كتاب البديل

سبتة ومليلية والجزر: ثقب الهجرة الأسود… وورقة عزل إسبانيا أوروبياً

سبتة ومليلية والجزر: ثقب الهجرة الأسود… وورقة عزل إسبانيا أوروبياً
محمد عزيز الوكيلي

هناك ملفات لا تُحل بالشعارات، بل بالجغرافيا. وملف الهجرة السرية في غرب المتوسط واحد منها بكل تأكيد، والواقع لا يفتأ يثبت ذلك يوميا وعلى مدار الساعات.

لن أتحدث هنا عن الهجرة كظاهرة عالمية، لأن هذا التعميم سيخدم إسبانيا، وسيمنحها ذريعة لتبرير فشلها الأمني الحدودي أمام بروكسيل. سوف أتحدث هنا إذَنْ، عن الجانب الضيق والدقيق للقضية: “سبتة ومليلية وباقي ثغورنا المحتلة”.

هناك في البداية معادلة جديدة في طور التشكّل. فما كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات، أصبح اليوم سيناريوهاً مطروحاً بقوة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي.

ذلك، أن أوروبا التي يقض مضجعها ملف الهجرة، بدأت تميل إلى الموقف الإيطالي المتشدد، الذي يذهب صراحة نحو التفكير في “عزل إسبانيا عن فضاء شنغن”، إذا بقيت بوابتُها الجنوبيةُ مفتوحةً على مصراعَيْها أمام المهاجرين غير النظاميين، المغاربة والأفارقة على السواء.

هنا يلتقي طرفان ثقيلان في لعب واستثمار ورقة واحدة، هما إيطاليا والمغرب، وإن كان هذا بدون تدبير مشترُك ومُسْبَق، وإنما جاء ذلك لتقارب المصالح إزاء ملف الهجرة بالذات… فكيف ذلك؟

إن المغرب من جهة، يربأ بنفسه أن يكون مجرد “عَسّاس” على بوابة إسبانيا، وخاصة أنّ هذه البوابة قائمة فوق التراب المغربي، فكأنّ المغرب، إن قبل بهذا الدور المُهين على حدود استعمارية لا يعترف بها، “سيكون كمن يحرس المسروقات لفائدة السارق”، وهذا موقف كاريكاتوري وسريالي لا يليق بالمملكة الشريفة، ولن يقبل المغاربة به بأيّ حال من الأحوال.

ومن جهة أخرى، فإيطاليا بدورها، تريد وقف النزيف القادم من جنوب المتوسط، وتضع في حُسبانها أن إسبانيا بالذات، هي المسؤول الأول عما يتهدد الجغرافيا الأوروبية من الاختراق الجماهيري غير النظامي وغير المشروع.

هنا يَطرَح سؤالٌ نفسَه: لماذا إذَنْ لا يعمل المغرب على حل هذا المشكل الإسباني بالذات، عن طريق تقوية التنسيق مع الإدارة الإسبانية للحد من ضغوط الهجرة وتداعياتها المقلقة والخطيرة؟

الإجابة بسيطة وواضح للغاية، وسيادية بكل المعايير، وهي أنه “لا يمكن ولا يُعقل أن تطلب مني أن أحرس بيتك انطلاقاً من الجزء الذي تحتله أنتَ نفسُك داخلَ بيتي”.

إن المغرب يدرك أن ورقة الهجرة هي اليوم أثقل أوراقه الاستراتيجية. فكلما تفاقمت الهجرة عبر الثغور المحتلة، ارتفع منسوب الضغط الأوروبي على مدريد، وازدادت عزلتُها داخل الاتحاد، وازداد منسوب إضعاف إسبانيا من مختلف النواحي، وخاصة السياسية والاقتصادية، موازاةً مع تقوية تلقائية للموقف المغربي، الذي بدأ العالم المتقدم يفطن إلى مشروعية مطالبه التاريخية والجغرافية، وحتى الديموغرافية، علما بأن ساكنة ثغورنا المحتلة يتشكّل أكثر من نصفها من المغاربة، والنصف الباقي، يتكوّن من العساكر وأسرهم، وبعض الحرّاكة الإسبان والأجانب، العاملين بتلك الثغور، وقليل من الأسر الإسبانية من ورثة الزمن الأندلسيّ الآفل.

ثم هناك الاقتصاد الإسباني، المريض أصلاً، والذي لن يسعه أن يتحمل خسارات إضافية. علماً بأنّ من أهم أسباب مرضه،
ميناء طنجة المتوسط، الذي سحب البساط من تحت موانئ الجنوب الإسباني بالكامل؛ وميناء الناظور غرب المتوسط، القادم كضربة أخرى من الأكيد أنها هذه المرة ستكون القاضية.

فضلاً عن هذا، هناك الخزّانات العملاقة، التي يتم تشييدها فوق التراب المغربي، بالبر والساحل والبحر، لتخزين ملايير الأمتار المكعبة من الغاز، والنفط، ومن القمح (الكازاخستاني) وغيره من المنتجات المؤهَّلة للتخزين، والتي تُقيمها قوى دولية كبرى، ومن شأنها بالتالي، باعتبارها مركزا لوجيستياً، أن تصيب إسبانيا واقتصادها السقيم في مقتل. وهكذا ستجد إسبانيا نفسها مهددة بأن تخسر البحر، وتخسر البر، وتخسر أوروبا بتحصيل الحاصل.

هل معنى هذا أن المغرب بصدد إعداد سيناريو حتمي من شأنه أن يفك عقدة الإسبان خارج وعيهم، أو رغم أنوفهم؟ سأجيب على هذا السؤال الحارق بالقول، بكل ثقة، إن هناك تدبيراً مغربياً في غاية العبقرية، يرمي إلى جعل الوعي الجمعي الأوروبي بإزاء معادلة جديدة صنعها المغاربة وطبخوها على نار هادئة، خلاصتُها تقول: “سبتة ومليلية والجزر = السبب الأساس في تفاقم الهجرة المهددة للاستقرار والأمن الأوروبييْن”.

هذا، في حين أن الأوروبيين يدركون أن سبتة ومليلية والجزر ليست بوابة لأوروبا، بل هي الثقب الأسود الذي تتسرب منه الفوضى غير الخلاّقة إلى القارة العجوز.

إن هذا الواقع الملتبس يضع إسبانيا أمام خيارين لا ثالث لهما:
فإما أن تقبل العزلة الأوروبية وتخرج من اتفاقية “شنغن”، وتتحول إلى جزيرة معزولة اقتصادياً وأمنياً، بعد أن تخسر شريكها الأول، المغرب، وتخسر معه علاقاتها العربية والإفريقية؛

وإما أن تسلُم الثغور المحتلة لمالكها التاريخي، المغرب دائماً، فتتحول إسبانيا نفسها إلى أحد مِصْراعَيْ البوابة الواصلة بين أوروبا وإفريقيا، موازاةً مع تشكيل المغرب للمِصْراع الثاني لنفس البوابة، وبذلك ينفتح البلدان الجاران معاً، كما تُفتح البوابة الواحدة، على شراكة رابحة على الصعيدين الأوروبي والإفريقي، وعلى مستوى باقي جغرافيا المنطقة المتوسطية.

في هذه الحالة ستربح إسبانيا الشيء الكثير. ستربح جاراً قوياً يحمي حدودها الحقيقية، لا عسّاساً متذمِّراً وغيرَ مَوثُوقٍ يقف بلا أدنى فاعلية على حدودها الحالية الوهمية.

نهايتُه… أن كل ما سلف ذكره يتحرك في سياق دولي داعم للموقف المغربي، بالمباشِر أو بالضمني، كالموقف الأمريكي بالذات، والموقف الإسرائيلي، بتنسيق وثيق بين الرباط وواشنطن وتل أبيب، وكذا مواقف دول مجلس التعاون الخليجي، الشيء الذي من شأنه أن يدعم كل الخطوات السيادية التي يتخذها المغرب، بهدوء وثقة مشهود له بهما عالمياً.

إن الجغرافيا في النهاية هي التي ستحسم الموقف، كما أن التاريخ، بالمناسبة، لا يرحم كل من يقفون ضد الجغرافيا… وما على الإسبان إلا أن يحسموا موقفهم بين الخيارين المُرّيْن: إرجاع الحق لأصحابه والتمتع بفضل ذلك بالربح الوفير؛ أو التصلب والتعنت والخروج من جراء ذلك بخسائر لا أول لها ولا آخر.
_______________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى