كتاب البديل

هل أصيب الإسبان بوباء “كَرْغُوليا” رغم كل الرسائل المغربية الجادة؟!

هل أصيب الإسبان بوباء “كَرْغُوليا” رغم كل الرسائل المغربية الجادة؟!

أعلم أن كثيرين سيُضحِكهم السؤال في العنوان أعلاه، ولكنه لشديد الأسف سؤالٌ يعري واقعاً يستدعي زخماً كبيرا من الرثاء.

ذلك، أن الإعلام الإسباني، سواء الخصوصي أو الرسمي، ركب أمواجاً من البيانات الصاخبة، كأنه يمارس هواية “السورف”، لكن بدون كبير دراية، فجعله ذلك ينقلب على نفسه مرات ومرات، حتى بتنا نُصبٍح على بيانات قادحة شبه رسمية أو رسمية، سرعان ما نُمسي على التراجع عنها بالتكذيب، أو بشروح وتوضيحات مضحكة، كما وقع في غضون الأيام الثلاثة الماضية، عندما صدرت أخبار تبنتها إحدى القنوات التلفزية الإسبانية شبه الرسمية، مفادها أن حكومة “بيدرو سانشيز”، هي بصدد دراسة احتمال قطع إمدادات الكهرباء والغاز عن المغرب والمغاربة، فيما يشبه التنطعات البهلوانية للنظام الكابراناتي الجزائري، التي تنطلق هكذا بكل اعتباطية، وبلا أدنى حساب للعواقب، ولذلك سرعان ما طلعت علينا جهات رسمية أخرى تكذّب الخبر، وتؤكد أن العلاقات مع المغرب تسير بشكل عادي وودي وبنفس الوتيرة، وأن ما وقع تسريبه لا يمت للواقع بأي صلة… بلا بلا بلا بلا … وكلام آخر من هذا القَبيل.

بيد أننا جميعاً، وأنا شخصياً، نعلم أن الإسبان إنما أرادوا تمرير رسالة إلى المغاربة، وأن هذه الرسالة قد وصلت، وكما يقول المخزن المغربي الأصيل، “قد صار بالبال” !!

جميعنا يعلم أن مقدار ما يستورده المغرب من الكهرباء، من إسبانيا تحديداً، لا يتعدى نسبة عشرة بالمائة من احتياجاته، ليس لإضاءة المدن والمنازل والمجمعات السكنية، وإنما لإدارة العجلات في بعض المصانع في شمال البلاد، وأن هذا الاستيراد ليس مستديماً، بل هو جزء من “اتفاق للتبادل” يتناوب البلدان بمقتضاه على تزويد بعضهما البعض بالطاقة الكهربائية عند الحاجة، أي عندما يكون لدى أحدهما فائضٌ مُتزامنٌ مع حاجة طارئة لدى الآخر، كما وقع يوم انقطع التيار الكهربائي في جنوبَيْ إسبانيا والبرتغال، فزوّد المغرب البلدين معاً باحتياجاتهما خلال أزمة الانقطاع، دون أن يتضرر أو تتوقف مصانعه، لأن ذلك وقع في فترة كان لديه فيها من الفائض عن الحاجة ما يكفي لإغاثة صديقيه الإيبيريين.

وهكذا فإن ما يأخذه المغرب من إسبانيا من الطاقة الكهربائية لا يتعدى 1000 إلى 1400 ميغاواط، وبالتالي ففي وسعه أن يتدبره بطريقة أو بأخرى في حالة ما إذا كان التهديد الإسباني جاداً وقابلا للتنفيذ، علما بأن إسبانيا في هذه الحالة، ستضطر هي الأخرى إلى تدبير الحصول على نحو 600 إلى 800 ميغاواط، التي تتوصل بها هي الأخرى من المغرب في إطار نفس “الاتفاق التبادلي”.

أما على مستوى الغاز، فإن الحاجة التي يُشبِعها المغرب من الغاز القادم من إسبانيا، عبر البابلاين أو “أنبوب الغاز المغاربي”، الذي أوقفت الجزائر العمل به من جانب واحد، والذي أصبح المغرب يستخدمه في الاتجاه المعاكس، أقول إن حجم ما يستورده المغرب عبر ذلك البابلاين لا يتعدى بدوره أضعف النسب بالقياس إلى مجموع احتياجاته، لأن الاقتصاد والطاقة في بلادنا تعتمد في نصيبها الأعظم على الفحم الحجري، والطاقات المتجددة، التي أصبح المغرب في مجال إنتاجها واستثمارها رائداً إفريقياً ومغاربياً وعربياً، وحتى متوسطياً، سواء من خلال الطاقة الريحية أو الشمسية أو الخضراء… ومن ثَمّ فإن قطع إسبانيا إمدادات الغاز الواردة من خزاناتها لن يؤثر هو الآخر إلا بنسبة طفيفة وغير ذات أهمية، علما بأن بلادنا اتجهت مؤخرا، ومنذ توقيف الجزائر العمل بالأنبوب المغاربي، نحو إنشاء خزانات عملاقة لتوريد الغاز بما يكفي لاحتياجاتها الراهنة والمستقبلية، فضلا عن استطاعتها الحصول بكل سهولة على ما يعادل النسبة الضئيلة القادمة إليه من إسبانيا من ممونين آخرين كُثْرٍ، في وسعهم أن يملأوا خزاناته عن آخرها…

هذا، فضلا كذلك، عن قرب استكمال محطة التحويل التي تم إنشاؤها بالجهة الشرقية، لمعالجة الغاز السائل وتحويله إلى حالته الغازية طبقاً للاحتياجات القائمة.

معنى هذا كله، أن الحركة البهلوانية التي صارت إسبانيا تمارسها عبر المواقع، في تَشَبُّه غريب بالجارة الشرقية الشمطاء، لم يكن لها علينا أي أثر يُذكر ، اللهم إلاّ من حيث كونُها رسالةً خرجت من هناك في الشمال من المتوسط، ووصلت إلينا هنا في الجنوب منه، فقدّمت لنا بذلك خدمة جليلةً، لأنها جعلتنا نفكر أكثر، ونعمل أكثر، من أجل تحقيق اكتفاء ذاتي في المجال الطاقي في أقرب الآجال، يٌعفينا من الاعتماد على ذلك الجار، الذي أصبح بدوره غير مأمون الجانب، ما دام مسؤولوه مستعدين، في ظل صراعاتهم الحزبية، للمغامرة بالعلاقة بين بلدينا، ولماذا؟ لمجرد تسجيل إصابات “سياسوية” و”انتخابوية” في شِباك بعضهم البعض، وفوق خريطة الصراعات الحزبية الدائرة رحاها فيما بينهم، وذلك بين كل استحقاق انتخابي إسباني وآخر.

إن على جيراننا وأصدقائنا الإيبيريين أن يعلموا، ويضعوا ذلك حلقةً في آذانهم، بأن المغرب يستحيل أن يستجيب للإملاءات أو التهديدات، المماثلة لهذا الذي نحن بصدده، حتى تلك التي أطلقتها قبل أسابيع قليلة وزيرة الدفاع “مارغاريتا روبليس” عقب أحداث سبتة المحتلة… وأن ما في جعبة المغرب من الإجراءات السياسية والدبلوماسية، والأمنية الاستخباراتية، وحتى العسكرية، ما من شأنه أن يطرد النوم من عيون الإسبانيين كافة… والعبرة بالواقع لا ببهلوانيات المواقع… وعجبي !!!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى