🚨🇲🇦👑💪🏽ثورة الملك والشعب.. ملحمة وطنية قادت المغرب من المنفى إلى الاستقلال

🚨🇲🇦👑💪🏽ثورة الملك والشعب.. ملحمة وطنية قادت المغرب
من المنفى إلى الاستقلال
بقلم حميد فوزي

يخلّد المغرب في العشرين من غشت من كل سنة ذكرى ثورة الملك والشعب، إحدى أبرز المحطات في تاريخه الوطني الحديث، لما تختزنه من دلالات سياسية ووطنية ورمزية عميقة. فقد شكلت هذه الثورة لحظة حاسمة في مسار الكفاح ضد الاستعمار، حين تحوّل نفي السلطان محمد الخامس إلى شرارة أشعلت مقاومة شعبية واسعة، وأعادت تأكيد الارتباط الوثيق بين العرش والشعب، ومهّدت الطريق أمام استرجاع السيادة الوطنية وإعلان الاستقلال.
ولا تستمد هذه الذكرى أهميتها من بعدها الاحتفالي فحسب، بل من كونها تختصر مساراً متكاملاً من المقاومة السياسية والشعبية والمسلحة، ومن التضحيات التي قدّمها المغاربة دفاعاً عن شرعية السلطان ووحدة البلاد وحقها في الحرية. كما تكشف وقائعها أن الاستقلال لم يكن منحةً استعمارية، بل ثمرة نضال طويل تداخلت فيه إرادة الشعب مع الموقف الوطني للملك الراحل محمد الخامس، وانتهى بمفاوضات سياسية أفضت إلى إنهاء نظام الحماية.
🖊️نفي السلطان وإشعال المقاومة
في العشرين من غشت سنة 1953، أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان محمد الخامس، بعدما رفض الاستجابة لمخططاتها الرامية إلى إخضاع القرار الوطني وتكريس السيطرة الاستعمارية. ونُقل السلطان، رفقة أفراد من أسرته الملكية، أولاً إلى جزيرة كورسيكا، قبل أن يُرحّل إلى مدغشقر، فيما عمدت سلطات الحماية إلى تنصيب محمد بن عرفة سلطاناً بديلاً.
وكان المقصود من هذه الخطوة فصل السلطان عن شعبه وإضعاف الحركة الوطنية، غير أن نتائجها جاءت عكسية تماماً. فما إن شاع خبر النفي حتى عمّ الغضب مختلف مناطق المغرب، ورفض المغاربة الاعتراف بالسلطان الذي فرضته الإدارة الاستعمارية، معتبرين أن المساس بمحمد الخامس هو اعتداء على شرعية البلاد ورمز سيادتها. وهكذا تحوّل النفي إلى عامل تعبئة وطنية، وانتقلت المقاومة من الاحتجاج السياسي إلى العمل الفدائي والمسلح.
🖊️من كورسيكا إلى مدغشقر

قضى محمد الخامس وأسرته نحو خمسة أشهر في كورسيكا، في ظروف اتسمت بالعزلة والرقابة المشددة، قبل نقله إلى مدغشقر في مطلع سنة 1954. وأقام السلطان في مدينة أنتسيرابي، ولا سيما في فندق «لي تيرم»، حيث استمرت فترة منفاه إلى غاية سنة 1955، مع نقله لاحقاً إلى مدينة نيس الفرنسية قبل عودته إلى أرض الوطن.
وتتباين بعض الروايات في تحديد المدة الدقيقة التي قضاها محمد الخامس في مدغشقر، تبعاً لاختلاف تاريخ الرحيل من كورسيكا أو تاريخ الوصول إلى الجزيرة، غير أن الثابت أن منفاه، بمراحله المختلفة، امتد من غشت 1953 إلى نونبر 1955. وخلال هذه الفترة، لم تنجح سلطات الحماية في عزله عن القضية الوطنية، إذ ظل اسمه حاضراً في المظاهرات والمنشورات السرية وخطابات الحركة الوطنية والمقاومة.
ولم يكن المنفى مجرد إجراء أمني لإبعاد السلطان، بل تحول إلى قضية سياسية ودولية أحرجت فرنسا، خصوصاً مع اتساع المقاومة المغربية وتنامي الرفض الشعبي لتنصيب ابن عرفة. كما أن استمرار محمد الخامس في التشبث بالشرعية الوطنية جعله رمزاً للتحرير، وربط بين شخصه وبين مطلب الاستقلال في الوعي الجماعي للمغاربة.
بعد النفي، تشكلت خلايا المقاومة والفداء في عدد من المدن والقرى، وبدأت عمليات استهداف رموز الاستعمار ومصالحه. وبرز في هذه المرحلة عدد من المقاومين الذين أصبحوا رموزاً للتضحية الوطنية، من بينهم الشهيد علال بن عبد الله، الذي نفذ في 11 شتنبر 1953 عملية فدائية استهدفت ابن عرفة، فضلاً عن الشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايا المقاومة بمدينة الدار البيضاء.
وترافقت العمليات الفدائية مع مظاهرات وانتفاضات شعبية، قابلتها سلطات الحماية بحملات قمع واعتقالات وملاحقات واسعة. وسقط عشرات الشهداء والجرحى، غير أن القمع لم ينجح في إخماد المقاومة، بل أسهم في توسيع دائرة الرفض وتعزيز الاقتناع بأن أي حل سياسي لا يضمن عودة السلطان الشرعي وإنهاء الحماية لن يكون مقبولاً.
وفي أكتوبر 1955، انطلقت نواة جيش التحرير في شمال المغرب، لتدخل المقاومة مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد العمل المسلح وتكامل الأدوار بين الحركة الوطنية والمقاومين وجيش التحرير. وبذلك أصبح استمرار الحماية عبئاً متزايداً على فرنسا، في وقت كانت فيه تواجه أزمات استعمارية أخرى في شمال إفريقيا، ولا سيما الثورة
الجزائرية التي اندلعت في نونبر 1954.
🖊️إيكس ليبان وتحويل المقاومة إلى تفاوض
في ظل هذا الوضع، دعت الحكومة الفرنسية إلى عقد مشاورات سياسية في مدينة إيكس ليبان خلال غشت 1955، قصد البحث عن مخرج للأزمة المغربية. وجمعت هذه المشاورات مسؤولين فرنسيين وشخصيات مغربية سياسية وحزبية ومخزنية وعلماء ووجهاء، في محاولة لاستطلاع مواقف مختلف الأطراف بشأن مستقبل المغرب والعرش ونظام الحماية.
ولم تكن إيكس ليبان مفاوضات استقلال مكتملة الأركان، بقدر ما كانت محطة سياسية انتقالية وضعت أسس التسوية اللاحقة. فقد انصبّ النقاش على تنحية محمد بن عرفة، وإيجاد صيغة مؤقتة لتدبير شؤون العرش، والإعداد لعودة محمد الخامس، ثم فتح مفاوضات مباشرة حول مستقبل الحماية والعلاقات المغربية الفرنسية.
شارك في هذه المشاورات ممثلون عن حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال، إلى جانب شخصيات مخزنية وعلماء ووجهاء. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة مبارك البكاي، وعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، ومحمد اليزيدي، وعمر بنعبد الجليل، وعبد القادر بن جلون، وأحمد بن سودة، وعبد الهادي بوطالب، فضلاً عن شخصيات أخرى اختلفت مواقعها السياسية وتقديراتها لطبيعة المرحلة.
وقد أدى ممثلو الحركة الوطنية دوراً أساسياً في تثبيت مطلب عودة محمد الخامس، والتأكيد أن الأزمة لا يمكن حلها بتنصيب سلطان بديل أو بإدخال إصلاحات شكلية على نظام الحماية. أما حضور الشخصيات المخزنية والعلماء والوجهاء، فقد منح الموقف الوطني سنداً يتجاوز الأحزاب، وأظهر أن مطلب العودة والاستقلال يستند إلى شرعية سياسية ودينية وشعبية واسعة.
ورغم تباين مواقف المشاركين، فإن المشاورات انتهت إلى بلورة مسار سياسي يقوم على إبعاد ابن عرفة، وتشكيل هيئة انتقالية، والإعداد لعودة محمد الخامس، ثم إنشاء حكومة مغربية تتولى التفاوض حول الاستقلال. وهكذا نقلت إيكس ليبان القضية المغربية من مجال المقاومة والاحتجاج إلى مجال التفاوض السياسي المباشر، من دون أن تلغي الدور الحاسم الذي أدته المقاومة في فرض هذه المفاوضات.
🖊️العودة وانهيار نظام الحماية
في أعقاب المشاورات، تراجع الموقف الفرنسي تدريجياً أمام قوة الضغط الشعبي والسياسي والمسلح. وأُبعد محمد بن عرفة، وشُكّل مجلس لحفظة العرش لتدبير المرحلة الانتقالية، قبل أن يعود محمد الخامس إلى فرنسا ثم إلى المغرب في السادس عشر من نونبر 1955.
كانت عودة السلطان حدثاً وطنياً غير مسبوق، إذ استقبلها المغاربة باعتبارها انتصاراً للمقاومة وعودة للشرعية، وليس مجرد رجوع ملك من المنفى. وقد أسهمت العودة في توحيد مختلف القوى السياسية حول مشروع بناء الدولة المستقلة، كما أعادت للعرش دوره المركزي في قيادة المرحلة الانتقالية والتفاوض باسم الأمة.
وفي الثامن عشر من نونبر 1955، أعلن محمد الخامس انتهاء عهد الاحتلال وبداية عهد الحرية والاستقلال، داعياً المغاربة إلى الانتقال من «الجهاد الأصغر» ضد الاستعمار إلى «الجهاد الأكبر» المتمثل في بناء الدولة وتحديث مؤسساتها. غير أن الإلغاء القانوني الرسمي لمعاهدة الحماية الفرنسية تم في الثاني من مارس 1956، وهو التاريخ الذي ارتبط بإعلان استقلال المغرب عن فرنسا.
🖊️ظروف توقيع وثيقة الاستقلال
جاء توقيع وثيقة الاستقلال بعد مفاوضات استمرت أشهراً بين الوفدين المغربي والفرنسي، وبعد أن أفضت محادثات إيكس ليبان ولاسيل سان كلو إلى الاعتراف بمبدأ استقلال المغرب. وفي الثاني من مارس 1956، وقّع رئيس الحكومة المغربية مبارك البكاي ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو الإعلان المشترك الذي أقرّ انتهاء معاهدة فاس الموقعة سنة 1912.
أنهت الوثيقة، من الناحية القانونية، نظام الحماية الفرنسية، وأكدت استعادة المغرب لسيادته واختصاصاته في التشريع والإدارة والدفاع والعلاقات الخارجية. كما فتحت الطريق أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية واسترجاع القرار السياسي والاقتصادي، مع الإقرار بأن تصفية آثار الحماية لم تتم دفعة واحدة، إذ استمرت مفاوضات أخرى مرتبطة بالوجود العسكري والمصالح الفرنسية وبالوضع الخاص للمناطق الخاضعة للحماية الإسبانية.
ولذلك ينبغي التمييز بين مراحل الاستقلال؛ فالسادس عشر من نونبر 1955 ارتبط بعودة محمد الخامس، والثامن عشر من الشهر نفسه بإعلان بداية عهد الحرية، بينما مثّل الثاني من مارس 1956 تاريخ الإلغاء الرسمي للحماية الفرنسية. أما الحماية الإسبانية، فتم إنهاؤها باتفاق لاحق في السابع من أبريل 1956، قبل أن تتواصل معركة استكمال الوحدة الترابية في مراحل تاريخية متعاقبة.
تكشف ثورة الملك والشعب أن الحركة الوطنية المغربية لم تكن محصورة في نخبة سياسية أو حزب واحد، بل كانت تعبيراً عن تضافر مكونات متعددة، من العرش والحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير والعلماء والوجهاء وعموم المواطنين. وقد منح هذا التلاحم القضية الوطنية قوة رمزية وميدانية، جعلت من الصعب على الاستعمار فرض حل يتجاهل إرادة المغاربة.
كما تؤكد هذه الملحمة أن نفي محمد الخامس أدى إلى نتيجة عكسية؛ فبدلاً من تفكيك العلاقة بين العرش والشعب، عمّقها وحوّلها إلى أساس للمقاومة والتحرير. وأصبح السلطان رمزاً للاستقلال، فيما تحولت المقاومة الشعبية إلى قوة ضغط أجبرت فرنسا على التراجع والقبول بالتفاوض.
ولم تنتهِ دلالات الثورة بعودة الملك أو توقيع وثيقة الاستقلال، لأن مرحلة ما بعد التحرير طرحت تحديات بناء الدولة، وتوحيد الإدارة، وتأسيس المؤسسات الوطنية، واستكمال الوحدة الترابية. ومن هذا المنظور، مثّلت عودة محمد الخامس بداية مرحلة جديدة انتقل فيها المغرب من مقاومة الاحتلال إلى بناء الاستقلال وترسيخ مقومات الدولة الحديثة.
تظل ثورة الملك والشعب ملحمة وطنية متكاملة، بدأت بنفي السلطان محمد الخامس في محاولة لعزل العرش عن الشعب، ثم تحولت إلى انتفاضة شعبية ومقاومة منظمة، وانتهت بعودة الملك وإلغاء نظام الحماية وإعلان الاستقلال. وقد شكلت مفاوضات إيكس ليبان الحلقة السياسية التي نقلت مطالب المقاومة إلى طاولة التفاوض، في حين مثّل توقيع وثيقة الثاني من مارس 1956 التتويج القانوني لمسار طويل من التضحيات.
إن استحضار هذه الذكرى لا يعني العودة إلى الماضي من أجل تمجيده فقط، بل يتيح قراءة الطريقة التي تفاعلت بها الشرعية الوطنية مع المقاومة الشعبية والعمل السياسي والدبلوماسية من أجل تحقيق هدف مشترك. ولذلك تبقى ثورة الملك والشعب جزءاً أصيلاً من الذاكرة المغربية، ودليلاً على أن وحدة الإرادة الوطنية قادرة على تحويل المحن إلى لحظات للتحرر وبناء المستقبل.



