كتاب البديل

المغرب والاتحاد الأوروبي: من أين وإلى أين؟ (ثلاثون سنة من الشراكة.. وماذا بعد؟)

المغرب والاتحاد الأوروبي: من أين وإلى أين؟
(ثلاثون سنة من الشراكة.. وماذا بعد؟)

الإطار التاريخي والقانوني:
تأسست العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي على أساس اتفاقية الشراكة والتعاون الموقعة سنة 1996، أي بعد ثلاث سنوات فقط من تأسيس الاتحاد، والتي دخلت حيز التنفيذ بعد أربع سنوات على توقيعها (2000)، باعتبارها إطاراً عاماً لإقامة وتنظيم وترسيخ الشراكة والتعاون بين الطرفين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذا الأمنية.

في سنة 2008، أي بعد خطتين رباعيتين للشراكة والتعاون، منح الاتحاد الأوروبي المغربَ “وضعاً متقدماً”، لتشكل هذه الصفة أعلى مستوى من الشراكة خارج إطار العضوية الفعلية، وتهدف إلى تقريب التشريعات المغربية من المعايير المعمول بها في الاتحاد، كما ترمي إلى وضع خطة عمل رباعية مشتركة، تتجدد كل 4 سنوات، لتحديد أولويات الشراكة والتعاون بصورة مستديمة.

المحور الاقتصادي والتجاري:
يعتبَر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للمغرب، حيث يستحوذ على ما يزيد عن 60% من حجم المبادلات الخارجية، ويشمل التعاونُ الاقتصاديُّ اتفاقياتٍ في قطاعات حيوية مثل الفلاحة، والصيد البحري، والتي عرفت نقاشات قانونية بسبب شمولها لمنطقة الصحراء المغربية. وقد أخذت هذه المسألة، بالذات، ما يكفي من الوقت لجعل الاتحاد الأوروبي يقتنع بمشروعية الموقف المغربي، وبالتالي، يركن جانباً محاولات التشويش التي دأب عليها خصوم وحدتنا الترابية.

ويمثل الاستثمار الأوروبي المباشر رافعة أساسية للاقتصاد الوطني المغربي، خاصة في قطاعات السيارات، والطيران، والطاقات المتجددة. وقد انضافت إلى مجالات التعاون المذكورة، خلال السنوات الأخيرة، ميادين أخرى كالانتقال الطاقي، حيث أصبح المغرب شريكا مهماً لأوروبا في تصدير الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر.

المحور السياسي والأمني:
تلعب العلاقات السياسية بين الجانبين دوراً محورياً، وخاصة على صعيد ملفَّيْن وازنيْن، يتعلقان على التوالي بالهجرة، وبمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة. ويعتبر المغرب، من هذا الجانب بالذات، شريكاً استراتيجياً للاتحاد الأوروبي في تدبير الحدود الجنوبية لهذا الأخير، من خلال التعاون الأمني والمخابراتي، الوثائقي والسيبراني، وتبادل المعلومات والمعطيات.

تزامناً مع هذا التطور في العلاقات، عرف موقف الاتحاد الأوروبي من قضية الصحراء المغربية تطورا مهمّاً، تمثَّل في تكريس دعمه لمشروع الحكم الذاتي، باعتبار هذا المشروع حلاًّ واقعياً، الشيء الذي لم يلبث أن انعكس إيجاباً على عمق الشراكة السياسية بين الطرفين.

المحور الاجتماعي والثقافي:
لا تقتصر العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت إلى البعد الإنساني والثقافي، حيث يستفيد آلاف الطلبة المغاربة سنويا من برامج التبادل الجامعي، مثل منهاج “Erasmus”، الداعم للشراكة والتعاون بين المؤسسات الجامعية، كما تشكل الجالية المغربية المقيمة بأوروبا جسرا وازناً للتواصل، زيادةً على مساهمات الجالية المغربية في إنعاش الاقتصاد الوطني عن طريق التحويلات المالية، فضلا عن الدعم المتواصل للعلاقات الثقافية بين الطرفين… ويعمل الطرفان في السياق ذاته على تفعيل جملة من البرامج المشتركة في مجال حقوق الإنسان، وتكريس المساواة بين الجنسين، ودعم المجتمع المدني بمختلف مؤسساته.

التحديات والآفاق المستقبلية:
رغم متانة هذه العلاقات، فإن الشراكة المغربية الأوروبية لا تزال تواجه مجموعة من التحديات، من أبرزها، تقلبات الملفات القانونية أمام محكمة العدل الأوروبية (ملف توريد المنتجات الزراعية والبحرية المغربية الصادرة عن أقاليمنا الجنوبية إلى الأسواق الأوروبية نموذجاً) ومسألة الهجرة، التي تبقى ورقة ضغط متبادلة بين الطرفين.

لكن، وبالمقابل، تبقى هناك آفاق شاسعة منفتحة أمام المغرب والاتحاد الأوروبي، وخاصة من خلال مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق ALECA، وبرنامج الربط الكهربائي والغازي بين الضفتين، فضلا عن الطموح المتنامي للمغرب في أن يكون “البوابة الأساسية” للاتحاد الأوروبي نحو إفريقيا، في الوقت الذي ترى فيه أوروبا أن المغرب يمكن أن يرسّخ مكانته وموقعه كشريك موثوق لتحقيق الأمن الأوروبي الطاقي والغذائي.

نهايتُه… إن العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي يتضح الآن أنها تجاوزت منطق “الشراكة التقليدية”، لتتحوّل إلى “شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد”. فرغم ما يعتريها من تحديات قانونية وسياسية، فإن تراكم ثلاثين سنة من التعاون، وتقاطع المصالح في مجالات الأمن والطاقة والهجرة والتنمية، يجعل من هذه العلاقة نموذجاً فريداً للجوار المتقدم.

واليوم، وفي ظل عالم متغير، تتزاحم فيه أولويات الطاقة والأمن والغذاء، يقف الطرفان أمام منعطف جديد، حيث المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي لأوروبا، بل أصبح فاعلاً أساسياً في ضمان أمنها واستقرار جوارها، وبوابةً فريدةً ومتميزةً للعبور الآمن والمريح والمُربح نحو إفريقيا.

إن المستقبل لا ينبغي أن يُبنى على ما تحقق فحسب، بل ينبغي أن يتحوّل ماتم تحقيقه، على أرض “الواقع المغربي/الأوروبي المتجدد”، إلى أساس قادر على حمل طموحات الشراكة والتعاون المستقبليَّيْن. ومن هذا المنطلق، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التبعية إلى منطق التكامل الحقيقي، بما يجعل من هذه الشراكة فضاءً مشتركاً لصناعة الفرص، ويجعل من المتوسط جسرا للازدهار المشترك، ولحمل التحديات، بدلاً من أن يكون فقط، مسرحاً لمواجهة المناورات والتهديدات.
_____________

محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى