الصحة و التغذية

🚨🚩«الواقع يردّ الضربة»: كيف يحول مهرجان بيربينيان الصورة الصحفية إلى خط دفاع أخلاقي في وجه الذكاء الاصطناعي

🚨🚩«الواقع يردّ الضربة»: كيف يحول مهرجان بيربينيان الصورة الصحفية إلى خط دفاع أخلاقي في وجه الذكاء الاصطناعي

بقلم حميد فوزي

في عامٍ يصادف مرور قرنين على اختراع التصوير الفوتوغرافي، يطلّ مهرجان «فيزا من أجل الصورة» في دورته الثامنة والثلاثين ببيّنةٍ صارخةٍ مفادها أن الصورة الصحفية لم تعد مجرد شاهدٍ بصريٍ على الواقع، بل غدت ساحةَ حربٍ خفيةٍ بين الحقيقة والخوارزمية، بين العدسة والنموذج التوليدي، وبين المصوّر الذي يخاطر بحياته في الميدان والذكاء الاصطناعي الذي يولّد صوراً بلا كاميرا وبلا تكلفةٍ بشريةٍ تُذكر.
تأتي هذه الدورة لتُعيد صياغة السؤال الجوهري الذي لطالما ارتكزت عليه مهنة الصورة الصحفية، فلا يعود السؤالُ اليومَ «هل الصورة حقيقية؟» بل يتحوّل إلى «كيف نثبت أنها حقيقية؟» في زمنٍ تتساوى فيه الصورةُ الملتقطةُ في قلبِ الحرب مع صورةٍ مولَّدةٍ خوارزمياً في ثوانٍ، وتنتشران معاً على منصات التواصل بلا تمييزٍ بصريٍ يُعتدّ به.
في هذا السياق، يرفع المهرجان شعار «الواقع يردّ الضربة» ليحوّل مدينة بيربينيان بكاملها إلى مختبرٍ أخلاقيٍ ومهنيٍ للدفاع عن الصورة كوثيقةٍ تاريخيةٍ لا تقبل التزييف، وذلك عبر سبعةٍ وعشرين معرضاً مجانياً توزّعت على معالم المدينة، وستّ أمسياتٍ سينمائيةٍ في الهواء الطلق، وأول «اتفاقية للصور الصحفية» تُعقَد في 31 أغسطس، تجمع محرّرين وناشرين وخبراء تقنية لمناقشة مستقبل الإثبات البصري في عصر النماذج التوليدية.
ولعلّ أبرز ما يميّز هذه الدورة هو استحضار مؤسّس المهرجان جان-فرنسوا ليروي، الذي توفي أثناء انعقادها، لصورته الأخيرة التي استشهد فيها بحالةٍ واقعيةٍ صارت رمزاً للتحدّي، ألا وهي صورة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو المصفَّدة بحراسة «مارينز» أميركيين، والتي تبيّن لاحقاً أنها مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، لتُستخدَم كحالة دراسة في ورشات المهرجان وندواته، مؤكّداً أن التحدّي لا يكمن في رفض التقنية، بل في تعزيز العمل الميداني، والاعتماد على مصادر موثوقة، والتحقّق من المعلومات قبل النشر.
غير أن المهرجان لا يكتفي بالتشخيص النقدي، بل يقدّم أدواتٍ عمليةً للمحرّرين والناشرين، من خلال ورش عملٍ تطبيقيةٍ تناقش تأثير الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور الإخبارية وتقاسمها، وكيفية الحفاظ على ثقة الجمهور في الوسائط المرئية، مع التركيز على ضرورة تطوير معاييرَ جديدةٍ للتوثيق والتحقّق، تواكب سرعة انتشار الصور المولَّدة وتتعامل معها كتهديدٍ وجوديٍ لمهنة الصورة الصحفية.


وفي خضمّ هذا الزخم التحريري، يبرز البعد الدولي للمهرجان، الذي يستقطب سنوياً آلاف الزوار والمحترفين من مختلف أنحاء العالم، ليحوّل نفسه إلى سوقٍ غير رسميةٍ للتعارف وتبادل المشاريع، مع التركيز على قضايا عالميةٍ شائكةٍ من الحروب إلى الأزمات الاجتماعية، وغالباً ما تكون الصور المعروضة جاهزةً للنشر أو قريبةً من معايير التحرير الصحفي، ما يجعله مرجعاً لا غنى عنه للمحرّرين العرب الذين يسعون إلى إنتاج موادَ صحفيةٍ رصينةٍ تواكب التحدّيات التقنية الراهنة.
ختاماً، يظلّ مهرجان «فيزا من أجل الصورة» في دورته الثامنة والثلاثين ليس مجرد احتفالٍ بالصور، بل خط دفاعٍ أخلاقيٍ ومهنيٍ عن حق الجمهور في رؤية الواقع كما هو، لا كما تُعيد خوارزميات الذكاء الاصطناعي صياغته، مؤكّداً أن الصورة الصحفية، رغم كل التحدّيات، تظلّ الشاهدَ الوحيدَ الذي لا يقبل التزييف، طالما التزم مصوّروها ومحرّروها بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي صنعها قرنان من التطوّر التقني والنضال الإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى