أسود الأطلس يزأرون … عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنساب

بقلم : بوشعيب حمراوي
في كل مرة يحقق فيها المغرب إنجازاً رياضياً كبيراً، أو يلفت أنظار العالم بأداء جماعي راقٍ، أو يثبت أن أبناءه قادرون على منافسة كبار المنتخبات، تخرج من الظل أصوات لا تنشغل بما جرى فوق أرضية الملعب، ولا بما قدمه اللاعبون من عطاء وتضحيات، ولا بما حملته المباراة من رسائل رياضية وإنسانية وحضارية، بل تنشغل بشيء آخر تماماً: البحث في شهادات الازدياد، والتنقيب في الأصول العائلية، وإقامة محاكم تفتيش جديدة للانتماء والهوية والوطنية.
إنها عقلية غريبة لا ترى في كرة القدم لعبة تجمع الشعوب، ولا في الرياضة جسراً للتواصل الإنساني، بل تراها مناسبة لإحياء النعرات الضيقة، واستدعاء الأسوار النفسية والحدود الوهمية التي صنعتها السياسة والعصبيات والقبائل والمصالح المتصارع.
لقد شاهد العالم منتخب المغرب وهو يبدع أمام كبار المنتخبات، ويقدم كرة حديثة ومتطورة، ويثبت مرة أخرى أن العمل الجاد والتخطيط السليم قادران على صناعة المعجزات، لكن بعض العقول لم تر كل ذلك. لم تر التمريرات ولا التكتيك ولا الروح القتالية ولا الانضباط الجماعي، بل رأت فقط مكان ولادة هذا اللاعب أو ذاك، وكأن قيمة الإنسان تختزل في بقعة جغرافية خرج منها إلى الدنيا.
سقوط الفكر القبلي في زمن العولمة
المفارقة الكبرى أن أصحاب هذا الخطاب يعيشون في زمن العولمة لكنهم يفكرون بعقلية القبيلة. يستخدمون أحدث وسائل الاتصال في العالم للدفاع عن أكثر الأفكار انغلاقاً. يتحدثون عبر منصات تجمع البشرية كلها، لكنهم يصرون على تقسيم الناس إلى فئات ومراتب وهويات مغلقة.
لقد تجاوز العالم منذ زمن طويل فكرة نقاء الأعراق وصفاء الأنساب وأوهام التفوق العرقي والثقافي. فالدول الحديثة بنيت على المواطنة والكفاءة والاختيار الحر والانتماء الإرادي، لا على لون البشرة ولا على مكان الولادة ولا على اسم الجد الخامس أو السادس.
فهل يعقل أن يأتي شخص في القرن الحادي والعشرين ليقنعنا بأن اللاعب الذي اختار حمل قميص بلده والدفاع عنه والتضحية من أجله أقل انتماءً من غيره فقط لأنه ولد في مدينة أوروبية؟ وهل يمكن أن يصبح الانتماء الوطني مجرد إحداثية جغرافية بينما يغيب الحديث عن المشاعر والقيم والاختيارات والمواقف؟
ازدواجية المعايير وذاكرة الانتقاء
المثير للاستغراب أن الذين يهاجمون المغرب بسبب لاعبيه المولودين بالخارج يلتزمون الصمت عندما يتعلق الأمر بمنتخبات أخرى. فهم لا يرون التنوع البشري داخل المنتخبات الأوروبية الكبرى، ولا يتوقفون عند تجارب التجنيس الرياضي في دول عديدة، ولا يطرحون الأسئلة نفسها عندما يتعلق الأمر بفرق ومنتخبات أخرى.
إنهم لا يناقشون الظاهرة كمبدأ، بل يستعملونها كسلاح ظرفي عندما يكون المستهدف هو المغرب أو أي تجربة ناجحة يراد التقليل من شأنها.
وهنا تتحول القضية من نقاش رياضي مشروع إلى موقف نفسي وسياسي قائم على الرغبة في التشويش على النجاح أكثر من البحث عن الحقيقة.
الإنسانية أكبر من الحدود
لقد خلق الإنسان قبل أن تُخلق الدول، وعاش على هذه الأرض قبل أن تُرسم الحدود وتُرفع الأعلام وتُكتب الدساتير. والإنسانية ستظل دائماً أوسع من كل الخرائط وأكبر من كل الجوازات.
فالحدود التي نعتبرها اليوم حقائق مطلقة هي في كثير من الأحيان نتائج حروب واتفاقيات وصراعات وتحولات تاريخية متغيرة. أما القيم الإنسانية المشتركة فهي الثابت الحقيقي الذي يمنح للبشرية معناها.
ولهذا فإن الرياضة كانت دائماً من أجمل المجالات التي تذكر الناس بأن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم. فهي لغة عالمية يفهمها الجميع، وتمنح الملايين فرصة للالتقاء حول الفرح والحلم والإبداع والتنافس الشريف.
أما تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات العرقية أو الثقافية أو السياسية فهو انتصار للعصبية على العقل، وللجهل على المعرفة، وللانغلاق على الانفتاح.
المنتخب المغربي… صورة لمغرب العالم
إن المنتخب المغربي الحديث لا يمثل فقط أحد عشر لاعباً داخل الملعب، بل يمثل قصة مغرب ممتد عبر القارات، مغرباً يعيش داخل حدوده وخارجها، مغرباً يحمل أبناءه في الدار البيضاء والرباط وطنجة كما يحملهم في أمستردام وبروكسيل وباريس ومدريد ومونتريال.
إنه نموذج لوطن استطاع أن يحافظ على ارتباط أبنائه به رغم المسافات، وأن يجعلهم يختارون حمل ألوانه بكل فخر واعتزاز.
وهذا ليس مصدر ضعف كما يحاول البعض تصويره، بل مصدر قوة حضارية وإنسانية نادرة، لأن الأوطان القوية ليست تلك التي تحبس أبناءها داخل الحدود، بل تلك التي تجعل أبناءها مرتبطين بها أينما وجدوا.
انتصار الإنسان على العصبية
المشكلة الحقيقية ليست في اللاعبين الذين ولدوا خارج أوطانهم الأصلية، بل في العقول التي ما زالت عاجزة عن استيعاب أن العالم تغير، وأن الإنسانية تتقدم كلما تراجعت العنصرية، وأن المجتمعات تزدهر كلما انتصرت قيم التعايش والتنوع والانفتاح.
لقد آن الأوان للتوقف عن محاكم الأنساب والولادات والجذور، والعودة إلى جوهر الرياضة ورسالتها النبيلة. فاللاعب يُقاس بما يقدمه داخل الملعب، والإنسان يُقاس بأخلاقه ومواقفه وأعماله، والأوطان تُقاس بقدرتها على احتضان أبنائها لا بعدد الكيلومترات التي تفصلهم عنها.
وحين يدرك العالم هذه الحقيقة البسيطة، ستصبح كرة القدم كما أرادها عشاقها دائماً: مساحة للفرح الإنساني المشترك، لا ساحة لإعادة إنتاج الأحقاد والعصبيات التي أرهقت البشرية قروناً طويلة.
جيوش رقمية ضد كل نجاح مغربي
ولعل أخطر ما يواجهه المغرب اليوم ليس فقط خصومه التقليديون، بل أيضاً تلك الجيوش الرقمية التي تستنفر عند كل نجاح مغربي، وعند كل مبادرة تنموية أو دبلوماسية أو رياضية أو ثقافية أو إنسانية، لتطلق حملات منظمة من التشكيك والتبخيس والتسفيه والتهويل. فهؤلاء لا يناقشون الوقائع بقدر ما يسعون إلى صناعة واقع بديل قائم على الإشاعة وتضليل الرأي العام ونشر الإحباط وفقدان الثقة. إنهم يرون وحدهم ما لا يراه ملايين المغاربة وآلاف المراقبين والخبراء والمؤسسات الدولية، ويدّعون اكتشاف الكوارث والمؤامرات والفضائح في كل خطوة يخطوها الوطن، بينما تأتي الوقائع والأرقام والشهادات الدولية لتكذب مزاعمهم الواحدة تلو الأخرى.
لقد تحول هؤلاء مأجوري العالم الآخر إلى تجار للأزمات الوهمية، يقتاتون على السلبية وينزعجون من كل خبر سار، لأن نجاح المغرب ينسف رواياتهم، وتقدم المغرب يفضح خطاباتهم، واستقرار المغرب يحرمهم من مادة الإلهاء التي يعيشون عليها. لذلك تجدهم يسارعون إلى تضخيم كل حادث معزول، وإعادة تدوير كل إشاعة، واختراع كل قصة قابلة لإثارة البلبلة، أملاً في زعزعة ثقة المغاربة في أنفسهم ومؤسساتهم ومستقبلهم. غير أن المشكلة الكبرى التي تواجههم هي أن الحقائق أقوى من الدعاية، وأن الإنجازات الملموسة لا تمحوها المنشورات المأجورة، وأن المغرب الذي يراه العالم من خلال استقراره ومشاريعه الكبرى ومكانته الدولية ليس هو المغرب الذي يحاول هؤلاء رسمه داخل غرف الكراهية ومصانع التضليل الرقمي. ولذلك فإن معركتهم الحقيقية ليست مع الحكومة أو مع مؤسسة أو مع مشروع بعينه، بل مع صورة وطن يواصل التقدم رغم كل محاولات التشويش والتشويه.


