من القاهرة يولد موعد عربي جديد… الألعاب العربية البارالمبية الأولى أكبر من بطولة
بعد قرابة أربعة عقود من تأسيس الاتحاد العربي، 19 دولة و11 رياضة تلتقي في مصر… والنجاح الحقيقي لن يكون في الميداليات فقط، بل في تأسيس موعد عربي دائم يعيد للرياضيين من ذوي الإعاقة مكانتهم وحقهم في الاهتمام والاحتضان والإعلام

من القاهرة يولد موعد عربي جديد… الألعاب العربية البارالمبية الأولى أكبر من بطولة
بعد قرابة أربعة عقود من تأسيس الاتحاد العربي، 19 دولة و11 رياضة تلتقي في مصر… والنجاح الحقيقي لن يكون في الميداليات فقط، بل في تأسيس موعد عربي دائم يعيد للرياضيين من ذوي الإعاقة مكانتهم وحقهم في الاهتمام والاحتضان والإعلام
بقلم: بوشعيب حمراوي
هناك أحداث رياضية تقاس بعدد المشاركين والميداليات والأرقام القياسية، وهناك أحداث أخرى تتجاوز الملعب والمنصة والنتيجة، لأنها تأتي لتصحح تأخرًا تاريخيًا، وتفتح بابًا ظل موصدًا طويلًا، وتؤسس لمسار جديد كان يفترض أن يبدأ منذ سنوات. ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن ننظر إلى إسناد تنظيم أول دورة للألعاب العربية البارالمبية إلى مصر، وليس باعتبارها مجرد منافسات رياضية أخرى تضاف إلى أجندة البطولات العربية.
فعندما يجتمع رياضيون ورياضيّات من 19 دولة عربية للتنافس في 11 لعبة، في أول دورة جامعة من هذا النوع منذ تأسيس الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة سنة 1987، فإننا لا نكون أمام بطولة عادية، بل أمام لحظة تأسيسية في تاريخ الرياضة العربية البارالمبية، وأمام فرصة لكي تقول المنطقة العربية لأبطالها من الأشخاص ذوي الإعاقة إنهم لم يعودوا هامشًا في المشهد الرياضي، وإن بطولاتهم وإنجازاتهم وتضحياتهم تستحق فضاء عربيًا جامعًا يليق بها. ويؤكد الاتحاد نفسه أنه تأسس في بغداد سنة 1987، وأن من أهدافه تنظيم الدورات والبطولات العربية وتعزيز تنافسية الرياضيين العرب وصولًا إلى المنصات الدولية والبارالمبية.

تأخر الموعد… لكن المهم أن يبدأ قويًا
قد يكون السؤال المشروع هو: لماذا انتظر العرب قرابة أربعة عقود بعد تأسيس اتحادهم حتى يروا أول دورة عربية بارالمبية جامعة؟
السؤال لا ينبغي طرحه من أجل جلد المؤسسات أو تبخيس ما تحقق اليوم، بل لأن الاعتراف بالتأخر ضروري لكي نفهم قيمة الخطوة الحالية، ولكي نحرص على ألا تكون الدورة الأولى حدثًا استثنائيًا وحيدًا، ثم تمر سنوات أخرى قبل أن نسمع عن نسخة ثانية وثالثة.
الرياضة البارالمبية العربية لم تبدأ اليوم، والعالم العربي أنجب منذ عقود أبطالًا وبطلات صعدوا إلى المنصات العالمية والبارالمبية، ورفعوا أعلام بلدانهم في مناسبات دولية كبرى، وأحرزوا ميداليات ربما عجزت رياضات تحظى بميزانيات وتغطيات إعلامية أوسع عن تحقيق مثلها. ومع ذلك، ظل جزء كبير من الرياضة البارالمبية العربية يعاني تفاوتًا كبيرًا في الإمكانات والبنيات وبرامج التكوين والاحتضان والتغطية الإعلامية بين دولة وأخرى.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للدورة التي ستحتضنها مصر لا تكمن فقط في كونها الأولى، وإنما في قدرتها على أن تصبح نقطة الصفر لتاريخ جديد، وأن يكون بعدها ما قبلها مختلفًا عما سيأتي بعدها.
المعطيات المعلنة حتى الآن تشير إلى تنظيم النسخة الأولى في يناير 2027، مع مشاركة 19 دولة عربية في 11 رياضة، وبحضور متوقع يتجاوز ألف رياضي ورياضية وفق تصريحات رئيس اللجنة البارالمبية المصرية حسام الدين مصطفى. وهذه أرقام تمنح الحدث منذ نسخته الأولى حجمًا عربيًا معتبرًا، وتضع في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة على المنظمين وعلى الاتحاد العربي والدول المشاركة.
مصر أمام مسؤولية التأسيس… لا التنظيم فقط
إسناد النسخة الأولى إلى مصر يحمل رمزية خاصة، فالدولة التي تستضيف البداية لا تستضيف بطولة فحسب، بل تضع النموذج الذي ستقاس عليه الدورات المقبلة.
ومصر تمتلك من المنشآت والخبرة التنظيمية والثقل الرياضي ما يجعل اختيارها مفهومًا، لكن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في جودة الملاعب والإقامة والنقل وحفلي الافتتاح والاختتام، بل في قدرة التنظيم على أن يقدم الرياضي البارالمبي العربي بالصورة التي يستحقها، وأن تكون كل تفاصيل الدورة منسجمة مع فلسفة الرياضة البارالمبية القائمة على الكرامة والاستقلالية وتكافؤ الفرص وإزالة الحواجز.
وهنا تصبح المسؤولية الملقاة على اللجنة البارالمبية المصرية برئاسة الدكتور حسام الدين مصطفى أكبر من مجرد إنجاح برنامج تنافسي، لأن نجاح مصر في النسخة الأولى سيمنح الاتحاد العربي قاعدة صلبة يستطيع الانطلاق منها نحو نسخ لاحقة أكثر قوة واتساعًا، بينما أي ارتباك تنظيمي سيجعل من الصعب تحويل الحدث إلى موعد عربي ثابت.
ويحسب للجهات المصرية أنها بدأت مبكرًا في التحضير والتنسيق، وأن الإعلان عن المؤتمر الصحفي يوم 13 شتنبر يأتي قبل أشهر من انطلاق المنافسات، فيما سبق أن أعلنت اللجنة البارالمبية المصرية أن منافسات الدورة ستقام بالقاهرة خلال يناير 2027.
إيهاب حسنين… التحدي يبدأ بعد نجاح الدورة الأولى
حين يصف إيهاب حسنين، رئيس الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، الدورة بأنها حدث تاريخي في مسيرة الاتحاد، فهو توصيف في مكانه، لكن التاريخ لا يصنعه افتتاح البطولة وحده، وإنما ما يبنى بعدها.
فإيهاب حسنين، وهو رياضي بارالمبي سابق شارك بنفسه في دورات بارالمبية دولية قبل انتقاله إلى مواقع المسؤولية الرياضية، يعرف أكثر من غيره معنى أن يبحث الرياضي من ذوي الإعاقة عن المنافسة والاعتراف والاحتضان، ويعرف كذلك أن بناء بطل بارالمبي لا يبدأ قبل البطولة بأشهر، بل يحتاج إلى منظومة مستمرة من اكتشاف المواهب والتكوين والتأطير الطبي والتصنيف الرياضي والدعم النفسي والاجتماعي والمنافسات المنتظمة.
ولهذا سيكون التحدي الأكبر أمام الاتحاد، بعد نجاح النسخة المصرية، هو أن يعلن مبكرًا عن الدولة التي ستستضيف النسخة الثانية، وأن يحدد دورة زمنية ثابتة للألعاب، وألا يبقى تنظيمها مرتهنًا للمبادرات الظرفية أو توفر بلد مستعد للاستضافة.
يجب أن نصل إلى يوم يصبح فيه السؤال الطبيعي بعد ختام كل دورة هو: أين ستقام الدورة المقبلة؟ وليس: هل ستقام دورة أخرى أصلًا؟
ويمكن كذلك أن تتحول هذه الألعاب إلى منصة عربية لاكتشاف المواهب قبل البطولات القارية والعالمية، وإلى فرصة للدول التي ما تزال رياضتها البارالمبية محدودة لتحتك بدول قطعت أشواطًا مهمة، وأن يصاحبها برنامج لتكوين المدربين والحكام والمصنفين والأطر الطبية والإدارية، لأن صناعة الرياضة لا تتم داخل الملعب وحده.
الإعلام العربي أمام امتحان آخر
لكن هناك طرفًا لا يقل دوره أهمية عن الاتحاد والمنظمين، وهو الإعلام العربي.
فالرياضي البارالمبي لا يحتاج إلى صحفي يذهب إليه مرة كل أربع سنوات ليسأله عن معاناته، ولا يحتاج إلى كاميرا تبحث في قصته عن مشهد عاطفي ثم تختفي، بل يحتاج إلى إعلام رياضي يعامله باعتباره بطلًا ورياضيًا كامل الحقوق، يناقش أرقامه وإنجازاته وأخطاءه وطموحاته ومسيرته بالطريقة نفسها التي يناقش بها نجوم كرة القدم وأبطال الرياضات الأخرى.
أكبر إساءة يمكن أن نقدمها للرياضة البارالمبية هي اختزال أبطالها في قصص الشفقة.
هؤلاء لا يدخلون الملاعب لكي نشفق عليهم، بل لكي ينافسوا ويفوزوا ويخسروا ويحطموا الأرقام ويرفعوا الأعلام، ومنهم أبطال قضوا سنوات طويلة في التدريب والانضباط من أجل ثانية واحدة أو سنتيمترات قليلة تفصل بين الذهب والفضة.
ومن هنا أتمنى أن تكون الدورة العربية الأولى أيضًا ثورة إعلامية صغيرة، وأن نرى قنوات عربية تنقل المنافسات، وصحفًا ومواقع تخصص لها مساحات حقيقية، وبرامج رياضية تحلل النتائج، وحوارات مع الرياضيين والمدربين، بدل الاكتفاء بخبر قصير عن الافتتاح وآخر عن الاختتام.
إذا كانت 19 دولة عربية ستجتمع في حدث واحد، فمن حق هؤلاء الأبطال أن يجتمع حولهم الإعلام العربي أيضًا.
من الرياضة إلى المجتمع… الرسالة أكبر
كما يجب ألا نحصر هذه الألعاب داخل أسوار الملاعب، لأن الرياضة البارالمبية تحمل في جوهرها رسالة اجتماعية وحقوقية أوسع بكثير.
كل بطل بارالمبي يظهر على شاشة التلفزيون، وكل طفلة أو طفل من ذوي الإعاقة يشاهد رياضيًا يشبهه يرفع ميدالية عربية أو دولية، يمكن أن تتغير أمامه صورة المستقبل.
وهنا تبدأ قوة الرياضة. فهي لا تقول للشخص ذي الإعاقة فقط إنه يستطيع أن يصبح بطلًا رياضيًا، بل تقول للمجتمع كله إن الإعاقة لا تلغي الكفاءة، وإن الحواجز الحقيقية ليست دائمًا في الجسد، وإنما قد تكون في المدرسة غير المهيأة، والشارع غير الولوج، ووسيلة النقل التي لا تستقبله، وفرصة العمل التي تحرم منه، والنظرة الاجتماعية التي تضع له سقفًا قبل أن يحاول رفعه بنفسه.
لهذا فإن نجاح الألعاب العربية البارالمبية يجب أن يدفعنا إلى إعادة التفكير في موقع الأشخاص ذوي الإعاقة داخل السياسات العمومية العربية، لأن الاحتفاء ببطل فوق منصة التتويج يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا ظل شخص آخر يحمل الإعاقة نفسها عاجزًا عن دخول مدرسة أو إدارة أو ملعب أو وسيلة نقل.
لا نريد بطولة تنتهي بإطفاء أضواء القاعة
في يناير 2027 ستتنافس الوفود، وسترتفع الأعلام، وستوزع الميداليات، وستلتقط الصور، ثم يسدل الستار على النسخة الأولى.
لكن السؤال الأهم سيبدأ صباح اليوم التالي.
ماذا بقي؟
إذا بقيت شبكة عربية أقوى للرياضة البارالمبية، وبرامج منتظمة لاكتشاف الأبطال، وتعاون بين اللجان الوطنية، ودورات تكوينية للمدربين والحكام، واتفاق على موعد ومكان النسخة الثانية، وتغطية إعلامية أصبحت أكثر عدلًا، فإن مصر ستكون قد نظمت فعلًا دورة تاريخية.
أما إذا بقيت الصور والكؤوس والخطب فقط، فسيكون العرب قد نظموا بطولة ناجحة، لكنهم لم يؤسسوا بعد مشروعًا ناجحًا.
ولهذا فإن ما يبدأ في القاهرة أكبر من أحد عشر نوعًا رياضيًا، وأكبر من تسع عشرة دولة، وأكبر حتى من حصيلة الميداليات التي ستوزع.
إنها فرصة لكي يكتب الاتحاد العربي لرياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، برئاسة إيهاب حسنين وبمشاركة مجلس إدارة يمثل دولًا عربية عديدة، فصلًا جديدًا في مسيرة بدأت منذ 1987، وأن ينتقل من تنظيم البطولات المتفرقة إلى امتلاك موعد عربي جامع له هويته واستمراريته وقيمته الرياضية والإنسانية.
والقاهرة التي نالت شرف تنظيم البداية، أمامها فرصة أكبر من شرف الاستضافة: أن تمنح العرب نموذجًا يمكن البناء عليه.
فالأبطال موجودون، والإرادة موجودة، والدول موجودة، والمؤسسات موجودة. وما كان ينقص هو الموعد.
وها هو الموعد يولد أخيرًا.
فلتكن دورة يناير 2027 بداية تقويم رياضي عربي جديد، لا مجرد عشرة أيام جميلة تنتهي بإطفاء الأنوار وإغلاق الملاعب.



