تصاعد العناد الإسباني وحكمة المملكة المغربية .
-التكلفة الأحادية لحماية الحدود والتناقض الجيوسياسي الأوروبي

ان الأدبيات الدبلوماسية المعاصرة للتحليل الجيوسياسي في منطقة غرب المتوسط تتوزع بين المدرسة النفعية والمدرسة القانونية المؤسساتية (المعنية بنصوص المعاهدات واستقرار الحدود) إلا أن الفجوة البارزة في هذه الأدبيات تكمن في عجزها عن تفسير ظاهرة التماثل التفاوضي بين قوة إقليمية صاعدة (المملكة المغربية) ودولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (إسبانيا).
تسعى هذه الورقة إلى التأسيس لنموذج نظري جديد يُصطلح عليه بـ «الواقعية السيادية المركبة»
—الواقعية السيادية المركبة
يعتمد النموذج المقترح على ثلاثة ميكانيزمات تحليلية:
ميكانيزم «الارتهان الوظيفي»: تفكيك أمن الطرف الآخر إلى قطاعات حيوية مستقلة (الأمن الاستخباري، التحكم في التدفقات البشرية، وحصانة سلاسل الإمداد)، مما يمنح الرباط قدرة تنظيمية لتحديد مستويات الاستقرار في الجوار الشمالي.
ميكانيزم «التجفيف المجالي والتسليح الاقتصادي الهادئ» : إعادة التشكيل الهيكلي للفضاء الجغرافي عبر إغلاق منافذ التهريب التجاري من خلال تشييد موانئ طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط)،
ميكانيزم «الدمج المؤسساتي »: ربط كبار الفاعلين الماليين والصناعيين الإسبان بأوراش هيكلية طويلة الأجل داخل المغرب،
—آثار العناد الإسباني تجاه المغرب .
إن أي تراجع أو تعنت من الجانب الإسباني تجاه الثوابت السيادية للمملكة لا يقف عند حدود التوتر الدبلوماسي الشكلي، بل يُترجم فوراً إلى نزيف استراتيجي متعدد الأبعاد يمتد أثره إلى عمق القارة الأوروبية:
. الخسائر الاقتصادية والمالية المباشرة (إسبانيا)
1. انكماش النسيج الاستثماري والتصديري: تدمير المكتسبات التجارية لأكثر من 17 ألف شركة إسبانية تعتمد كلياً أو جزئياً على السوق المغربية، وحرمان القطاع الخاص الإسباني من العقود المليارية المرتبطة بمشاريع البنية التحتية والسكك الحديدية والطاقة المتجددة في المغرب.
2. الانهيار الاقتصادي البنيوي للثغور الشمالية: تحول مدينتي سبتة ومليلية بعد إغلاق منافذ التهريب إلى مدن ذات اقتصاد ركودي شبه تام، حيث تُجبر الحكومة المركزية في مدريد على ضخ مئات الملايين من اليورو سنوياً كإعانات موازنة لتفادي انهيار البنية الخدمية والاجتماعية فيهما.
3. خسائر قطاع الصيد البحري والنقل الملاحي: تعرض أسطول الصيد الإسباني في الجنوب لفقدان حقوق الوصول للمياه الإقليمية والغنية، إلى جانب تراجع جاذبية الموانئ الإسبانية الجنوبية (كالخرسيرة وألميريا) لصالح المركزية المينائية لطنجة المتوسط.
ب. الخسائر الأمنية والديموغرافية (إسبانيا والاتحاد الأوروبي)
1. انكشاف الجبهة الأمنية والاستخبارية: رفع غطاء التنسيق الاستخباري الاستباقي يُعرّض العواصم الإسبانية والأوروبية لانكشاف مباشر أمام الخلايا الإرهابية الناشطة وشبكات الجريمة المنظمة التي تتخذ من منطقة الساحل والصحراء مقراً لها.
2. الضغط الديموغرافي غير المستدام على حدود «شينغن»: يُشكل المغرب الحارس الجيوسياسي الوحيد للحدود الجنوبية لأوروبا. إن أي تراخٍ أو تعليق اضطراري لجهود المراقبة المغربية بسبب الأزمات الدبلوماسية يضع إسبانيا والاتحاد الأوروبي أمام تدفقات بشرية هائلة لا تستطيع الأجهزة الأمنية الإسبانية ولا اتفاقيات «شينغن» استيعابها، مما يفجر أزمات سياسية داخلية بين دول الاتحاد.
ج. الخسائر الطاقية والجيواستراتيجية (الاتحاد الأوروبي)
1. تبديد فرص الاستقلال الطاقي الأوروبي: يمثل المغرب الممر والمُنتج الأكثر أماناً لمشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والريحية القادمة نحو أوروبا، بالإضافة إلى كونه خط العبور الأساسي لأنبوب الغاز النيجيري-المغربي. أي تظليل على الشراكة مع المغرب يكرس العجز الأوروبي في تنويع مصادر الطاقة ويبقيها تحت رحمة تقلبات الأسواق الدولية.
2. فقدان المنفذ نحو العمق الإفريقي: تعتري المفوضية الأوروبية عزلة استراتيجية في التمدد نحو أسواق إفريقيا الغربية. بدون الشراكة مع المغرب ومبادراته القارية (مثل المبادرة الأطلسية)، تفقد أوروبا مركز ثقلها الجيو-اقتصادية لصالح قوى دولية صاعدة (كالصين وروسيا) تملأ الفراغ في القارة السمراء.
-التكلفة الأحادية لحماية الحدود والتناقض الجيوسياسي الأوروبي
في إطار نظرية «الواقعية السيادية المركبة»، لا يمكن تقييم العلاقات الجيواستراتيجية دون تفكيك «اقتصاديات الأمن القومي». وهنا تبرز واحدة من أكبر المفارقات الإبستمولوجية والسياسية في العلاقات المغربية-الأوروبية عموماً والإسبانية خصوصاً: التحمل الأحادي لتكلفة حماية الحدود الجنوبية لأوروبا في مقابل هزالة المساهمات وتباين المواقف السياسية.
إن استمرار هذا الوضع الاستراتيجي المختل لم يعد مقبولاً في العقيدة الدبلوماسية السيادية للمملكة، ويستوجب تفكيكاً أكاديمياً لثلاثة تناقضات هيكلية:
1. العبء المالي والعملياتي الأحادي: المغرب ليس “دركياً” لأحد
من الناحية القانونية والسيادية بموجب القانون الدولي، فإن التزام المملكة المغربية ينحصر في حماية حدودها الوطنية وتأمين سيادتها الترابية، وهي غير مسؤولة قانونياً ولا أخلاقياً عن أداء دور “حارس الحدود” أو “الدركي الإقليمي” لصالح الفضاء الأوروبي المشترك (فضاء شينغن).
الكلفة الحقيقية الصامتة: يقوم المغرب يومياً بنشر عشرات الآلاف من العناصر الأمنية والعسكرية، وتعبئة موارد لوجستية ضخمة (رادارات، زوارق، طيران استطلاعي، وإعاشة)، فضلاً عن التكلفة الاجتماعية والسياسية لإدارة وتوطين آلاف المهاجرين الذين يتخذون من المغرب نقطة عبور. هذه الكلفة العملياتية تستنزف نسبة مقدرة من الميزانية العامة للدولة، وهي موارد كان من الأجدر توجيهها نحو أوراش التنمية الداخلية.
2. هزالة المساهمة الأوروبية: وهم “التمويلات والشراكة”
تحاول الأدبيات السياسية الأوروبية والإسبانية الترويج لفكرة “الدعم المالي” الموجه للمغرب في مجال مكافحة الهجرة. غير أن التحليل الرقمي والاستراتيجي الصارم يكشف عن «استخفاف مالي» حقيقي:
إن المساهمات المالية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي أو إسبانيا للمغرب تُعد مساهمات هزيلة جداً ورمزية لا تغطي حتى 10% من التكلفة الفعلية والمباشرة التي تتحملها الخزينة المغربية سنوياً.
علاوة على ذلك، تُصرف هذه الفتات المالي تحت مظلة تعقيدات بيروقراطية و”شروط نفعية”، تحاول من خلالها أوروبا تسويق نفسها كجهة مانحة، متناسية أنها في الواقع تشتري أمناً إقليمياً مجانياً على حساب الجهد المغربي الخالص.
3. التناقض المعياري والجيوسياسي: التماس الأمن ومعاكسة المصالح العليا للمملكة المغربية.
تصل المفارقة الاستراتيجية إلى ذروتها عند تحليل السلوك السياسي والمؤسساتي للدول الأوروبية (وبعض تيارات الداخل الإسباني):
في الوقت الذي تتوسل فيه الحكومات الأوروبية التنسيق الأمني والاستخباري المغربي لحماية شوارعها من الإرهاب وتدفقات الهجرة، تتورط مؤسساتها الرسمية (مثل البرلمان الأوروبي، محكمة العدل الأوروبية، أو بعض صالبرلمانات الوطنية) في حملات عدائية تستهدف المصالح العليا والحيوية للمملكة المغربية، وفي مقدمتها سيادة المغرب على صحرائه واتفاقياته الاقتصادية الشاملة.
إن هذا الانفصام السياسي (طلب أقصى درجات التعاون الأمني مع ممارسة أقصى درجات الابتزاز السياسي والترابي) ينم عن عقلية استعمارية متجاوزة، تعتقد أن إمكانية فصل «الشراكة الأمنية» عن «المواقف السياسية السيادية» لا تزال ممكنة.
4. المآلات والتوجيه الاستراتيجي: نهاية صلاحية “التعاون غير المشروط”
انطلاقاً من هذا التحليل، يجب أن تتأسس المرحلة المقبلة من الدبلوماسية السيادية المغربية على تفعيل «المقاربة التبادلية الصارمة» الموجهة للعرش وصناع القرار، والتي ترتكز على القواعد التالية:
1. الترابط العضوي: لا أمن حدودي واستخباري لأوروبا وإسبانيا بمعزل عن الدعم السياسي الصريح والعملي للمصالح الحيوية للمغرب. أي مساس بمكتسبات المغرب الترابية أو استهداف اقتصادي له يجب أن يقابله فوراً وتلقائياً “تقليص متعمد للجهد الأمني” في حماية حدود لا تهم المغرب قانونياً.
2. إعادة تسعير الكلفة الأمنية: تغيير لغة التفاوض المالي مع بروكسل ومدريد. الدعم لا يجب أن يُناقش بمنطق “المساعدات الإنمائية”، بل بمنطق “فواتير التأمين الجيوسياسي”. إذا كانت أوروبا ترغب في بقاء حدودها آمنة، فعليها أن تتحمل التكلفة الحقيقية الباهظة مناصفة، أو أن تتحمل تبعات هشاشة حدودها بمفردها.
3. تفعيل أوراق الضغط السيادي: توجيه رسالة مشفرة لكن واضحة بأن استمرار التوجهات العدائية لبعض دول القارة الأوروبية تجاه مصالح المغرب سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تموقع استراتيجي مغربي شامل، يركز موارده لحماية حدوده الجنوبية والشرقية وتنمية واجهته الأطلسية الإفريقية، وترك أوروبا وإسبانيا تواجهان قدرهما الجغرافي والديموغرافي دون الدرع الواقي الذي وفره المغرب لعقود.
استنتاج:
أن معادلة الخسارة والربح في غرب المتوسط أصبحت حساسة وغير متكافئة؛ فالخصم الإسباني والغطاء الأوروبي يتحملان التكلفة الأكبر عند خيار المواجهة أو العناد، بينما يمتلك المغرب البدائل الاستراتيجية المتنوعة (تنويع الشركاء بين واشنطن، بكين، والشرق الأوسط) التي تضمن له استدامة نموه وتثبيت سيادته.
توصيات استراتيجية :
1. الاستمرار في سياسة “التأطير القانوني الصارم”: نقل كل الاتفاقيات والأوراش مع الجانب الإسباني والأوروبي إلى نصوص ملزمة تشترط الاحترام الصريح لسيادة المملكة الترابية كشرط صحة قانوني ومؤسساتي لتنفيذها.
2. استثمار خيار “التكلفة البديلة”: تذكير دوائر صنع القرار في مدريد وبروكسل، عبر أدوات الدبلوماسية الأكاديمية والموازية، بالخرائط الإحصائية للخسائر المالية والأمنية المترتبة على أي خلل في منظومة الشراكة.
3. تثبيت الأسبقية الجيواقتصادية: الاستمرار في تسريع أوراش الموانئ والمشاريع الطاقية الكبرى بالأقاليم الجنوبية، لفرض الواقع الاستثماري المباشر الذي يجعل التراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء انتحاراً اقتصادياً لأي حكومة إسبانية قادمة.
د. المصطفى قاسمي
رئيس مؤسسة القاسمى للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، خبير الاستراتيجيات القانونية والمخاطر السياسية.



