ميساج

البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخاسة

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

لا يمكن الحديث عن برلمان قوي في ظل تواجد أحزاب ضعيفة، ولا عن ديمقراطية متقدمة في ظل استمرار أسواق النخاسة الانتخابية التي تُعرض فيها الأصوات والذمم والولاءات للبيع والشراء كلما اقترب موعد الاستحقاقات. فالبرلمان الذي يليق بمغرب الغد لا تصنعه الأموال ولا شبكات السماسرة ولا التحالفات المشبوهة، بل يصنعه ساسة راقون يؤمنون بأن السياسة رسالة قبل أن تكون موقعاً، وأن التمثيل الشعبي مسؤولية وطنية قبل أن يكون امتيازاً انتخابياً.
ففي الوقت الذي يفتح فيه المغرب أبوابه أمام جيل جديد من الشباب ويهيئ الشروط القانونية والمالية لمشاركتهم السياسية، ما زالت بعض العقليات الحزبية أسيرة منطق “مول الشكارة” وأسواق النفوذ والزبونية، وكأنها تسير عكس اتجاه الإصلاح الذي يقوده المغرب بثبات منذ سنوات.

أي برلمان نريد؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد مع كل استحقاق انتخابي: أي برلمان نريد؟ هل نريد مؤسسة دستورية قوية تعكس إرادة الأمة وتواكب التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة، أم نريد مجرد قاعة واسعة يجلس فيها منتخبون وصل بعضهم عبر المال والنفوذ والولاءات الضيقة، أكثر مما وصلوا عبر ثقة المواطنين وبرامجهم السياسية؟
السؤال ليس ترفاً فكرياً ولا نقاشاً نخبوياً معزولاً عن الواقع، بل هو سؤال يرتبط مباشرة بمستقبل المغرب السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة للتصويت على القوانين أو مراقبة الحكومة، بل هو مرآة للمجتمع ومختبر للديمقراطية ومؤشر حقيقي على مدى نضج الحياة السياسية داخل أي دولة.

الشباب أولاً… الرسالة الملكية التي لم يفهمها الجميع

منذ سنوات، يحرص جلالة الملك محمد السادس على التأكيد في خطبه وتوجيهاته على ضرورة فتح المجال أمام الشباب المغربي للمشاركة في تدبير الشأن العام وتحمل المسؤوليات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية. ولم يكن قرار تخصيص الدعم العمومي وتشجيع ترشيح الشباب مجرد إجراء تقني أو مالي، بل كان رسالة سياسية واضحة مفادها أن مغرب المستقبل لا يمكن أن يُبنى بعقليات الأمس وحدها، وأن الأجيال الصاعدة مطالبة بأن تنتقل من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل وصانع القرار.
ولذلك فإن الانتخابات المقبلة تشكل فرصة تاريخية أمام شباب المغرب الصاعد، من أجل الانخراط المكثف في العمل السياسي والحزبي والمؤسساتي، ليس فقط عبر التصويت، بل أيضاً عبر الترشح والترافع والتأطير والمشاركة في صناعة القرار. فالأوطان لا يبنيها المتفرجون، والديمقراطية لا تتطور في ظل عزوف الشباب وابتعادهم عن الفعل السياسي.
غير أن المؤسف هو أن بعض الهيئات الحزبية ما زالت تتعامل مع هذه التوجيهات الملكية بمنطق الشكليات والخطابات الموسمية، بينما تستمر عملياً في إعادة إنتاج نفس النخب ونفس الوجوه ونفس الآليات التي ساهمت في إضعاف الثقة في العمل السياسي.

حين يتحول “مول الشكارة” إلى مشروع سياسي

في الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون أن تفتح الأحزاب أبوابها للكفاءات والأطر والشباب والنساء وأصحاب المشاريع الفكرية والتنموية، ما زالت بعض الهيئات منشغلة بالبحث عن “مول الشكارة” القادر على تمويل الحملات الانتخابية أكثر من انشغالها بالبحث عن أصحاب الكفاءة والبرامج والرؤى.
ففي عدد من الدوائر الانتخابية، لا يزال السؤال المطروح داخل بعض المكاتب السياسية والتنظيمية ليس: من هو الأقدر على خدمة المواطنين؟ بل: من هو الأقدر على الإنفاق؟ ومن يستطيع تعبئة الأموال؟ ومن يملك شبكات النفوذ والعلاقات؟ وكأننا أمام بورصة انتخابية لا أمام منافسة ديمقراطية.
والمفارقة المؤلمة أن بعض الأحزاب التي ترفع شعارات التحديث والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تجد نفسها عند لحظة توزيع التزكيات خاضعة لمنطق المال الانتخابي أكثر من خضوعها لمنطق الكفاءة والاستحقاق.

عودة سماسرة الانتخابات من الباب الواسع

وإذا كانت الدولة المغربية قد راكمت خلال السنوات الماضية جهوداً كبيرة لمحاربة الفساد الانتخابي، فإن الواقع الميداني يكشف أن سماسرة الانتخابات بدأوا في العودة تدريجياً إلى الواجهة، وكأنهم يستعدون لموسم اقتصادي استثنائي أكثر من استعدادهم لاستحقاق ديمقراطي.
ففي بعض المناطق، بدأت الأحاديث تدور مبكراً عن لوائح الوسطاء والوسطاء المضادين، وعن شبكات التعبئة السرية، وعن أسواق مفتوحة لشراء الذمم واستمالة الناخبين بوسائل مختلفة. وكأن بعض الفاعلين لم يستوعبوا بعد أن الديمقراطية لا تُبنى بالرشوة الانتخابية، وأن المقعد البرلماني ليس سلعة تُشترى في السوق، بل أمانة ومسؤولية وتمثيل للأمة.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط تأثيرها على نتائج الانتخابات، بل تأثيرها على صورة السياسة نفسها. فحين يقتنع المواطن أن المال هو الذي يصنع المنتخب، فإنه يفقد الثقة في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية برمتها.\

دوائر انتخابية… نتائجها معروفة قبل فتح الصناديق

من الظواهر التي تطرح أكثر من علامة استفهام أيضاً وجود دوائر انتخابية بات كثير من المتتبعين يعتبرون أن نتائجها محسومة مسبقاً لفائدة أحزاب معينة، ليس بالضرورة بسبب قوة برامجها أو حضورها الميداني، وإنما بفعل تراكمات انتخابية وشبكات نفوذ وتحالفات محلية تجعل المنافسة الحقيقية شبه غائبة. بل إن هناك من يسوق للعموم أنها مقاعد محجوزة مسبقا لأحزاب بيعها، وأن على تلك الأحزاب أن تجند لها فقط الفرسان التي تريد منحها تلك المقاعد البرلمانية.

وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن إقناع المواطنين بالمشاركة السياسية إذا كانوا يعتقدون مسبقاً أن بعض المقاعد حُسمت قبل انطلاق الحملة الانتخابية؟ وكيف يمكن تجديد النخب إذا ظلت بعض الدوائر الانتخابية مغلقة عملياً أمام الكفاءات الجديدة؟
إن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم فقط على نزاهة الاقتراع يوم التصويت، بل تقوم أيضاً على تكافؤ الفرص قبل ذلك بكثير في القيادة الحزبية والترشيح,

البرلمان الذي نريده

البرلمان الذي نريده ليس برلمان الأثرياء ولا برلمان أصحاب النفوذ ولا برلمان الباحثين عن الامتيازات والحصانة والوجاهة الاجتماعية.
البرلمان الذي نريده هو برلمان الكفاءات والخبرات والأفكار والبرامج.
برلمان يضم الشباب كما يضم أصحاب التجربة، ويجمع بين الخبرة والحيوية، بين الحكمة والطموح. برلمان يتحدث لغة المواطنين لا لغة المصالح الخاصة. برلمان يراقب الحكومة بجرأة ويشرع للمستقبل بوعي ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
برلمان يعكس حقيقة المغرب المتنوع والمتعدد والطموح، لا برلمان تتحكم فيه شبكات المال والولاءات الانتخابية الضيقة.

الفرصة الأخيرة قبل أن يفقد المواطن ثقته

ما زال أمام الأحزاب السياسية متسع من الوقت لتصحيح المسار قبل موعد الاستحقاقات التشريعية. وما زالت أمامها فرصة لإثبات أنها مؤسسات للتأطير السياسي وليست فقط آلات انتخابية موسمية. وما زال بإمكانها أن تنصت للرسالة الملكية الواضحة الداعية إلى تمكين الشباب وتجديد النخب وإعطاء الأولوية للكفاءة والاستحقاق.

أما إذا استمر البحث عن “مول الشكارة”، وعادت أسواق شراء الأصوات إلى النشاط، واستمرت بعض الدوائر الانتخابية رهينة حسابات محسومة سلفاً، فإن الخاسر الأكبر لن يكون حزباً أو مرشحاً بعينه، بل ستكون الثقة السياسية نفسها والبلد بأكمله.
والمغرب اليوم لا يحتاج إلى برلمان يُنتخب فقط… بل يحتاج إلى برلمان يُقنع المواطنين بأنه يستحق أن يُنتخب.

الملكية البرلمانية بين الممارسة الواقعية والشعارات الموسمية

من المفارقات السياسية التي تستحق التوقف عندها أن بعض الأصوات لا تتردد بين الفينة والأخرى في رفع شعار “الملكية البرلمانية”، وكأن المغرب يعيش حالة جمود مؤسساتي أو رفض للإصلاح الديمقراطي، بينما تكشف الوقائع أن المؤسسة الملكية كانت ولا تزال المحرك الرئيسي لمعظم الإصلاحات السياسية والدستورية والمؤسساتية التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة. فمن توسيع صلاحيات البرلمان والحكومة، إلى دسترة الحقوق والحريات، مرورا بتعزيز مكانة المعارضة البرلمانية وتوسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة، وصولا إلى تشجيع مشاركة الشباب والنساء وتجديد النخب السياسية، نجد أن المبادرات الكبرى للإصلاح كانت دائما تنطلق من رؤية ملكية استشرافية تسعى إلى بناء مؤسسات قوية ومتوازنة وقادرة على مواكبة التحولات الوطنية والدولية.
فإذا كان جوهر الملكية البرلمانية في التجارب الديمقراطية الحديثة يقوم على وجود برلمان قوي وأحزاب قوية ونخب سياسية مؤهلة وقادرة على إنتاج الأغلبية والمعارضة وتداول المسؤولية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: من الذي يعرقل اليوم بناء هذا البرلمان القوي؟ هل هي المؤسسة الملكية التي ما فتئت تدعو إلى تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب وإشراك الشباب والنساء وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أم هي بعض الأحزاب التي ما زالت أسيرة الحسابات الضيقة وصراعات المواقع ومنطق الولاءات والبحث عن “مول الشكارة” أكثر من بحثها عن الكفاءة والاستحقاق؟
لقد أصبح واضحا أن جزءا مهما من أعطاب السلطة التشريعية لا يرتبط بنصوص الدستور ولا بطبيعة النظام السياسي، بل يرتبط أساسا بأزمة الوساطة الحزبية. فالأحزاب التي يفترض أن تكون مدارس لإنتاج النخب ومشاتل للكفاءات ومختبرات للأفكار، تحولت في بعض الحالات إلى فضاءات لإعادة تدوير نفس الوجوه ونفس العقليات ونفس الممارسات التي تسيء إلى السياسة أكثر مما تخدمها. ولذلك يبدو أن المؤسسة الملكية تسير في اتجاه توسيع فضاءات المشاركة وتقوية المؤسسات المنتخبة، بينما تسير بعض التنظيمات الحزبية في الاتجاه المعاكس عندما تفرغ هذه المؤسسات من مضمونها الحقيقي عبر التحكم في الترشيحات وإقصاء الكفاءات وتغليب المال الانتخابي على الكفاءة السياسية.
ومن هنا فإن النقاش حول الملكية البرلمانية ينبغي ألا يتحول إلى مجرد شعار سياسي أو أداة للمزايدة الإيديولوجية. فالمشكل الحقيقي في المغرب اليوم ليس غياب الإرادة في الإصلاح، بل ضعف جزء من النخب الحزبية في مواكبة هذا الإصلاح. كما أن رفع هذا الشعار من طرف بعض الجهات لا يبدو دائما مرتبطا بالرغبة في تعميق المسار الديمقراطي أو استكمال بناء دولة المؤسسات، بقدر ما يرتبط أحيانا بمحاولات إعادة توزيع مراكز النفوذ والسلطة داخل المشهد السياسي. فالديمقراطية ليست مجرد نقل للاختصاصات من مؤسسة إلى أخرى، وإنما هي قبل كل شيء بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الكفاءة والمحاسبة والنزاهة واحترام إرادة المواطنين. ولذلك فإن الطريق نحو برلمان قوي لا يمر عبر تغيير الشعارات فقط، بل عبر إصلاح الأحزاب وتجديد النخب وتمكين الشباب ومحاربة الفساد الانتخابي، حتى تصبح المؤسسة التشريعية بالفعل معبرة عن الإرادة الشعبية وقادرة على ممارسة أدوارها الدستورية كاملة في التشريع والرقابة والترافع عن قضايا الوطن والمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى