ميساج

الكراهية تبدأ بكلمة… وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

الكراهية لا تبدأ برصاصة ولا بصاروخ ولا بحرب، بل تبدأ غالباً بكلمة يستهين بها صاحبها، أو إشاعة يروجها جاهل، أو خطاب يزرعه متطرف، أو منشور يكتبه حاقد. ثم تكبر تلك الكلمة شيئاً فشيئاً حتى تتحول إلى جدار يفصل بين الناس، وإلى نار تحرق جسور التعايش، وإلى قوة مدمرة قادرة على تمزيق الأوطان والشعوب. لذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يخصص العالم يوماً دولياً لمكافحة خطاب الكراهية، لأن الكراهية تبدأ بكلمة، لكنها قد تنتهي بدمار شامل للإنسانية.

أخطر حروب العصر تبدأ بكلمة

في زمن أصبح فيه العالم قرية رقمية صغيرة، وأصبحت فيه الحدود الجغرافية أقل تأثيراً من حدود الشاشات والمنصات الإلكترونية، لم تعد الحروب تبدأ دائماً بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل أصبحت في كثير من الأحيان تبدأ بكلمة، أو صورة، أو تعليق، أو إشاعة، أو منشور مجهول المصدر ينتشر بسرعة الضوء بين ملايين البشر. فالكراهية لم تعد مجرد شعور سلبي يختبئ داخل النفوس، بل تحولت إلى صناعة عالمية قائمة بذاتها، تستثمر فيها جهات متعددة، وتستغلها أنظمة فاسدة ولوبيات سياسية واقتصادية وإيديولوجية من أجل تحقيق مكاسبها الخاصة ولو كان الثمن هو تفكيك المجتمعات وإشعال الفتن وإغراق الشعوب في الصراعات.

ولعل أخطر ما يميز خطاب الكراهية في عصرنا أنه لم يعد يحتاج إلى منابر تقليدية أو مؤسسات ضخمة حتى ينتشر، بل أصبح هاتف صغير في يد شخص مجهول قادراً على إشعال أزمة وطنية أو فتنة اجتماعية أو نزاع بين شعوب ودول. لقد تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة تتصارع فيها الأفكار والمصالح والهويات والانتماءات، وأصبحت الخوارزميات نفسها أحياناً شريكاً غير مباشر في نشر المحتويات المثيرة للغضب والانقسام لأنها تجلب التفاعل والمشاهدات والأرباح.

إن البشرية اليوم لا تواجه فقط أزمة اقتصادية أو سياسية أو بيئية، بل تواجه أزمة أخلاقية وثقافية عميقة عنوانها تراجع ثقافة الحوار وصعود ثقافة الإلغاء، وتراجع قيم التعايش وصعود منطق الكراهية، وتراجع الإيمان بالاختلاف كقيمة إنسانية لصالح اعتباره تهديداً يجب القضاء عليه.

صناعة الكراهية

ليست الكراهية دائماً نتيجة خلافات طبيعية بين الناس، بل كثيراً ما تكون مشروعاً منظماً يتم إنتاجه وتغذيته وتوجيهه. فهناك أنظمة تستفيد من خلق عدو داخلي أو خارجي لصرف الأنظار عن الفساد وسوء التدبير، وهناك جماعات متطرفة لا تعيش إلا على الانقسام والصراع، وهناك مصالح اقتصادية وإعلامية تجد في الإثارة والاحتقان مصدراً للربح والتأثير.
ولهذا أصبحت الكراهية في كثير من الأحيان سلعة سياسية وإعلامية، يتم تسويقها بطرق مختلفة عبر استغلال الدين أو العرق أو اللغة أو الجهة أو التاريخ أو الثقافة أو حتى الانتماءات الرياضية والفنية. وكلما ازدادت المجتمعات انقساماً، ازدادت قدرة المستفيدين من هذا الانقسام على التحكم فيها وتوجيهها.

العالم الرقمي… الحاضنة الجديدة للكراهية

إذا كانت الكراهية في الماضي تحتاج إلى سنوات حتى تنتشر، فإنها اليوم لا تحتاج إلا إلى دقائق. فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الجميع حق التعبير، وهو حق مشروع ومكسب إنساني مهم، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام موجات غير مسبوقة من التحريض والتشهير والتنمر والإشاعات وخطابات الإقصاء.
لقد أصبحت بعض الصفحات والحسابات المتخصصة تعيش على صناعة الصراعات الوهمية والحقيقية، وتبحث عن أي قضية يمكن أن تثير الغضب بين الناس، لأن الغضب يرفع نسب التفاعل والمشاهدة. وهكذا يجد المواطن نفسه أحياناً داخل دوامة رقمية تغذيه يومياً بجرعات من الكراهية دون أن يشعر، فيتحول الاختلاف الطبيعي إلى عداء، ويتحول النقاش إلى معركة، ويتحول الرأي المخالف إلى خصم يجب القضاء عليه.

من العنصرية إلى التنمر

خطاب الكراهية لا يظهر فقط في القضايا السياسية الكبرى، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فهو حاضر في العنصرية ضد المختلفين عرقياً أو لونياً، وفي التمييز ضد الفقراء، وفي السخرية من ذوي الإعاقة، وفي التنمر على الأطفال والتلاميذ والنساء، وفي احتقار أصحاب المهن البسيطة، وفي تصنيف البشر وفق مستوياتهم التعليمية أو أوضاعهم الاجتماعية.
كما يظهر في الخطابات القبلية والعائلية والجهوية التي تزرع الشعور بالتفوق لدى البعض والدونية لدى البعض الآخر، وفي الأحكام المسبقة التي تصدر بحق الناس بسبب أسمائهم أو لهجاتهم أو أصولهم أو معتقداتهم.
إن كل هذه الممارسات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تشكل البذور الأولى للكراهية التي قد تتحول لاحقاً إلى عنف وإقصاء وتمزيق للنسيج الاجتماعي.

الكراهية داخل الشعب الواحد

من أخطر مظاهر الكراهية تلك التي تنشأ داخل المجتمع الواحد. فعندما يبدأ المواطن في النظر إلى مواطن آخر باعتباره خصماً بسبب انتمائه السياسي أو الجهوي أو الثقافي أو الاجتماعي، فإن المجتمع يدخل مرحلة خطيرة من التفكك.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط فقط بسبب الحروب الخارجية، بل قد تنهار من الداخل عندما تنتصر الكراهية على روح المواطنة، وعندما تصبح الانتماءات الضيقة أقوى من الانتماء للوطن، وعندما يتراجع الحوار لصالح التخوين والتكفير والتشهير والإقصاء.

التربية ضد الكراهية

لا يمكن محاربة خطاب الكراهية بالقوانين وحدها، رغم أهمية التشريعات الزجرية، بل يجب أن تبدأ المواجهة من المدرسة والأسرة والجامعة ووسائل الإعلام ودور الثقافة والشباب والفضاءات الرياضية والفنية.
فالطفل الذي يتعلم احترام الاختلاف يصبح مواطناً قادراً على التعايش. والشاب الذي يتربى على الحوار يصبح أقل قابلية للتطرف. والمواطن الذي يعتاد على النقاش الهادئ يصبح أكثر قدرة على بناء مجتمعه بدل هدمه.
إن التربية على المواطنة والتسامح ليست ترفاً فكرياً، بل هي استثمار استراتيجي في أمن الدول واستقرار المجتمعات ومستقبل الأجيال.

الإعلام بين البناء والهدم

للإعلام مسؤولية تاريخية في هذه المعركة. فإما أن يكون جسراً للتواصل والتفاهم، وإما أن يتحول إلى منصة لنشر الأحقاد والصراعات. لذلك يصبح من الضروري تعزيز أخلاقيات المهنة الصحفية، ومحاربة الأخبار الزائفة، والتصدي لخطابات التحريض، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل نشرها.
فالصحافة الحقيقية لا تؤجج الكراهية، بل تفتح مساحات للحوار وتبحث عن الحقيقة وتدافع عن حق الجميع في الكرامة والاحترام.

لننتصر للإنسان

إن اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية ليس مجرد مناسبة رمزية تضاف إلى أجندة الأمم المتحدة، بل هو جرس إنذار عالمي يدعونا جميعاً إلى مراجعة سلوكنا الفردي والجماعي. فالكراهية لا تقتل فقط ضحاياها المباشرين، بل تقتل الثقة والتعايش والأمل والمستقبل.
إن الإنسانية اليوم بحاجة إلى أصوات تبني لا تهدم، وتوحد لا تفرق، وتقرب لا تبعد. فالكلمة التي تزرع الاحترام أقوى من الكلمة التي تزرع الحقد، والحوار أكثر قدرة على صناعة المستقبل من الصراخ، والمحبة أكثر نفعاً للبشرية من كل أشكال العداء.

وإذا كانت الكراهية قادرة على إشعال الحرائق، فإن الكلمة المسؤولة قادرة على إطفائها، وإذا كانت بعض القوى تستثمر في الانقسام، فإن الشعوب الواعية قادرة على الاستثمار في الوحدة والتضامن والتعايش. ولذلك يبقى الدفاع عن ثقافة الاحترام والتسامح والتنوع مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل، لأنها في النهاية دفاع عن الإنسان نفسه.

لنعمل اذن من أجل التخلص من كل مظاهر الكراهية عبر تطبيق هذه العشارية

أولا : تعزيز التربية على المواطنة وحقوق الإنسان في جميع المؤسسات التعليمية.
ثانيا : إدماج التربية الرقمية ضمن المناهج الدراسية لمحاربة التضليل وخطاب الكراهية الإلكتروني.؟
ثالثا : تشجيع الحوار بين الثقافات والانتماءات المختلفة
رابعا : تطوير تشريعات توازن بين حرية التعبير وحماية الكرامة الإنسانية.
خامسا : دعم الإعلام المهني المسؤول ومكافحة الأخبار الزائفة
سادسا : إلزام المنصات الرقمية بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه المحتويات المحرضة.
سابعا : نشر ثقافة التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها أو التعليق عليها.
ثامنا : تشجيع المبادرات الشبابية والثقافية والفنية التي تعزز قيم التعايش والتسامح.
تاسعا: تعزيز دور الأسرة في تربية الأطفال على احترام الاختلاف.
عاشرا : اعتبار مكافحة خطاب الكراهية مشروعاً مجتمعياً دائماً وليس مجرد حملة موسمية أو مناسبة سنوية.

اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية .. النشأة والمسار والمحطات

يخلّد العالم اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية، يوم 18 يونيو من كل سنة. وهي مناسبة أممية حديثة نسبياً، لكنها اكتسبت أهمية متزايدة بسبب الانتشار الواسع لخطابات التحريض والعنصرية والتمييز عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
بدأ الاهتمام الأممي المنظم بهذه القضية مع إطلاق الأمم المتحدة استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية في 18 يونيو 2019، بهدف مواجهة تصاعد خطاب الكراهية عالمياً.
وفي 21 يوليوز 2021 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار دولياً لمكافحة خطاب الكراهية، داعياً الدول والمنظمات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني إلى تكثيف جهودها لمحاربة هذه الظاهرة.
و تعرف الأمم المتحدة خطاب الكراهية بأنه كل تعبير أو تواصل يهاجم أو يحط من قدر أشخاص أو جماعات بسبب هويتهم أو دينهم أو أصلهم أو عرقهم أو جنسهم أو أي انتماء آخر. وقد أصبح هذا الخطاب أكثر انتشاراً مع التطور الرقمي وسرعة تداول المحتوى عبر الإنترنت.
تشير تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية إلى أن العالم يعيش مرحلة تتسم بارتفاع الاستقطاب السياسي والديني والثقافي، وتزايد خطاب الكراهية ضد الأقليات والمهاجرين والجماعات الدينية المختلفة. كما أن الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية أصبحا يطرحان تحديات جديدة تتعلق بسرعة إنتاج ونشر المحتويات المحرضة على الكراهية.
من بين المواضيع المطروحة بقوة هذه السنة العلاقة بين خطاب الكراهية والذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تسهم في الحد من الكراهية أو، على العكس، أن تساعد على نشرها إذا غابت الضوابط الأخلاقية والقانونية.
كما يركز النقاش الدولي على مكافحة الكراهية في الفضاء الرقمي، حماية حرية التعبير دون السماح بالتحريض والعنف، دور التعليم والإعلام في نشر ثقافة التسامح، مسؤولية شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.
وصدرت خلال 2025 و2026 عدة تقارير وتحذيرات دولية تؤكد استمرار تصاعد خطابات الكراهية على الإنترنت. فقد حذرت مؤسسات متخصصة من أن تخفيف الرقابة على بعض المنصات الرقمية قد يؤدي إلى زيادة كبيرة في المحتويات المحرضة والعنيفة والعنصرية. كما سجلت تقارير أممية وأوروبية استمرار ارتفاع مظاهر الكراهية الموجهة ضد جماعات دينية وعرقية مختلفة في عدد من الدول.
الرسالة الأساسية لهذا اليوم هي أن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية والثقافية والتكنولوجية، وأن حرية التعبير لا تتعارض مع احترام كرامة الإنسان، بل تكتمل بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى