد اختيارات ماضوية، بل هي بنية نسقية حية ومرنة، استطاعت التكيف مع منطق الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة دون تفريط في أصالتها. وتظل مؤسسة إمارة المؤمنين هي الضامن الأساسي لاستمرارية هذا النموذج، وتحقيق توازنه، وجعله ركيزة استراتيجية لبناء مستقبل مغربي آمن وفكري متزن أمام العواصف والتحولات العالمية.

البروفيسور الدكتور المصطفى قاسمي

استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري.

رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى