جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ.. بين شرعية التمثيل وفوضى التحصيل و ضبابية العلاقة مع الإدارة
الانخراط اختياري والتسجيل والتمدرس حق.. والجمعية شريك تربوي مستقل مهمتها الدفاع عن التلميذ والترافع من أجله .. فمتى تؤدي دورها الحقيقي كاملا ؟

جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ.. بين شرعية التمثيل وفوضى التحصيل و ضبابية العلاقة مع الإدارة
الانخراط اختياري والتسجيل والتمدرس حق.. والجمعية شريك تربوي مستقل مهمتها الدفاع عن التلميذ والترافع من أجله .. فمتى تؤدي دورها الحقيقي كاملا ؟
بقلم: بوشعيب حمراوي
مع كل دخول مدرسي تعود جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ إلى الواجهة، وتعود معها أسئلة كثيرة كان يفترض أن تكون محسومة منذ سنوات: من يؤسس الجمعية؟ من يحق له عضوية مكتبها؟ من هو ولي الأمر الذي يحق له الانخراط والترشح؟ ما حدود علاقة مدير المؤسسة بها؟ من يستخلص مساهمات الأسر؟ وهل الانخراط إجباري؟ وهل يمكن ربط تسجيل التلميذ أو إعادة تسجيله أو استمراره في الدراسة بأداء واجب الجمعية؟
ثم هناك أسئلة أخرى أكثر حساسية: كيف يستمر بعض الأشخاص داخل مكاتب الجمعيات رغم مغادرة أبنائهم المؤسسة؟ وكيف يمكن أن يتكون معظم مكتب جمعية يفترض أنها تمثل الأسر من أساتذة أو موظفين أو أعوان يعملون داخل المؤسسة نفسها؟ ولماذا تختزل بعض الجمعيات مواردها في جيوب الآباء والأمهات، بينما يتيح لها القانون البحث عن المنح والدعم وإبرام الشراكات؟
طرح هذه الأسئلة ليس استهدافاً لجمعيات الآباء، بل دفاعاً عن دورها الحقيقي. فالمدرسة المغربية تحتاج إلى جمعيات قوية ومستقلة وشفافة وديمقراطية وقادرة فعلاً على تمثيل الأسر والدفاع عن مصلحة التلميذ.

جمعية مستقلة.. وليست مصلحة ملحقة بالإدارة
جمعية أمهات وآباء وأولياء التلاميذ تؤسس في إطار التشريع المنظم لحق تأسيس الجمعيات، وفي مقدمه الظهير الشريف المنظم للجمعيات، إلى جانب النصوص الخاصة التي تؤطر وجودها وعملها داخل المؤسسات التعليمية.
وهذا يعني أنها ليست جزءاً من الإدارة المدرسية ولا مكتباً تابعاً لمدير المؤسسة.
دور المدير مهم في توفير الظروف الملائمة لتأسيسها وتجديد مكتبها والتواصل معها وتيسير قيامها بمهامها، لكنه لا يعني اختيار أعضاء المكتب أو التدخل في انتخاباته أو التحكم في قراراته وماليته.
وفي المقابل، الجمعية ليست إدارة موازية، ولا يمكن أن تحل محل المدير أو الأساتذة في اختصاصاتهم الإدارية والتربوية والمهنية.
الشراكة تعني التعاون مع احترام استقلال كل طرف، وليس وضع الجمعية تحت سلطة الإدارة أو تحويلها إلى خصم لها.
جمعية لها مكان داخل مجالس المؤسسة
ومن الخطأ اختزال جمعية الآباء في استخلاص المساهمات أو تنظيم بعض الأنشطة الموسمية.
فالجمعية لها تمثيل داخل هياكل المؤسسة التعليمية، ويشارك رئيسها في مجلس التدبير والمجلس التربوي، كما يكون لها تمثيل داخل مجالس الأقسام وفق التنظيم المعمول به.
وهنا من الأدق الحديث عن مجالس المؤسسة، وليس «المجالس التعليمية» الخاصة بالمواد الدراسية.
وهذه المشاركة ليست منصباً شرفياً، بل مسؤولية تقتضي حضور ممثل الأسر، ونقل انشغالاتها، وتتبع قضايا التلاميذ والحياة المدرسية ومشروع المؤسسة والدعم الاجتماعي والتربوي ومحاربة الهدر والانقطاع.
فلماذا نختزل رئيس الجمعية في شخص يجمع المساهمات بينما له مكان وصوت داخل مجالس تناقش شؤون المؤسسة؟

التسجيل حق.. والدراسة لا تتوقف على وصل جمعية
من أخطر مظاهر الخلط ربط التسجيل أو إعادة التسجيل أو السماح للتلميذ بمواصلة الدراسة بأداء واجب الانخراط السنوي للجمعية.
والقاعدة هنا يجب أن تكون واضحة بلا التباس:
الانخراط في جمعية الآباء يخص الأب أو الأم أو الولي، أما الدراسة فهي حق للتلميذ.
ومساهمة الجمعية ليست رسماً مدرسياً ولا ثمناً لمقعد داخل القسم.
ولهذا لا يحق منع تلميذ من التسجيل أو إعادة التسجيل أو حرمانه من ولوج المؤسسة أو القسم أو مواصلة دراسته بسبب عدم أداء والده أو والدته أو ولي أمره واجب الانخراط السنوي للجمعية.
فكيف يمكن معاقبة طفل على قرار مالي أو جمعوي يعود لشخص بالغ؟
وكيف يتحول وصل جمعية مدنية إلى بطاقة عبور إلى القسم؟
سواء كان مبلغ الانخراط خمسين أو مائة درهم أو غير ذلك، فإنه لا يمكن أن يصبح شرطاً للاستفادة من حق التمدرس.
التلميذ لا علاقة له بدين محتمل للجمعية، لأنه ليس هو المنخرط فيها أصلاً.
الإدارة تسجل التلميذ.. والجمعية تسجل المنخرط
إذا كانت الجمعية مستقلة، فمن الطبيعي أن تكون ماليتها مستقلة كذلك.
لا ينبغي أن يتحول المدير أو الحارس العام أو موظف الإدارة إلى محصل لواجبات الجمعية، لأن هذا الخلط يجعل الأسرة تعتقد أن المبلغ جزء من الرسوم الرسمية.
الأصل أن يتولى أعضاء المكتب المخول لهم ذلك استخلاص واجبات الانخراط، مع تسليم وصولات وتسجيل المداخيل في حسابات الجمعية وتقديمها ضمن تقريرها المالي.
والقاعدة التي يمكن كتابتها بخط عريض داخل كل مؤسسة هي:
الإدارة تسجل التلميذ، والجمعية تسجل المنخرط.
ولا يجوز أن يصبح المرور من مكتب الجمعية شرطاً للمرور إلى القسم.
جيوب الآباء ليست المورد الوحيد
ومن الخطأ كذلك أن تتصرف بعض المكاتب وكأن موارد الجمعية تبدأ وتنتهي عند مساهمات الأسر.
فجمعية الآباء، شأنها شأن باقي الجمعيات المؤسسة قانونياً، يمكنها أن تتقدم بطلبات الاستفادة من المنح والدعم العمومي الذي تخصصه الجماعات الترابية والمؤسسات والجهات المختصة لدعم الجمعيات وفق شروط ومساطر محددة.
ولها الحق في التقدم بطلب هذه المنح شأنها شأن باقي الجمعيات المستوفية للشروط، مع التأكيد أن الاستفادة الفعلية وقيمة الدعم تخضع لمعايير وقرارات الجهة المانحة.
كما يمكنها البحث عن دعم لدى القطاع الخاص والمؤسسات والمقاولات والفاعلين الاقتصاديين، في إطار ما يسمح به القانون.
فلماذا يبقى جيب الأب أول عنوان يقصده بعض المكاتب؟
الجمعية القوية لا تنتظر شتنبر لتجمع المال فقط، وإنما تعد المشاريع وتبحث لها عن التمويل.
المنحة شيء.. والشراكة باب آخر
وبجانب طلب المنح السنوية، يمكن للجمعية إبرام اتفاقيات وشراكات مع الجماعات الترابية والمقاطعات والمؤسسات والمقاولات العمومية والخاصة وجمعيات المجتمع المدني، وفق الاختصاصات والمساطر القانونية.
وقد تكون الشراكة لتجهيز مكتبة، أو تهيئة فضاء، أو دعم النقل المدرسي، أو تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية، أو مساعدة تلاميذ في وضعية هشاشة، أو إنجاز مشروع يخدم الحياة المدرسية.
وهنا يظهر الفرق بين مكتب يكتفي بسؤال الآباء: كم ستدفعون؟
ومكتب يسأل نفسه: ما المشروع الذي نحتاجه؟ ومن يمكن أن يموله معنا؟
المال، من أي مصدر، يحتاج إلى حساب
سواء جاءت الأموال من واجبات الانخراط أو منحة عمومية أو دعم خاص أو شراكة، فإن الشفافية لا تتغير.
كم حصلت الجمعية؟ ما مصدر المبلغ؟ أين صرف؟ من قرر صرفه؟
وما الرصيد المتبقي؟
من يؤدي للجمعية من حقه أن يعرف أين ذهب ماله، ومنح الجماعات والمؤسسات هي أيضاً أموال تحتاج إلى تدبير واضح وتوثيق ومحاسبة.
الجمعية التي تريد الثقة يجب أن تبدأ بالحساب.
من لا ابن له بالمؤسسة.. من يمثل؟
ومن بين الاختلالات التي تحتاج إلى الحسم استمرار أشخاص في مكاتب بعض الجمعيات بعد مغادرة أبنائهم المؤسسة.
فجمعية الآباء ليست نادياً دائماً ولا وظيفة يحتفظ بها الشخص إلى ما لا نهاية.
من استمد صفته من وجود ابنه أو ابنته داخل المؤسسة، يجب أن ترتبط عضويته باستمرار تلك الصفة وفق المقتضيات التنظيمية.
الجمعية تحتاج إلى التجدد، وإلى دخول آباء وأمهات يمثلون الأسر التي يوجد أبناؤها فعلاً داخل المؤسسة.
«ولي الأمر» صفة تحتاج إلى إثبات. ويجب أيضاً ضبط استعمال صفة «ولي الأمر».
ليس كل قريب ولياً قانونياً، ولا يكفي أن يقول شخص: «أنا ولي أمر هذا التلميذ» لكي يصبح مؤهلاً تلقائياً للترشح لمكتب يفترض أنه يمثل مئات الأسر.
هناك الأب والأم، وهناك الوصي والمقدم والكافل وغيرهم ممن تثبت لهم المسؤولية القانونية بحسب الحالة.
ومن الطبيعي قبل قبول الترشح أن نعرف: من هو التلميذ الذي تستمد منه صفتك؟ هل يتابع دراسته فعلاً داخل المؤسسة؟ وما سند صفتك إذا لم تكن أباه أو أمه؟
هذه ليست بيروقراطية، بل حماية لشرعية المكتب. عندما يصبح مكتب الآباء من العاملين بالمؤسسة.
الأستاذ أو الإداري أو العون الذي له ابن أو ابنة بالمؤسسة هو أب أو أم أيضاً، ولا ينبغي إقصاؤه لمجرد مهنته. لكن السؤال يصبح مشروعاً عندما يكون معظم أعضاء مكتب جمعية الآباء من الأساتذة أو الموظفين أو الأعوان العاملين بالمؤسسة نفسها. هنا تطرح مسألة استقلال الجمعية وتضارب الأدوار. كيف سيمثل المكتب الأسر أمام المؤسسة إذا كان معظم أعضائه جزءاً من طاقمها؟
وكيف يتعامل باستقلال مع شكاية تخص زميلاً أو ممارسة مهنية أو قراراً داخلياً؟
المشكل ليس في الأستاذ الأب ولا الموظفة الأم، وإنما في هيمنة فئة واحدة على مكتب يفترض أن يعكس تنوع أسر المؤسسة.
ولهذا ينبغي ضمان التوازن والتعدد وعدم الاحتكار.
جمعية الآباء ليست صندوقاً مالياً
نريد جمعية حاضرة طيلة السنة، لا جمعية تستيقظ فقط عند التسجيل. نريد رئيساً يعرف طريق مجلس التدبير والمجلس التربوي، مثلما يعرف طريق الجماعة والمقاطعة والمؤسسات بحثاً عن الشراكات والمنح.
نريد مكتباً يستمع للأسر، ويتابع مشاكل التلاميذ، ويقترح المشاريع، ويترافع عن المؤسسة، ويعرض تقاريره الأدبية والمالية.
ولا نريد جمعية يصنع مكتبها المدير، ولا مكتباً يحتكره بعض الأشخاص، ولا جمعية تختزل علاقتها بالأسرة في سؤال واحد: هل أديت واجب الانخراط؟
التلميذ ليس رهينة الجمعية
الإصلاح المطلوب لا يعني إضعاف جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، بل تقويتها وإعادة الاعتبار إليها.
نريد جمعيات تستمد قوتها من شرعية تمثيلها، وديمقراطية انتخابها، وشفافية ماليتها، واستقلال قرارها، وحضورها داخل مجالس المؤسسة، وقدرتها على الترافع وجلب المنح وصناعة الشراكات.
لكن هناك خطاً أحمر يجب ألا يسمح بتجاوزه:
لا يجوز أن يصبح حق التلميذ في التسجيل أو الحضور إلى القسم أو مواصلة دراسته مرتبطاً بأداء واجب الانخراط السنوي للجمعية.
فالخلاف المالي، إن وجد، يبقى بين الجمعية والمنخرط، ولا يجوز نقله إلى طفل داخل فصل دراسي.
فالمدرسة تحتاج إلى مدير قوي في اختصاصه، وأستاذ قوي في رسالته، وجمعية قوية في تمثيلها، وأسرة حاضرة في مسؤوليتها؛ أما التلميذ، فيجب أن يدخل المدرسة بحقه في التعليم، لا بوصل أداء مساهمة جمعية.



