مصطفى بنعلي يرد على ورقة «صدى الانتخابات» بـ«لا تفقهون في السياسة»…إساءة لميدي1 تيفي وطاقمها قبل أن تكون جوابًا عن تاريخ الحزب
من إرث التهامي الخياري إلى صراع الشرعية مع مصطفى لمفرك، ومن 12 مقعدًا إلى الصفر ثم ثلاثة، ومن إخفاق بركان إلى ترشيح سيدي سليمان… قبل تلقين نوفل العوالمة وطاقم البرنامج دروسًا في السياسة، ماذا تقول الحصيلة

مصطفى بنعلي يرد على ورقة «صدى الانتخابات» بـ«لا تفقهون في السياسة»…إساءة لميدي1 تيفي وطاقمها قبل أن تكون جوابًا عن تاريخ الحزب
من إرث التهامي الخياري إلى صراع الشرعية مع مصطفى لمفرك، ومن 12 مقعدًا إلى الصفر ثم ثلاثة، ومن إخفاق بركان إلى ترشيح سيدي سليمان… قبل تلقين نوفل العوالمة وطاقم البرنامج دروسًا في السياسة، ماذا تقول الحصيلة؟
بقلم: بوشعيب حمراوي
لا تفقهون في السياسة : رصاصة مجانية في وجه قناة المغاربة الإخبارية
لم تبدأ الواقعة بسؤال استفزازي، ولم تأت العبارة بعد مشادة أو مقاطعة أو سجال شخصي، بل جاءت منذ الدقائق الأولى لبرنامج «صدى الانتخابات» على قناة ميدي1 تيفي، مباشرة بعد أن أنهى الإعلامي نوفل العوالمة الورقة الافتتاحية التي قدم من خلالها مسار جبهة القوى الديمقراطية وأبرز المحطات التي عرفها الحزب. وظانا بجانبه أنتظر دوري لطرح الأسئلة لطرح الأسئلة على الضيف الأمين العام للحزب.
بعد انهاء مدخل الحلقة توجه الصحفي نوفل كعادته لمخاطبة الدكتور مصطفى بن علي واصفا إياه بالهادئ عكس باقي احزاب اليسار . و اعطائه الكلمة.

كان بإمكان مصطفى بنعلي، الأمين العام لجبهة القوى الديمقراطية، أن يقول ببساطة إن الورقة تضمنت، من وجهة نظره، معلومات غير دقيقة، وأن يصححها واحدة واحدة، وأن يقدم وثائقه وروايته للتاريخ التنظيمي للحزب؛ فهذا هو جوهر الحوار السياسي، وهذه هي وظيفة البرامج التي تستضيف المسؤولين الحزبيين قبل الانتخابات. علما أن ما أزعج السياسي واقع وحقيقة. وسبق للقناة الثانية المغربية أن أكدته كذلك عند استضافته. ولم يتهما بالجهل السياسي, لكنه اختار أن يوجه رصاصة فارغة في برنامج مباشر, اختار أن يبدأ رده بعبارة : لا تفقهون في السياسة.
والعبارة، كما جاءت في سياقها، طالت عمليًا القناة وطاقم البرنامج ومقدمه نوفل العوالمة، وهي قناة إخبارية يعرفها المغاربة ويتابعون برامجها السياسية والإخبارية، وكل المغاربة يثقون في مهنيتها وحرصها على استضافة مختلف الحساسيات وتقبل مختلف الآراء.
والمشكلة ليست في أن يعترض ضيف سياسي على بعض من مضمون ورقة صحفية؛ فهذا حقه الكامل. بل إن واجبه، إن وجد خطأ، أن يصححه. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقول للإعلامي: هذه المعلومة غير صحيحة، وبين أن تقفز من مناقشة المعلومة إلى إصدار حكم جماعي بأن من أمامك لا يفقهون في السياسة. ومن هنا يصبح من المشروع أن نترك الغضب جانبًا، ونعود إلى السياسة نفسها.
التأسيس… ومن كتب الصفحة الأولى؟
تأسست جبهة القوى الديمقراطية سنة 1997 إثر الانشقاق الذي عرفه حزب التقدم والاشتراكية بعد وفاة علي يعته والصراع حول خلافته، وتقدم المصادر التاريخية الموثوقة الراحل التهامي الخياري باعتباره مؤسس الجبهة وقائد مشروعها السياسي الأول.
أما المصطفى بنعلي، المولود في فاتح ماي 1973، فكان عند تأسيس الحزب في الرابعة والعشرين تقريبًا. ولا يعني صغر سنه استحالة أن يكون حاضرًا في لحظة التأسيس أو مساهمًا فيها، لكن هناك فارقًا بين الانتماء إلى الجيل الأول والمساهمة في البناء، وبين الموقع التاريخي للتهامي الخياري الذي قاد الانشقاق وأسس الحزب وتزعمه لسنوات طويلة. لذلك ليس المطلوب سحب أي مساهمة من بنعلي، بل فقط عدم إعادة ترتيب التاريخ حتى يصبح كل من وصل إلى قيادة الحزب لاحقًا في مرتبة المؤسس التاريخي نفسه. بالتاريخ لا يصنع على هوى الاشخاص واهدافهم. التاريخ السياسي لا يعاد تحريره كما تعاد كتابة سيرة انتخابية.
الأرقام أكثر هدوءًا من الخطابات
لنترك الأشخاص لحظة، ولنقرأ مسار الحزب انتخابيًا. حصلت جبهة القوى الديمقراطية على 9 مقاعد سنة 1997، ثم بلغت أفضل نتائجها التشريعية سنة 2002 بحصولها على 12 مقعدًا، قبل أن تتراجع إلى 9 مقاعد سنة 2007 ثم إلى مقعد واحد سنة 2011.
وفي انتخابات 2016 خرج الحزب بصفر مقعد، قبل أن يعود سنة 2021 بثلاثة مقاعد فقط من أصل 395.
هذه ليست إساءة لأحد، ولا تحتاج إلى «فقه سياسي» خاص . إنها أرقام صناديق الاقتراع. وهي تقول إن المرحلة التي عرفت فيها الجبهة أقوى حضور برلماني كانت مرتبطة أساسًا بزمن التهامي الخياري، بينما دخل الحزب بعد ذلك في انكماش حاد وصل سنة 2016 إلى الغياب الكامل عن مجلس النواب.
فحين يقول مسؤول حزبي لمن يحاورونه إنهم لا يفقهون في السياسة، فمن حقهم أن يسألوه: ماذا تقول أنت عن هذا المسار؟
تجربة الحكم… صفحة قديمة لا تزال الوحيدة
شاركت جبهة القوى الديمقراطية في تجربة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي بين 1998 و2002، وتولى التهامي الخياري مسؤوليات حكومية خلالها، ومنها وزارة الصحة في حكومة اليوسفي الثانية. ومنذ نهاية تلك التجربة لم تعد الجبهة إلى الحكومة.
أي أن الحزب الذي يقدم نفسه اليوم باعتباره مستعدًا للمساهمة في تدبير مرحلة 2026-2031، وهي مرحلة ستكون مثقلة بأوراش الجهوية المتقدمة و الحكم الذاتي، والاستعداد لمونديال 2030 والملفات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، تعود آخر تجربة حكومية له إلى أكثر من عقدين.
والسؤال هنا ليس ساخرًا بل سياسي بامتياز: ماذا راكمت القيادة الحالية من تجربة انتخابية وتنظيمية تجعل الحزب جاهزًا للعودة إلى الحكومة؟
بنعلي ولمفرك… نزاع أطول من ولاية تشريعية
الأصعب في تاريخ الجبهة الحديث هو الصراع الممتد بين المصطفى بنعلي والمصطفى لمفرك. والذي ينكره بنعلي. ويغضب حين يسأل عنه.
منذ سنة 2019 دخل الحزب في نزاع تنظيمي وقانوني حول القيادة والشرعية، وانتقل الخلاف من المؤسسات الحزبية إلى المحاكم، ووصل لاحقًا إلى معركة التزكيات نفسها خلال شهر غشت 2026، حيث ظل كل طرف يقدم نفسه باعتباره صاحب الشرعية في قيادة الحزب.
وهذا ليس تفصيلًا هامشيًا في تقييم حزب سياسي؛ لأن الحزب الذي يطلب من المغاربة الثقة فيه لتدبير المؤسسات العامة، من الطبيعي أن يسأله الإعلام أولًا عن قدرته على تدبير مؤسساته الداخلية.
وقد وصلت الأزمة في 2026 إلى صراع علني حول التزكيات، في وقت كان الحزب يستعد لخوض انتخابات تشريعية جديدة.
فكيف يصبح طرح هذا الملف دليلًا على أن الصحفي «لا يفقه في السياسة». أليس هذا، في الحقيقة، من صميم السياسة؟
كل سؤال كان يعيد التوتر إلى الطاولة

الأمر لم يتوقف، بالنسبة إليّ وأنا حاضر في الاستوديو، عند الجملة الافتتاحية وحدها.
فخلال الحلقة، وفي كل مرة تقريبًا كان السؤال يقترب من ملف غير مريح أو يطالب بإجابة أكثر تحديدًا، كنت ألاحظ تغيرًا في نبرة مصطفى بنعلي وظهور علامات الانزعاج عليه، وكان يعود أكثر من مرة إلى الحديث بما معناه أنه كان يمكنه ألا يحضر إلى البرنامج، وأن يبقى في سيدي سليمان لمتابعة حملته الانتخابية.
وهنا بالضبط يكمن جوهر الإشكال. فالسياسي لا يأتي إلى برنامج انتخابي لأن الأسئلة ستكون مريحة، ولا يترك حملته الانتخابية لساعة كي يحصل على منصة مجانية يقرأ فوقها برنامجه دون مساءلة.
هو يأتي لأن الإعلام جزء من الديمقراطية، ولأن الناخب من حقه أن يسمع البرنامج، لكن من حقه أيضًا أن يسمع الأسئلة التي لا توجد في المطويات الانتخابية.
ومن حق بنعلي أن يقول إن وقته ثمين، وإن لديه حملة في سيدي سليمان؛ لكنه هو نفسه مرشح يسعى إلى أصوات المواطنين هناك، وظهوره في قناة وطنية ومناقشة حصيلته وبرنامجه جزء من حملته السياسية وليس وقتًا مسروقًا منها. فالاستوديو ليس عقوبة للمرشح، والسؤال ليس اعتداءً عليه.
من بركان إلى سيدي سليمان
في انتخابات 2021 ترشح مصطفى بنعلي وكيلاً للائحة الجبهة بدائرة بركان، وحصلت لائحته على 1932 صوتًا، في حين ذهبت المقاعد إلىلوائح حققت نتائج أعلى بكثير. أما في انتخابات 2026 فقد انتقل للترشح وكيلاً للائحة حزبه في سيدي سليمان، وأكد بنفسه أن الحزب هو الذي اتخذ قرار ترشيحه هناك. ولا شيء في القانون يمنعه من ذلك، ولا معنى لتحويل الانتقال بين الدوائر إلى تهمة. لكن من حق الصحفي أن يسأل : لماذا لم يعد الأمين العام إلى بركان؟ لماذا اختار الحزب سيدي سليمان؟ هل الأمر مرتبط بحسابات سياسية؟ أم بفرص الفوز؟ أم ببناء امتداد جديد للحزب؟. هذه أسئلة انتخابية طبيعية. وإن كان مجرد طرحها يثير الغضب، فما الأسئلة التي يريد السياسي أن يسمعها من الصحافة؟
كل ما كان مطلوبًا في افتتاح الحلقة، حين استمع المصطفى بنعلي إلى الورقة التي قدم بها نوفل العوالمة مسار الحزب، جملة بسيطة : هناك معطيات أختلف معها، وأريد توضيحها.
ثم يبدأ التوضيح. إن كانت معلومة التأسيس… وإن كانت قراءة النزاع مع لمفرك ناقصة أو غير موجودة أصلا …وإن كان تقييم النتائج الانتخابية غير منصف، يقدم تفسيره السياسي.
هكذا يناقش السياسي الإعلام. أما تحويل الخلاف حول المحتوى إلى « لا تفقهون في السياسة»، فإنه يسيء إلى مقدم البرنامج وطاقمه وإلى مؤسسة إعلامية استضافته ومنحته المساحة نفسها التي تمنحها لغيره من قادة الأحزاب. وقبل كل هذا تسيء اليه هو شخصيا المفروض أن يكون في مستوى للنقاش الاعلامي الهادئ والهادف.
ونوفل العوالمة ليس في حاجة إلى شهادة مني أو من بنعلي في مهنيته، ولا تقييم مستواه الإعلامي والسياسي. كما أن ميدي1 تيفي ليست في حاجة إلى تزكية حزب سياسي؛ لكن احترام الصحافة يبدأ من قبول حقها في السؤال.
السياسة ليست امتحانًا يضعه الضيف للصحفي
لسنا هنا بصدد الانتصار لمصطفى لمفرك ضد مصطفى بنعلي، ولا نريد أن نقرر بدل القضاء من يملك الشرعية التنظيمية، ولا أن نسلب بنعلي حقه في الدفاع عن مساره.
نريد شيئًا أبسط. أن يكون السياسي قادرًا على سماع السؤال دون أن يعتبره إهانة. وأن يرد على المعلومة بالمعلومة.
لأن الصحافة قد تخطئ، والصحفي قد يحتاج إلى تصحيح، وهذا طبيعي؛ لكن التصحيح لا يكون بإهانة الصحفي أو الطاقم أو المؤسسة.. فما بالك إن كان الصحفي على الاحق ويتهم بالجهل السياسي ؟
فمن يقول لنا أنتم « لا تفقهون في السياسة» عليه أن يقبل أن نفتح أمامه ملفات التأسيس، والتمثيل البرلماني، وتجربة الحكومة، وصراع القيادة، ونتيجة بركان، والانتقال إلى سيدي سليمان.
وعندها لا يعود الحكم له أو لي أو للصحفي العواملة ولا طاقم للبرنامج أو القناة. الحكم للتاريخ، وللوثيقة، وللمواطن، ولصندوق الاقتراع. ولك من تابعوا الحلقة مباشرة أو عند نشرها على موقع القناة الرسمي.
وفي النهاية، قد يغضب السياسي من سؤال، وقد يندم لحظة على حضوره إلى برنامج، وقد يعتقد أن ساعة في الاستوديو كان أولى بها أن يقضيها بين ناخبيه في سيدي سليمان؛ لكن من يختار العمل السياسي يختار معه المساءلة.
فالسياسي الذي يريد أصوات الناس يجب أن يحتمل أسئلة الصحفيين، ومن لا يحتمل السؤال لن تحميه عبارة « لا تفقهون في السياسة» من الجواب. لأنه أظهر فعلا أنها في حاجة إلى التكوين في كيفية تمثيل حزب داخل قناة إخبارية امتدت جذورها إلى العالم العربي والافريقي بحيادها ونزاهتها وإنصافها.



