لن أكون منشطًا في بطولة انتخابية لا أؤمن بتكافؤ شروطها… وسأصوت لمن أراه الأقل ضررًا
أستطيع تحمل مسؤولية البرلمان والحكومة والمعارضة… لكنني أرفض العبور إلى المؤسسات من جسر انتخابي ما تزال تتحكم فيه الولاءات والقبيلة والمال، وسأحتفظ بصوتي سريًا حتى عمن سأصوت

لن أكون منشطًا في بطولة انتخابية لا أؤمن بتكافؤ شروطها… وسأصوت لمن أراه الأقل ضررًا
أستطيع تحمل مسؤولية البرلمان والحكومة والمعارضة… لكنني أرفض العبور إلى المؤسسات من جسر انتخابي ما تزال تتحكم فيه الولاءات والقبيلة والمال، وسأحتفظ بصوتي سريًا حتى عمن سأصوت له
بقلم: بوشعيب حمراوي
يسألني كثيرون، ونحن نعيش أجواء الانتخابات التشريعية الجارية: لماذا لم تترشح؟ ولماذا لم تدخل غمار المنافسة وأنت الذي تتابع الشأن العام منذ سنوات، وتكتب في السياسة والمجتمع والتعليم والإعلام، وتنتقد العمل الحكومي والمؤسساتي، وتقترح البدائل، وتدافع عن قضايا محلية ووطنية؟
وسؤالي لهم في المقابل: هل مجرد امتلاك الإنسان للكفاءة والاستعداد لتحمل المسؤولية يعني أنه مطالب بالدخول في أية منافسة انتخابية، مهما كانت شروطها ومهما كانت طبيعة الطريق المؤدية إلى المقعد؟
بالنسبة إلي، الجواب واضح.
أنا لست مستعدًا لأن أكون مجرد منشط في بطولة انتخابية لا أؤمن بأن شروط المنافسة داخلها متكافئة بما يكفي.
ولست مستعدًا لأن أدخل سباقًا أعرف مسبقًا أن البرنامج والكفاءة والنزاهة والقدرة على الترافع ليست دائمًا وحدها العناصر التي تحسم نتيجته.

وهذا لا يعني أنني أخشى المسؤولية، أو أنني أعتبر نفسي عاجزًا عن أداء مهمة النائب البرلماني.
بل العكس تمامًا.
نعم… أعتبر نفسي قادرًا على تحمل المسؤولية
أقولها بدون ادعاء وبدون تواضع زائف: أعتبر نفسي قادرًا على تحمل مسؤولية نائب برلماني بكثير من الجدية والجرأة والاستقلالية.
وأعتبر نفسي قادرًا، إذا أتيحت الظروف المناسبة، على تحمل مسؤولية حكومية.
كما أعتبر نفسي قادرًا على أن أكون في صفوف المعارضة، أراقب العمل الحكومي وأنتقده وأقترح البدائل دون حسابات شخصية أو تعليمات أو خوف من إغضاب هذا الطرف أو ذاك.
لأن المسؤولية السياسية بالنسبة إلي ليست امتيازًا ولا راتبًا ولا لقبًا يضاف إلى السيرة الذاتية.
إنها التزام.
ولو كنت نائبًا برلمانيًا، لما اكتفيت بصورة داخل البرلمان أو بمداخلات موسمية تنتهي بانتهاء البث التلفزيوني.
كنت سأعمل على أن يكون لي داخل الدائرة مقر معلوم ومفتوح للمواطنين، ولو اضطررت إلى كرائه من مالي الخاص، يستقبل الناس وشكاياتهم وملفاتهم ومقترحاتهم، طبعًا في حدود اختصاصات النائب البرلماني، لأنني أرفض صورة المنتخب الذي يطرق أبواب المواطنين أيام الحملة، ثم يصبح الوصول إليه بعد الفوز مهمة شبه مستحيلة.
النائب في نظري ليس طائرًا مهاجرًا لا يعود إلى دائرته إلا مع اقتراب الانتخابات.
النائب يجب أن يكون حاضرًا.
يسمع. يتابع. يترافع.
ويعود إلى المواطنين ليخبرهم بما فعل، وبما لم يستطع فعله، ولماذا.
البرلمان ليس مقعدًا… بل مراقبة وتشريع ومساءلة
ولو كنت نائبًا، لما اختزلت دوري في الأسئلة الشفهية أو الكتابية فقط، رغم أهميتها.
كنت سأعتبر مراقبة العمل الحكومي مسؤولية متواصلة، ليس فقط على المستوى المركزي، بل في انعكاس السياسات العمومية جهويًا وإقليميًا ومحليًا.
فماذا استفادت الجهة من ميزانية الدولة؟
وأين وصلت المشاريع؟
ولماذا تأخر مستشفى؟
ولماذا تعثر طريق؟
ولماذا توقفت منطقة صناعية؟
ولماذا لا تصل الخدمات العمومية بالقدر نفسه إلى كل المواطنين؟
ومن المسؤول عن التأخر؟
هذه بالنسبة إلي أسئلة برلمانية حقيقية.
كما أن البرلمان ليس فقط فضاء لمساءلة الوزراء، بل مؤسسة للتشريع.
والنائب الذي يقضي سنوات داخل المؤسسة التشريعية دون أن يفكر في مقترحات قوانين، أو تعديلات تشريعية، أو سد ثغرات كشفتها الممارسة، عليه أن يسأل نفسه عن معنى وجوده أصلًا داخل مؤسسة اسمها السلطة التشريعية.
أنا مستعد لكل ذلك.

إذن لماذا لا أترشح؟
مشكلتي ليست مع البرلمان… بل مع الجسر المؤدي إليه
المشكلة بالنسبة إلي ليست في المقعد.
بل في الجسر الانتخابي المؤدي إلى المقعد.
ذلك الجسر الذي ما تزال تعبر فوقه، بدرجات متفاوتة، اعتبارات لا علاقة لها دائمًا بالبرنامج السياسي ولا بالكفاءة ولا بنظافة اليد.
ما تزال القبيلة حاضرة. والقرابة حاضرة. وشبكات الولاء والمصالح حاضرة. والقدرة المالية حاضرة بقوة.
وما تزال بعض الدوائر تعرف أشكالًا من التعامل مع الانتخابات باعتبارها سوقًا موسمية تُقاس فيها قيمة المرشح بعدد الوسطاء والأعيان وما يملكه من إمكانيات، أكثر مما تقاس بقدرته على التشريع والمراقبة والترافع.
فماذا سيفعل مرشح يدخل الانتخابات بخطاب وبرنامج وكتاب وقلم في مواجهة مرشح يدخلها بشبكات واسعة من المصالح والولاءات والإمكانيات؟ طبعًا هناك ناخبون أحرار.
وهناك مرشحون نزهاء. وهناك مناضلون حزبيون شرفاء.
وهناك مواطنون يصوتون بضمير حي ولا ينتظرون مقابلًا.
ولا يجوز ظلم الجميع بالتعميم.
لكن وجود هؤلاء لا يلغي حقيقة أن الممارسة الانتخابية ما تزال تحتاج إلى كثير من التنقية حتى يصبح صوت المواطن هو الحكم الحقيقي بين البرامج والكفاءات.
لهذا اخترت ألا أكون مجرد رقم في السباق.
ولا أريد أن أضع اسمي في لائحة فقط لأقول بعد ذلك: «لقد شاركت».
المشاركة في حد ذاتها ليست بطولة.
المهم هو أن تكون للمشاركة قيمة ومعنى وأفق.
وبدون غطاء حزبي… سأظل أساهم بطريقتي
كما أنني، إلى حدود اليوم، بدون انتماء حزبي.
ولا أعتقد أن على الإنسان أن يبحث عن حزب فقط لأن الانتخابات اقتربت، ثم يبدأ في ارتداء لونه والدفاع عن تاريخه ومواقفه كما لو أنه قضى عمره مناضلًا داخله.
الانتماء السياسي بالنسبة إلي يجب أن يكون اقتناعًا، لا تذكرة عبور انتخابية.
لذلك أكتفي حاليًا بما أستطيع القيام به من موقعي ككاتب وإعلامي ومواطن مهتم بالشأن العام.
أكتب. أنتقد. أقترح. أترافع. أطرح الأسئلة.
وأحاول أن أظل مستقلًا عن المسافات التي قد تحول القلم إلى ملحق لهذا الحزب أو ذاك.
هل سأصوت؟ نعم… بالتأكيد
والسؤال الثاني الذي يطرح علي هو:
هل ستصوت؟
نعم. وسأصوت دون تردد.
لأن عدم اقتناعي بجوانب كثيرة من الممارسة الانتخابية لا يعني أنني سأترك صندوق الاقتراع فارغًا للآخرين ليقرروا وحدهم.
التصويت بالنسبة إلي حق وواجب ومسؤولية.
وقد حرصت دائمًا على أداء هذا الواجب.
لن أقاطع لأنني أعتقد أن إصلاح الديمقراطية لا يتم بالابتعاد الكامل عن صناديق الاقتراع، بل أيضًا باستعمال الصوت الانتخابي، ولو كان الاختيار المتاح غير مثالي.
ولمن سأصوت؟
هنا الجواب قد لا يعجب البعض:
سأصوت لمن أراه الأقل ضررًا والأكثر قدرة على تحمل المسؤولية بين الخيارات المعروضة أمامي.
لا أبحث عن المرشح الكامل، لأن المرشح الكامل غير موجود.
ولا عن الحزب المعصوم من الأخطاء، لأنه غير موجود بدوره.
سأوازن بين الأشخاص والبرامج والمسارات والمواقف، وأختار ما يمليه علي ضميري.
لكن هناك أمرًا واحدًا حسمته:
لن أشارك في حملة أي مرشح.
لن أظهر في منصة انتخابية إلى جانبه.
لن أكتب داعيًا الناس إلى التصويت له.
ولن أضع قلمي أو صفتي الإعلامية في خدمة لائحة انتخابية.
بل إن صوتي سيبقى مجهولًا حتى على المرشح الذي سأمنحه له.
قد يصوت الإنسان لك دون أن يصبح تابعًا لك.
وقد يمنحك ثقته في لحظة انتخابية، دون أن يمنحك صكًا مفتوحًا لأربع أو خمس سنوات.
سأصوت لك اليوم… وقد أنتقدك غدًا
أريد أن أحتفظ بحقي كاملًا في النقد.
فقد أصوت لمرشح اليوم، ثم أكون أول من ينتقده غدًا إذا أخفق أو أخل بوعوده أو تنكر لمن صوتوا له.
وقد لا أصوت لمرشح آخر، لكن ذلك لن يمنعني من إنصافه إذا أحسن العمل أو دافع عن قضية عادلة أو قدم أداءً محترمًا.
فالصحافة والكتابة لا ينبغي أن تتحولا إلى امتداد لصندوق الاقتراع.
أنا مواطن عندما أدخل مكتب التصويت.
وأصبح كاتبًا وإعلاميًا مستقلًا عندما أخرج منه.
وتلك المسافة بالنسبة إلي أساسية.
لهذا لم أترشح. ولهذا سأصوت.
ولهذا أيضًا لن يعرف أحد لمن أعطيت صوتي.
لأنني أريد أن أظل قادرًا، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، على النظر إلى الجميع بالمسافة نفسها، وأن أقول للمحسن: أحسنت.
وللمسيء: أخطأت.
ولأنني ما زلت أؤمن بأن السياسة الحقيقية ليست الوصول إلى الكرسي بأي ثمن، بل أن تعرف أيضًا متى ترفض الطريق المؤدي إليه عندما لا تقتنع بشروطه.



