الوساطة العقارية بالمغرب: بين الفراغ القانوني وثورة السجل الوطني…
بين الفراغ النسبي والإصلاح المرتقب: الواقع المغربي للوساطة العقارية

الوساطة العقارية بالمغرب: بين الفراغ القانوني وثورة السجل الوطني…
بين الفراغ النسبي والإصلاح المرتقب: الواقع المغربي للوساطة العقارية
بقلم حميد فوزي
لم يعد النقاش حول الوساطة العقارية بالمغرب نقاشًا مهنيًا بسيطًا مرتبطًا بتسهيل المعاملات أو تقريب وجهات النظر بين البائع والمشتري، بل أصبح نقاشًا قانونيًا مركزيًا يمسّ الأمن التعاقدي وحماية الملكية العقارية ومحاربة ظواهر النصب والاستيلاء على أملاك الغير، وذلك في ظلّ واقع قانوني يتسم بالفراغ النسبي من جهة، وإصلاحات تنظيمية مرتقبة من جهة ثانية تُعدّ مفصلية في تاريخ القطاع.
🖊️الإطار القانوني: تشتت النصوص وغياب القانون الخاص
يشتغل قطاع الوساطة العقارية في المغرب ضمن إطار قانوني مركّب يغيب فيه إلى حدود الساعة قانون خاص مستقل ينظّم المهنة بشكل شامل، ما يجعل نشاط الوسيط خاضعًا لقواعد عامة متفرّقة بين مدونة الحقوق العينية وقانون الالتزامات والعقود وقانون التحفيظ العقاري، بالإضافة إلى نصوص التعمير والتجزئات العقارية. ويُكيَّف عقد الوساطة العقارية في المغرب باعتباره عقد سمسرة يخضع للفصلين 62 و63 من ظهير الالتزامات والعقود، حيث لا يستحق الوسيط أجره إلا إذا تحققت النتيجة التي توسط من أجلها، أي إبرام العقد بفعل مباشر من وساطته.
ويُفرّق في الممارسة العملية بين الوكيل العقاري الذي يمثّل مصلحة موكله بالكامل ويتصرف نيابة عنه في حدود الصلاحيات الممنوحة، والوسيط أو السمسار الذي يقتصر دوره على التقريب بين وجهات النظر بين البائع والمشتري مقابل عمولة دون أن يكون طرفًا أصيلًا في العقد النهائي. وتتراوح عمولة الوسيط العقاري عادة بين 2% و2.5% من قيمة الصفقة، وقد تزيد أو تنقص حسب طبيعة العقار وصعوبة الإجراء، على أن يتفق الطرفان على النسبة قبل إتمام الصفقة.

🖊️المرسوم 2.23.101: ثورة رقمية في توثيق الوكالات
في خطوة مفصلية لتعزيز الأمن العقاري ومحاربة ظواهر النصب والاستيلاء على أملاك الغير، صدر مرسوم رقم 2.23.101 بتاريخ 22 أكتوبر 2024 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7352 بتاريخ 14 نوفمبر 2024، يحدد كيفيات تنظيم ومسك سجل الوكالات المتعلقة بالحقوق العينية والسجل الوطني الإلكتروني للوكالات، وذلك في إطار تفعيل مقتضيات القانون رقم 31.18 المعدل والمتمم لظهير الالتزامات والعقود. ودخلت مقتضيات هذا المرسوم حيز التنفيذ ابتداءً من 1 يونيو 2026، بعد انقضاء مهلة ستة أشهر من نشر القرار الوزاري 381.25 المحدد للنماذج التطبيقية، حيث أصبحت المحاكم الابتدائية تتلقى طلبات التقييد بالسجل الجديد وأصبح تسجيل الوكالة شرطًا أساسيًا للاعتداد بها في أي معاملة عقارية.
ويرتكز المرسوم على مستويين متكاملين، أولهما سجل محلي تمسكه كتابة الضبط لدى المحاكم الابتدائية يُقيَّد فيه كل تقييد أو تعديل أو إلغاء، وثانيهما سجل وطني إلكتروني يجمع المعطيات من جميع المحاكم ويؤمّنها ويضمن تتبعها مركزيًا، ما يجعل من المستحيل إخفاء وكالة أو التلاعب بها في جهة معينة.
كما يتيح النظام لمختلف المتدخلين في السلسلة العقارية من موثقين وعدول ومحامين ومحافظين عقاريين وقضاة وبنوك من إمكانية التحقق الفوري من وضعية الوكالة سواء كانت سارية أو معدّلة أو ملغاة، ومن نطاقها القانوني والصلاحيات الممنوحة للوكيل بالضبط، ومن تاريخ الإنشاء والانتهاء وما إذا كانت الوكالة ما زالت ضمن المدة القانونية.
🖊️العقوبات الزجرية: من الغرامات إلى الجنايات
لم يكتفِ المشرّع المغربي بالجانب التنظيمي، بل شدد العقوبات على المتلاعبين بالوكالات العقارية، حيث يُجرّم القانون التلاعب بالوكالات العقارية عبر نصوص متعددة تتراوح بين البطلان المدني للعقد والغرامات المالية والعقوبات السجنية وصولًا إلى الجنايات في حالات التزوير والاستيلاء على أملاك الغير.
ويُعدّ تزوير الوكالة العقارية سواء كانت محرّرة من طرف عدول أو موثقين أو موظفي التوثيق بالقنصليات جناية تُعاقَب عليها الفصول 352 و353 من القانون الجنائي بعد تعديلها بالقانون 33.18، بالسجن من سنتين إلى 10 سنوات وغرامة من 100 ألف إلى 200 ألف درهم، مع إلغاء صفة الجنحة في تزوير العقود والوكالات العقارية وجعل كل فعل تزوير في هذا المجال جناية تُحاكم أمام غرفة الجنايات.
أما مزاولة مهنة الوكيل العقاري بدون بطاقة مهنية سارية المفعول، فتُعدّ مخالفة قانونية تُعاقَب عليها النصوص التنظيمية بغرامات مالية قد تصل إلى مبالغ كبيرة وإغلاق الوكالة ومصادرة المعدات ومتابعات جنائية في حالات الغش أو النصب أو غسل الأموال. ورغم عدم وجود عقوبة مباشرة على الزبون لمجرد تعامله مع وكيل غير مرخّص، إلا أن العقود المبرمة بواسطة وكيل بدون بطاقة مهنية قد تُعتبر باطلة أو قابلة للإبطال، ما يعرّض الزبون لخسارة مالية تشمل التسبيقات والعمولات ومصاريف التوثيق، ناهيك عن صعوبة المطالبة بالتعويض في حال وقوع غش أو ضرر.
🖊️التكوين المستمر: ورش مفتوح وآفاق واعدة
بالموازاة مع التنظيم القانوني، يشهد مجال التكوين المهني في الوساطة والوكالة العقارية بالمغرب دينامية إصلاحية تجمع بين الرفع من الجودة وتيسير الولوج، حيث يُقدَّم التكوين المهني في هذا المجال عبر مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل ومؤسسات تكوينية خاصة معتمدة، ويغطي عدة مستويات وشعب تتناسب مع أهداف المهنة من وساطة وإدارة أملاك وتسويق عقاري.
وتعمل الجمعيات المهنية مثل الجمعية الجهوية المهنية للوكلاء العقاريين على تطوير عرضها التكويني المستمر انسجامًا مع مستجدات القانون 17-36 والسجل الوطني الإلكتروني للوكالات، عبر دورات تكوينية رقمية حول استخدام السجل الوطني ومنصات الإعلان العقاري والتسويق الرقمي، وتكوينات قانونية في الجباية العقارية وقانون التحفيظ ومكافحة غسل الأموال وأخلاقيات المهنة.
وقد يُصبح التكوين المستمر في المستقبل القريب إلزاميًا لتجديد البطاقة المهنية، على غرار ما هو معمول به في بعض المهن المنظمة كالمحاماة والتوثيق، حيث يمكن للسجل الوطني أن يُدمج وحدة وظيفية تسمح بتسجيل الدورات التكوينية المنجزة من طرف كل وكيل عقاري وإصدار شهادات رقمية معتمدة تُربط تلقائيًا بملف الوكيل في السجل، مع لوحة مؤشرات آنية تُظهر رصيد الساعات التكوينية لكل وكيل ما يسهّل مراقبة الامتثال لمتطلبات التكوين المستمر.
🖊️دور القضاء: الحارس النهائي للشرعية
ويلعب القضاء دور الحارس النهائي لشرعية عقود الوساطة العقارية، حيث يُعلن بطلان العقود المبرمة عبر وسطاء غير مرخّصين ويمنع هؤلاء من المطالبة بأي أجر أو تعويض حتى لو أثبتوا جهدهم في تقريب الأطراف، ويأمر بإعادة الأطراف إلى الحالة السابقة مع استحقاق تعويضات للمتضررين على أساس المسؤولية التقصيرية. ويترتب على الحكم القضائي ببطلان عقد الوساطة غير المرخصة زوال الآثار القانونية للعقد الذي يُعتبر كأن لم يكن، ومنع الوسيط غير المرخّص من المطالبة بأجر أو تعويض، وإعادة الأطراف إلى الحالة السابقة عبر ردّ كل طرف ما استلمه من الطرف الآخر، والتعويضات المالية على أساس المسؤولية التقصيرية عن الأضرار التي لحقت بالمتضررين من مصروفات التوثيق وخسارة الفرصة وغيرها.
إنّ المسار الذي يقطعه المغرب في تنظيم قطاع الوساطة العقارية يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذا القطاع في تحقيق الأمن التعاقدي وحماية الملكية ومحاربة الظواهر المشبوهة، غير أن النموذج المغربي لا يزال في مرحلة انتقالية بين الممارسة السوقية الواسعة والتحديث التنظيمي المرتقب. ومع دخول السجل الوطني الإلكتروني للوكالات حيز التنفيذ، وتفعيل آليات التأطير القانوني والعقوبات الزجرية، يُرتقب أن يشهد القطاع قفزة نوعية في الشفافية والاحترافية، شريطة مواكبة ذلك بتكوين مستمر إلزامي ورقابة قضائية صارمة، ما يعزّز ثقة المتعاملين ويصون الحقوق في سوق عقاري منظم وآمن.



