ميساج

الشباب المغربي يرسخ الاستثناء في سكونه وحراكه ويحول الهجرة غير النظامية إلى رسالة وطنية عابرة للحدود

من ملاعب كرة القدم وزلزال الحوز وكورونا إلى احتجاجات جيل زيد وتدفق سبتة.. جيل يفرح ويغضب ويحتج ويهاجر .. لكنه يرفض أن يكون وطنه غنيمة للفوضى والخصوم

الشباب المغربي يرسخ الاستثناء في سكونه وحراكه ويحول الهجرة غير النظامية إلى رسالة وطنية عابرة للحدود

من ملاعب كرة القدم وزلزال الحوز وكورونا إلى احتجاجات جيل زيد وتدفق سبتة.. جيل يفرح ويغضب ويحتج ويهاجر .. لكنه يرفض أن يكون وطنه غنيمة للفوضى والخصوم

بقلم: بوشعيب حمراوي

شباب لا يمكن اختزاله في صورة واحدة

هناك شيء استثنائي في الشباب المغربي يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، بعيداً عن تلك الأحكام السريعة التي تصفه تارة باللامبالاة، وتارة بالتمرد، وتارة أخرى بفقدان الثقة والانتماء؛ لأن من يتابع سلوك هذا الشباب في الأفراح كما في الأحزان، وفي الملاعب كما في الشوارع، وفي لحظات الكوارث كما في أوقات الاحتجاج، سيكتشف أننا أمام جيل يصعب وضعه داخل قالب واحد، جيل قد يصمت طويلاً حتى يعتقد البعض أنه يغرد خارج أسراب المجتمع والسياسة والحياة. وقد يصنف وكأنه استقال من الشأن العام والخاص، ثم يفاجئ الجميع حين يقرر أن يتحرك، وقد يحتج بقوة على أوضاع بلاده ومسؤوليها وحكومتها، لكنه في اللحظة التي يشعر فيها بأن أمن وطنه واستقراره أصبحا مهددين، أو بأن هناك من يريد الركوب على غضبه المشروع وتحويله إلى وقود للفوضى، يرسم بنفسه الخط الفاصل بين الاحتجاج على الأوضاع وبين الإساءة إلى الوطن.

ولعل ما حدث خلال العشرية الأخيرة يقدم لنا نماذج كثيرة لهذا الاستثناء المغربي؛ رأيناه في مدرجات كرة القدم وشوارع المدن يحول انتصارات المنتخب الوطني إلى أعراس جماعية يختفي فيها تقريباً كل اختلاف اجتماعي وسياسي ومناطقي، ورأيناه خلال جائحة كورونا عندما انخرط آلاف الشباب في مبادرات التضامن والمساعدة، ورأيناه بصورة أكثر قوة بعد زلزال الحوز حين تحولت الطرق المؤدية إلى المناطق المنكوبة إلى شرايين بشرية تحمل الدم والغذاء والملابس والأغطية والمساعدات، ورأيناه خلال احتجاجات جيل زيد. حين خرج الشباب يطالب بحقوق اجتماعية واضحة، ثم رفض قسم كبير منهم أن تتحول مطالبه إلى غطاء للفوضى والتخريب، قبل أن نراه مجدداً، وفي صورة أكثر مأساوية وتعقيداً، في التدفق الجماعي الأخير نحو سبتة.
لكن المشهد الأخير كان مختلفاً، لأن شباباً خرجوا في صمت بحثاً عن مستقبل آخر، فإذا برحلتهم القصيرة تعيد طرح أسئلة داخل المغرب وإسبانيا وأوروبا و العالم، وتوقظ في الوقت نفسه ملفاً سيادياً ظل لعقود مؤجلاً: سبتة ومليلية وباقي الجزر والصخور التي يعتبرها المغرب جزءاً من وحدته الترابية.

في كرة القدم يتحول الشباب إلى راية وطنية تمشي على قدمين

يكفي أن يلعب المنتخب المغربي مباراة حاسمة، أو أن يحقق إنجازاً قارياً أو عالمياً، حتى نكتشف أن الانتماء الوطني لدى هذا الشباب ليس شعاراً محفوظاً في الكتب، بل إحساس يمكن أن ينفجر في لحظة واحدة؛ فتخرج الجماهير إلى الشوارع، وترتفع الأعلام المغربية فوق السيارات والشرفات والبيوت، وتصبح المدن والقرى فضاءً واحداً للاحتفال، وينسى المغربي مؤقتاً خلافاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويجد نفسه إلى جانب مغربي آخر لا يعرف اسمه ولا مهنته ولا انتماءه، لكنهما يعرفان شيئاً واحداً: أنهما يحملان العلم نفسه.
والأجمل أن هذا الشباب الذي يعرف كيف يحتفل يعرف أيضاً كيف يحزن، وكيف يحول الحزن نفسه إلى تضامن؛ لأن الوطنية بالنسبة إليه ليست فقط أن ترفع العلم عندما يفوز المنتخب، وإنما أن تمد يدك إلى مواطن لا تعرفه عندما تصيبه الكارثة.

زلزال الحوز… أيادي وأقدام وعقول الشباب سبقت الجميع إلى الجبل

وقد رأينا الوجه الآخر لهذا الجيل عقب زلزال الحوز، عندما لم ينتظر آلاف الشباب تعليمات من حزب أو نقابة أو جمعية أو مؤسسة لكي يتحركوا، بل حملوا ما استطاعوا من غذاء وماء وأدوية وملابس وأغطية، وتوجهوا نحو القرى والمداشر المنكوبة، واصطف آخرون للتبرع بالدم، وتحولت شبكات التواصل الاجتماعي التي كثيراً ما نتهمها بأنها أفسدت الشباب إلى وسيلة للتنسيق وتحديد الحاجيات ومواقع المتضررينز

هناك ظهر معدن الشباب المغربي في الحزن كما يظهر في الفرح؛ لم يسأل المنكوب عن حزبه أو أصله أو قبيلته، وإنما رأى فيه مغربياً يحتاج إلى أخيه المغربي، وهي الصورة نفسها التي ظهرت، بأشكال مختلفة، خلال جائحة كورونا، حين فرض الخوف والعزلة والمرض ظروفاً غير مسبوقة، فبرزت مبادرات شبابية للتضامن ومساعدة الأسر والأشخاص المحتاجين.

إنه جيل قد يختلف معنا في كثير من الأشياء، لكنه عندما تأتي اللحظات الكبرى يستطيع أن يفاجئنا بقدرته على التضامن والانضباط والانتماء.
ثم جاءت احتجاجات جيل زيد. انتفاضة جيل واع وحذر. خرجوا من أجل المستشفى والمدرسة والشغل وليس من أجل إسقاط الوطن. ولا من أجل زعزعة أمنه واستقراره. لتكشف وجهاً آخر لهذا الشباب؛ وجهاً غاضبا.

لكنه غضب لا يجوز اعتباره تمرد على الدولة أو النظام، لأن المطالب التي حملها الشباب في جوهرها كانت مرتبطة بحياتهم اليومية ومستقبلهم. هم نابوا عن أسرهم من أجل تحقيق الإنصاف في : الصحة والتعليم والشغل والسكن والكرامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هم يريدون أن يعيشوا حياة كريمة، حيث مستشفى يعالجهم عندما يمرضون، ومدرسة وجامعة تمنحانهم تعليماً يفتح أبواب المستقبل، وفرصة عمل تحفظ كرامتهم وراتب أو أجر يغطي مطالبهم اليومية، وسكناً يستطيعون تحمل تكلفته، وإدارة تحترمهم، ومجتمعاً تكون فيه الكفاءة والاجتهاد طريقاً للترقي بدل المحسوبية والزبونية والريع.

حاولت جهات معادية للمغرب وخصوم المملكة و معهم الخونة والانفصاليون استغلال موجة الغضب الاجتماعي وتحويلها من احتجاج اجتماعي مشروع إلى مادة لضرب أمن البلاد واستقرارها، كما حاول بعض المنحرفين الركوب على الاحتجاجات وتحويل بعض اللحظات إلى تخريب وعنف؛ لكن ما يستحق التسجيل هو أن الشباب المحتج نفسه لم يسمح بأن يصبح رهينة لهذا الانحراف، وأن أصواتاً من داخله رفضت التخريب والاعتداء على الممتلكات وحرصت على التمييز بين حق المواطن في الاحتجاج وواجب المواطن في حماية وطنه.

وهنا يكمن الاستثناء الذي أتحدث عنه: الشباب المغربي يمكن أن يغضب من الحكومة دون أن يغضب من المغرب، ويمكن أن ينتقد مسؤولاً دون أن يصبح عدواً للدولة، ويمكن أن يطالب بالتغيير دون أن يطالب بالفوضى، ويمكن أن يرفع صوته عالياً في وجه الاختلالات ثم يقف في اللحظة نفسها سداً أمام كل من يريد تحويل صوته إلى سلاح ضد وطنه.

خرجوا في صمت مدبر نحو سبتة… لا حزب قادهم ولا نقابة دعتهم

لكن الحدث الأخير كشف وجهاً أكثر إيلاماً.خرج الآلاف في صمت، ولم يعلنوا إضراباً، ولم يحملوا لافتات، ولم يقدموا ملفاً مطلبياً، ولم يكن بينهم قائد يقف أمام الميكروفونات ليشرح أهداف المسيرة؛ خرجوا فقط وهم يحملون حلماً بسيطاً في ظاهره وقاسياً في مضمونه: الوصول إلى الضفة الأخرى والبحث عن حياة اعتقدوا أنها أفضل.
كان بينهم شباب وأطفال وقاصرون، وكانت وجهتهم سبتة، لكن وجهتهم الحقيقية في مخيلتهم كانت أبعد بكثير؛ كانت إسبانيا وأوروبا والعمل والمال والاستقرار والحياة التي رسمتها لهم الشاشات والهواتف ومواقع التواصل.
لم يخرجوا من أجل السياسة، ولم تكن سبتة بالنسبة إلى كثير منهم في لحظة الانطلاق قضية سيادة، وإنما كانت بوابة يعتقدون أنها ستقودهم نحو مستقبل مغاير.
لكنهم عندما وصلوا بدأت الصورة تتغير. فالحلم الأوروبي تحول إلى كابوس من الجوع والخوف والعنف والموت…
هناك، اكتشف كثيرون أن الوصول إلى سبتة ليس هو الوصول إلى الجنة، وأن اجتياز الحدود لا يعني الحصول على عمل وسكن ومال، وأن أوروبا التي شاهدوها عبر شاشة الهاتف ليست بالضرورة أوروبا التي سيعيشها مهاجر غير نظامي وصل إليها بلا أوراق ولا موارد ولا مأوى.

حل الجوع محل صور المطاعم، والخوف محل الشعور بالحرية، والاكتظاظ محل أحلام السكن، والعنف والتوتر محل الطمأنينة، وتحول البحر والحدود إلى مقبرة لبعض الذين خرجوا يبحثون عن الحياة.
وهنا كانت الصدمة. بدأ كثيرون يكتشفون أن الوطن الذي تركوه، بكل ما فيه من نقائص واختلالات ومشاكل، لم يكن الجحيم المطلق الذي صورته لهم بعض الخطابات، وأن الضفة الأخرى ليست الفردوس المطلق الذي رسمته لهم الأوهام.

ثم بدأت رحلة العودة.

خرجوا يبحثون عن مكان عيش بديل… وعادوا يهتفون بالمغرب وملكه
لعل أكثر الصور إثارة للتأمل هي تلك التي ظهر فيها الشباب عائدون وهم يرددون شعارات وطنية ويهتفون بحياة الملك محمد السادس. ويعددون مزايا وطنهم رغم المعاناة والحاجة.
لا أريد تحويل ذلك إلى انتصار على شباب كانوا بالأمس يحاولون الرحيل، ولان أسمح بالسخرية من أحلامهم أو معاناتهم، لأن بينهم من فقد حياته وبينهم من عاش ساعات أو أياماً قاسية؛ وإنما أرى في تلك الصور مفارقة إنسانية ووطنية عميقة تستحق الدراسة.
خرجوا لأنهم أرادوا حياة أفضل، ولم يخرجوا لأنهم يكرهون المغرب.
وهذه الجملة في نظري مفتاح فهم ما جرى كله.
فالشاب يمكن أن يغضب من البطالة، ويمكن أن يحتج على مستشفى أو مدرسة أو حكومة، ويمكن أن يحلم بالهجرة، لكنه لا يفقد بالضرورة انتماءه إلى وطنه؛ ولهذا لم يكن غريباً أن يعود الذين حاولوا الرحيل وهم يهتفون للمغرب وبحياة للملك.

هجرة غير نظامية تحولت دون تخطيط إلى «مسيرة خضراء ثانية» في الشمال

لكن التاريخ يصنع أحياناً مفارقاته خارج إرادة أصحابه. فهؤلاء الشباب لم يخرجوا في مسيرة لتحرير سبتة، ولم تدعهم الدولة المغربية إلى التوجه نحوها، ولم تكن حركتهم نسخة سياسية أو قانونية من المسيرة الخضراء لسنة 1975، ومن الضروري تأكيد ذلك حتى لا نخلط بين حدثين مختلفين تماماً.
لكن ما حدث، في رمزيته الشعبية والسياسية، جعل ذلك التدفق يبدو لدى كثير من المغاربة وكأنه «مسيرة خضراء ثانية» غير معلنة نحو الشمال؛ مسيرة لم يخطط لها أحد ولم تحمل مطالب ترابية عند بدايتها، لكنها انتهت بإعادة سؤال سبتة ومليلية وباقي الجزر المغربية المحتلة إلى النقاش.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى .. ذهبوا بحثاً عن أوروبا، فأعادوا إلينا سبتة

خرجوا يريدون الهجرة، فإذا بحركتهم تفتح من جديد واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، وتعيد إلى الذاكرة قضية سبتة ومليلية وباقي الجزر والصخور الخاضعة للسيادة الإسبانية والتي يعتبرها المغرب ضمن ملفاته الترابية التاريخية.
إسبانيا تعرف أن الملف لم يمت… والمغرب لا يريد فتح جبهة جديدة.
فالدولة المغربية تدرك منذ عقود حساسية هذا الملف، وتدرك كذلك أن العلاقات مع إسبانيا تقوم على شبكة ضخمة من المصالح المشتركة في الاقتصاد والتجارة والأمن ومحاربة الإرهاب والهجرة والطاقة والاستثمارات، وأن المغرب، وهو يدافع عن وحدته الترابية جنوبا ومصالحه الاستراتيجية، لا يريد فتح جبهة أخرى في توقيت قد لا يخدم مصالحه.
لكن الهدوء لا يعني النسيان. وإسبانيا تعرف ذلك أكثر من غيرها، وتعرف أن ملف سبتة ومليلية شديد الحساسية لدى المغاربة، وأن الزمن وحده لا يستطيع محو الأسئلة التاريخية والسياسية المرتبطة به.
وما فعله هؤلاء الشباب، دون أن يقصدوا ذلك، أنهم نفضوا الغبار عن الملف، وجعلوا سبتة مرة أخرى اسماً يتردد في الإعلام الدولي والنقاش الأوروبي والأسيوي والعالمي، وربطوا في أذهان كثيرين بين قضية الهجرة وقضية الأرض والسيادة والحدود. بل إن هناك شعوب وأنظمة دول لم تكن تعرف بمغربية سبتة ومليلية.

من سبتة إلى مدريد وبروكسيل… شباب مغاربة حركوا أوروبا

ولم تتوقف ارتدادات الحدث عند حدود سبتة ولا عند أبواب مدريد، لأن سبتة ليست فقط نقطة تماس بين المغرب وإسبانيا، وإنما هي أيضاً إحدى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن وصول أعداد ضخمة من المهاجرين إليها يحول الأزمة فوراً من ملف ثنائي إلى قضية أوروبية تتداخل فيها الهجرة وشنغن والحدود والأمن وتقاسم المسؤولية ومستقبل السياسات الأوروبية تجاه الضفة الجنوبية للمتوسط.
وهكذا وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام أسئلة لم يصنعها زعماء سياسيون ولا اجتماعات دبلوماسية ولا مؤتمرات دولية، وإنما صنعها شباب مغاربة خرجوا من بيوتهم بصمت.
وأصبح النقاش يتجاوز: كيف نوقف المهاجرين؟، إلى أسئلة أعمق حول كيفية حماية الحدود، ومن يتحمل تكلفة استقبال الوافدين، وما حدود التضامن الأوروبي، وكيف يمكن معالجة الهجرة من جذورها، وما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط أوروبا بالمغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً لا مجرد حارس للحدود الجنوبية. كما تحول النقاش إلى هوية وماهية المدينتين سبتة ومليلية.
ومن هنا أرى أن هذه الهجرة الجماعية أصبحت اختباراً حقيقياً للتماسك الأوروبي في ملف الهجرة، وأعادت إظهار الخلافات التي تعيشها أوروبا كلما ارتفعت الضغوط على حدودهاز

إسبانيا في حرج وهي مطالبة بأن تجيب بالأفعال لا بالأقوال

وإذا كانت إسبانيا تريد من المغرب أن يكون شريكاً قوياً في ضبط الهجرة ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وحماية المجال المتوسطي، فإن عليها في المقابل أن تكف عن اعتبار سبتة ومليلية اسبانيتين، وتمهد رفع اليد عنهما. وأن تدرك أن الشراكات الاستراتيجية لا يمكن أن تقوم على انتقاء الملفات التي تخدم طرفا واحداً.

مدريد مطالبة بأن تقرأ ما وقع سياسياً وتاريخياً، لا أمنياً فقط

فملف سبتة ومليلية لا يمكن أن يظل إلى الأبد موضوعاً محرماً لمجرد أن العلاقات بين البلدين جيدة، كما أن المصالح المشتركة، مهما كانت كبيرة، لا تمحو التاريخ ولا تلغي حق المغرب في طرح الملفات التي يعتبرها مرتبطة بوحدته الترابية.

لكن قبل أن نسأل إسبانيا… علينا أن نسأل أنفسنا لماذا خرجوا؟

وسط كل هذا الزخم السياسي والسيادي، سيكون من الخطأ أن نحول مأساة هؤلاء الشباب إلى بطولة سياسية وننسى السبب الأول الذي جعلهم يغادرون.
لماذا خرجوا؟
لماذا خاطر طفل أو قاصر بحياته للوصول إلى سبتة؟
لماذا يعتقد شاب مغربي أن مستقبله يوجد دائماً في مكان آخر؟
وهنا نعود إلى مطالب جيل زيد نفسها: التعليم والصحة والعمل والسكن والكرامة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
وكأن الشباب بعثوا إلينا الرسالة مرتين؛ في المرة الأولى وقفوا في الشوارع وقالوا ما يريدون بصوت مرتفع، وفي المرة الثانية خرجوا في صمت نحو سبتة.
وعندما لا نسمع الصرخة، علينا ألا نستغرب الصمت الذي يسبق الرحيل.

الاستثناء … شباب يحتجون على واقع وطنهم لكنهم يرفضون هدم وطنهم

هذه، في اعتقادي، هي القصة الحقيقية التي ينبغي أن نقرأ من خلالها الشباب المغربي، من مدرجات كرة القدم إلى أيام كورونا، ومن جبال الحوز المنكوبة إلى احتجاجات جيل، ومن شوارع المدن المغربية إلى حدود سبتة: جيل متعدد الخصال الحميدة، شديد الغضب أحياناً، صامت أحياناً أخرى، مندفع ومفاجئ في كثير من الأحيان، لكنه في اللحظات الكبرى يكشف عن خيط وطني عميق يجمع بين كل تلك التناقضات.

هو الجيل نفسه الذي يملأ الشوارع فرحاً بانتصار المنتخب، ثم يبكي عندما تصيب الكارثة جزءاً من وطنه، ويحمل المساعدات إلى جبال الحوز دون أن يسأله أحد، ويتضامن في زمن الوباء، ثم يخرج للاحتجاج عندما يشعر بأن الصحة والتعليم والعمل والسكن لا تستجيب لطموحاته، ويرفض أن تتحول مطالبه المشروعة إلى مطية للفوضى، ثم يغامر في لحظة يأس بالهجرة نحو سبتة، قبل أن يعود وه يهتف بحياة الملك وحبه لوطنه المغرب.
فأي تناقض هذا؟
في الحقيقة، لا أراه تناقضاً
إنه شباب يريد مغرباً أفضل، وليس وطناً بديلاً.
وإذا كان بعضه قد بحث عن بديل للعيش، فإن ما عاشه في رحلة سبتة جعله يكتشف قسوة المسافة بين الحلم والواقع.

لكن هؤلاء الشباب فعلوا شيئاً آخر ربما لم يخطر ببال واحد منهم عندما خرج من منزله: لقد جعلوا سبتة تهز مدريد، وجعلوا الهجرة تشغل أوروبا، وأعادوا ملف سبتة ومليلية إلى النقاش، وحولوا تدفقاً بشرياً بدأ بحثاً عن الخلاص الفردي إلى حدث سياسي وجيوسياسي تتجاوز تداعياته الحدود المغربية الإسبانية.

ومع ذلك، فإن أعظم درس ينبغي أن نخرج به ليس موجهاً إلى مدريد أو بروكسيل وحدهما، وإنما إلى الرباط أيضاً: لا يكفي أن نفتخر بشبابنا عندما يرفعون العلم، ولا أن نصفق لهم عندما يساعدون ضحايا الزلازل، ولا أن نشيد بهم عندما يحمون سلمية احتجاجاتهم، ثم نتركهم بعد ذلك وحدهم أمام البطالة واليأس والهشاشة وانسداد الأفق.
هذا الشباب يستحق أن نعطيه أسباباً حقيقية للبقاء. يستحق مدرسة تمنحه المعرفة، ومستشفى يحفظ كرامته، وعملاً يؤمن مستقبله، وسكناً يستطيع الحصول عليه، وعدالة تحمي حقوقه، ومؤسسات تستمع إلى صوته قبل أن يتحول الصوت إلى صرخة، وقبل أن تتحول الصرخة إلى احتجاج، وقبل أن يتحول الاحتجاج إلى يأس، وقبل أن يتحول اليأس إلى قارب أو سباحة أو اندفاع جماعي نحو الحدود.

أما إسبانيا، فعليها هي الأخرى أن تقرأ الرسالة جيداً: قد تستطيع الحدود والحواجز والقوانين أن توقف الأجساد، لكنها لن تستطيع إلى الأبد إغلاق ملفات التاريخ.
لقد خرج الشباب في صمت بحثاً عن مستقبل مغاير، وعادوا يحملون نظرة مختلفة إلى وطنهم، لكنهم تركوا وراءهم في سبتة أسئلة أكبر منهم جميعاً.

أسئلة عن الشباب، والهجرة، وأوروبا، وعن سبتة ومليلية، وعن تاريخ طال انتظار أن يجد طريقه إلى نقاش هادئ ومسؤول؛ وأسئلة، قبل كل شيء، عن مغرب علينا جميعاً أن نبنيه بالشكل الذي يجعل أبناءه يحلمون بمستقبلهم داخله، لا بالهروب منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى