الصحة و التغذيةميساج

القاصر ليس مادة إعلامية … و الكاميرا أداة للتوعية وليست وسيلة لاستغلال الأطفال

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

بين حق المجتمع في المعلومة وحق الطفل في الحماية

في كل موسم امتحانات إشهادية، وفي كل مناسبة مدرسية أو حدث أو حادث يهم الناشئة، تتكرر أمامنا مشاهد باتت مألوفة حد التطبيع معها. كاميرات وهواتف محمولة تلاحق التلاميذ القاصرين أمام أبواب المؤسسات التعليمية وفي الشوارع والساحات العمومية وداخل الاحياء السكنية، وأسئلة تُطرح عليهم بشكل مباشر في غياب أولياء أمورهم. بحثاً عن تصريح مثير أو عبارة ساخرة أو موقف غريب يضمن آلاف المشاهدات والتفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي. وما يثير القلق أكثر هو أن هذه الممارسات أصبحت تُقدم أحياناً على أنها عمل إعلامي مشروع، بينما هي في كثير من الحالات لا تعدو أن تكون استغلالاً لمرحلة عمرية حساسة لا يمتلك فيها الطفل أو المراهق القدرة الكاملة على تقدير تبعات ما يقوله أو ما ينشر عنه.

لقد أصبح بعض صناع المحتوى وبعض الممارسين للعمل الإعلامي يبحثون عن الإثارة السهلة في تصريحات التلاميذ، ليس بهدف فهم واقع المدرسة أو تشخيص أعطاب المنظومة التربوية، بل بهدف صناعة محتوى سريع الانتشار. وهنا يتحول القاصر من إنسان له حقوق وكرامة ومستقبل إلى مجرد وسيلة لجلب المشاهدات وتحقيق الأرباح وحصد الشهرة الرقمية.

إن المجتمع الذي يسمح باستغلال أطفاله إعلامياً تحت أي مبرر، إنما يضعف واحدة من أهم منظومات الحماية التي يفترض أن تحيط بالطفولة، لأن الطفل ليس مشروع خبر عاجل، وليس مادة إعلامية، وليس سلعة رقمية قابلة للاستهلاك الجماهيري.

الطفولة ليست مجالاً للتجارب الإعلامية

يخطئ كثيرون حين يعتقدون أن مجرد موافقة الطفل على الحديث أمام الكاميرا تمنح المشروعية الأخلاقية والقانونية لنشر تصريحاته. فالطفل بحكم سنه لا يدرك غالباً حجم التأثير الذي قد تتركه كلماته على مستقبله الدراسي أو المهني أو الاجتماعي.
كم من تصريح عفوي صدر عن تلميذ تحت ضغط اللحظة أو بدافع المزاح أو الحماس، ثم تحول بعد سنوات إلى مادة للسخرية والتنمر والتشهير. وكم من طفل وجد نفسه محاصراً بتسجيلات رقمية لا يستطيع حذفها من ذاكرة الإنترنت مهما حاول.
إن الطفل يحتاج إلى الحماية من نفسه أحياناً، كما يحتاج إلى الحماية من الآخرين. ولهذا جاءت المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية لتضع مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار، بما في ذلك الاعتبارات الإعلامية والتجارية.

عندما تصبح المشاهدات أهم من أخلاقيات المهنة

الإعلام الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهدات ولا بحجم التفاعل الرقمي. الإعلام الحقيقي يقاس بمدى احترامه للإنسان وحقوقه وكرامته. لكننا نعيش اليوم مرحلة أصبح فيها بعض صناع المحتوى مستعدين لتجاوز كل الخطوط الحمراء مقابل زيادة عدد المتابعين.
ولهذا نشاهد مقابلات مع تلاميذ في سن مبكرة تتضمن أسئلة محرجة أو استفزازية أو غير مناسبة لأعمارهم، كما نشاهد أحياناً نشر تعليقات وسلوكيات فردية على أنها تعكس مستوى جيل بأكمله أو واقع التعليم في بلد بأكمله.
إن هذه الممارسات لا تخدم الإعلام ولا تخدم التربية ولا تخدم المجتمع، بل تساهم في نشر التفاهة وتسطيح النقاش العمومي وتحويل القضايا التربوية العميقة إلى فرجة رقمية عابرة..

إهانة التلميذ ليست نقداً للمدرسة

من حق الصحافة أن تنتقد السياسات التعليمية، ومن حق الإعلام أن يسلط الضوء على الاختلالات التربوية، ومن حق المجتمع أن يناقش مشاكل التعليم بكل جرأة وشفافية. لكن ليس من حق أحد أن يجعل من التلميذ هدفاً للنقد أو السخرية أو التشهير.
فالخلل الموجود في المنظومة التعليمية لا يتحمل مسؤوليته التلميذ وحده. هناك أسرة ومدرسة ومناهج وبرامج وسياسات عمومية وإمكانات مادية وبشرية. ولذلك فإن تحويل الطفل إلى متهم أو إلى مادة للتندر الجماعي يعد ظلماً مضاعفاً له.
إن محاربة الفساد التربوي لا تكون بإهانة التلاميذ أمام الكاميرات، بل بمساءلة المسؤولين وصناع القرار والخبراء وكل الجهات المكلفة بالتخطيط والتنفيذ والتتبع والتقييم.
فبإمكان الصحفي أن يستقي المعلومات من الأطفال وغيرهم. لكن عليه محاورتهم بحضور ذويهم من الكبار ومحاورة المسؤولين. قبل إعداد الجنس الصحفي الذي يريد.

مسؤولية جماعية لحماية القاصرين

حماية الأطفال من الاستغلال الإعلامي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها الأسرة والمدرسة والإعلام والدولة والمجتمع المدني.
فالأسرة مطالبة بحماية أبنائها وتوعيتهم بمخاطر النشر الرقمي. والمدرسة مطالبة بتعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل المؤسسات التعليمية. والإعلام مطالب باحترام أخلاقيات المهنة وحقوق الطفل. والدولة مطالبة بتفعيل القوانين الزجرية والوقائية التي تمنع أي استغلال للقاصرين.
كما أن المجتمع المدني مطالب بإطلاق حملات تحسيسية واسعة تجعل من حماية الطفل قضية مجتمعية لا تقبل التهاون أو التساهل.

نحو إعلام يحاور المسؤولين لا الأطفال

إذا كان الهدف هو كشف الاختلالات، فالمسؤولون أولى بالأسئلة من الأطفال. وإذا كان الهدف هو إصلاح التعليم، فالخبراء أولى بالحوار من التلاميذ. وإذا كان الهدف هو خدمة المجتمع، فإن الحقيقة أولى بالبحث من الإثارة.
الإعلام المهني الحقيقي يوجه أسئلته إلى الضحايا الكبار و أصحاب القرار، ويبحث عن الأسباب العميقة للمشكلات، ويقترح الحلول الممكنة، ويقدم المعرفة للرأي العام. أما الإعلام الذي يكتفي بمطاردة الأطفال أمام الكاميرات فإنه يختار الطريق الأسهل والأقل مهنية والأكثر ضرراً.

أطفال اليوم… مواطنو الغد

إن الطفل الذي نقف أمامه اليوم حاملاً حقيبته المدرسية قد يصبح غداً طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً أو قاضياً أو مسؤولاً كبيراً. ولذلك فإن احترام صورته وكرامته وخصوصيته ليس خدمة له وحده، بل استثمار في مستقبل المجتمع كله.
وحين نحمي أطفالنا من الاستغلال الإعلامي، فإننا لا نحرم المجتمع من المعلومة، بل نحمي حقه في إعلام مسؤول يحترم الإنسان قبل أن يبحث عن الخبر، ويصون الكرامة قبل أن يلاحق الشهرة، ويؤمن بأن الطفل ليس وسيلة للإثارة، بل أمانة أخلاقية وقانونية وإنسانية يجب حمايتها.

الكاميرا التي تحترم الإنسان

في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يدعي حماية الطفولة وهو يسمح بتحويل القاصرين إلى أدوات للفرجة الرقمية أو إلى مواد خام لصناعة المحتوى السريع. فالمعيار الحقيقي لمدى تحضر الأمم لا يقاس فقط بما تملكه من قوانين ومؤسسات، بل أيضاً بقدرتها على حماية الفئات الأكثر هشاشة من أي شكل من أشكال الاستغلال.
وإذا كانت الكاميرا قد خُلقت لنقل الحقيقة، فإن أولى الحقائق التي يجب أن تدافع عنها هي حق الطفل في الكرامة والأمان والخصوصية. فقبل أن تتحدث قوانين المهنة، يجب أن تتحدث أخلاق المهنة، وقبل أن يبحث الإعلام عن المشاهدات، عليه أن يبحث عن الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى