كتاب البديل

سبتة ومليلية والجزر من زاوية مختلفة: “صفة المدينة/الدولة” (قرصة أذن لمن يحصرون بدايات التاريخ المغربي في القرن 19).

محمد عزيز الوكيلي

السيدة “فرانسواز دومينيك باستيد”، وهي أرملة المرحوم “الحبيب كردودي”، سعت إلى إعادة وضع مسألة سبتة في سياق التاريخ الحقيقي والطويل للمغرب، مع الحرص على التذكير بحقيقة بديهية يحاول البعض في إسبانيا، اليوم، أن يطمسها، وهي “أن المغرب لم يولد أبداً في القرن التاسع عشر” كما يريد له الإسبان والأوروبين أن يكون.

إن عصر عبادة المظاهر، الذي سبق النشأة الحقيقية للتاريخ الحديث، شجع الكثيرين على احتقار التاريخ الطويل، وعلى تجنّب دراسته ما أمكن، حتى لا يخرجون بخلاصات عن قضايا المملكة الشريفة أكثر غِنىً وثراءً مما هي في عقولهم ومفاهيمهم المسطحة.

لقد أعدت لنا هذه المواطنة، مزدوجة الجنسية، أول خريطة ذهنية تاريخية عن سبتة ومليلية، من شأنها أن تتيح لنا، كما قالت، الفرصة لمعرفة تاريخنا الوطني بشكل أفضل.
هذا التاريخ الذي تخللته بشكل متكرر أحداث مرتبطة باستعادة المدينتين السليبتين، الواقعتين في أقصى الطرف الشمالي من التراب المغربي.

بيد أن من أبرز ما جاءت به السيدة كردودي، “فرانسواز دومينيك باستيد”، أن الإسبان، ومن ورائهم الأوروبيون عامة (شكون شهد عليك يا الذئب)، حاولوا بكل ما أوتوا من قوة، وخاصة في مجالات التاريخ والثقافة والأدب، أن يجعلوا التاريخ المغربي يبدأ في القرن التاسع عشر، تزامُناً مع بدايات “الرحلات السفارية” المغربية باتجاه بلدان أوروبا، وخاصة صوب فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، في محاولة يائسة لمسح صفحات عمّرت قبل ذلك لأكثر من ألف سنة. وكل ذلك، لجعل سبتة ومليلية والجزر خارج مدار التاريخ المغربي الحقيقي والمكتمل، والذي من بين محطاته الكبرى، على سبيل المثال لا الحصر، نشأة جامعة القرويين، التي هي فعلاً أقدم جامعة في العالم، ومغربية وأمازيغية سبتة ومليلية والجزر، فضلا عن صفحات تاريخ الأندلس المغربي، الذي عمّر وحده خارج دولة الأمويين بقرطبة لأزيد من قرن ونصف، حيث كانت سبتة بالفعل، في سنة 1100 للميلاد، مدينة مغربية إسلامية ذات أهمية قصوى، مندمجة في “الإمبراطورية المرابطية”، وكان المرابطون قد أخذوا المدينة سنة 1084م. في عهد يوسف بن تاشفين، وبالتالي فهي ليست إطلاقاً مدينة “إسبانية” أو “أجنبية” عن المغرب، بل كانت آنذاك جزءًا لا يتجزأ من المنظومة السياسية والبحرية للمغرب الأقصى.

لقد كانت سبتة بوابة بين ضفتَيْ مضيق جبل طارق، ولكن السلطة التي كانت تستعملها بتلك الصفة كانت حينئذ سلطة مغربية بكل المعايير.

وللتذكي، فابن يوسف بن تاشفين، وهو علي بن يوسف بن تاشفين، وُلد أصلاً في سبتة حوالي 1084-1085م. وهي كذلك مسقط رأس القاضي الكبير والشهير “عياض”، المولود بها سنة 1083م، وهو أحد أكبر علماء المالكية في عصره، وقد أصبح قاضياً عليها سنة 1121م. وهو القاضي الذي ورد ذكره في الخطبة وفي المراسيم الدينية التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس قبل أيام قليلة بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.

والظاهر أن الإسبان، والأوروبيين عامةً، ينسون أو يتناسون أن المغرب بالذات، كل شيء فيه له معنى، وكل حدث فيه له مرجعياته التي لا تخطئها إلا حدقات العُميان. فسبتة لم تكن يوماً مجرد حصن، بل كانت مدينة علم وتجارة ودين وبحر في تاريخ المغرب… أما مليلية فقد عانت أكثر من الاستئصال والتدمير.

حرصت السيدة كردودي أيضا على التذكير بفترة حكم الموحدين، الذين تسلموا مشعل السلطة والقيادة من المرابطين، فيما بين سنتَيْ 1147م و1212م، فلم يسيطروا على “المغرب” فحسب، بل بنوا إمبراطورية شاسعة شملت المغرب وجزءاً كبيراً من الأندلس. وبتحصيل الحاصل، دخلت سبتة في هذا التحول حوالي 1147م-1148م، وكانت المنطقة حينها مسرحاً للثورات ولتغيُّر مقاليد الولاء، بين المَدَّيْن المرابطي والموحدي، وكانت للمدينة آنئذٍ نخبة حضرية ودينية وتجارية قادرة على التفاوض والمقاومة، وأحياناً قادرة على اختيار حكومتها الخاصة.

وتشير منظمة اليونسكو، في إصدارها بعنوان: “التاريخ العام لإفريقيا”، إلى عدد من الثورات التي اندلعت في منطقة سبتة في بداية الحكم الموحدي، ومن بينها، المقاومة المالكية المرابطية، المرتبطة خصوصاً بالقاضي عياض.

في 1195م، عبر يعقوب المنصور الموحدي المضيق وحقق الانتصار الكبير في معركة الأرك ضد ألفونسو الثامن ملك قشتالة، وبذلك ظلت سبتة تنتمي إلى منظومة عسكرية مغربية تربط بين ضفتين المضيق مباشرة.

لم يكن المضيق في تلك الفترة يشكّل حدوداً بالمعنى الحديث للاصطلاح، بل كان طريقَ عبور تعبره الجيوش في اتجاه، ويجتازه التجار في الاتجاهين معاً، وكذلك العلماء واللاجئون والبضائع والأفكار والمعارف والتقنيات.

وللتذكير أيضاً، فإن الحدود عند المسلمين، وخاصة حدود الأراضي الصحراوية حيث لا يظهر الماء إلا نادراً، كان التنقل عبرها مؤمَّنا ومتاحاً للجميع، بحيث كانت تلك الأراضي بمثابة مناطق حرة للقاء والتبادل والتشارك. فقد كانت الحدود عند المغاربة المسلمين في تلك العهود هي ما “يَجمع ويُقرّب”، بينما كانت عند الغربيين منحصرةً فيما “يَفْصِل ويُفَرّق” !!

وفي سنة 1212م، اندلع ما سماه الصليبيون “معركة العقاب” (Las Navas de Tolosa)، فكان ذلك
منعطفا كبيرا، حيث عجلت هزيمة الموحدين بتفتت الحكم الإسلامي في الأندلس،
وأدى ذلك إلى تعدد الفاعلين، الذين تناوبوا على سبتة بين بني مرين، وبنو نصر، وقشتالة، وأراغون، والبرتغاليون، والسلطات المحلية…

وهكذا توقف المغرب والأندلس تدريجياً عن الاتحاد تحت حكم إمبراطوري واحد، فدخلت سبتة فترة يمكن وصفها ب”الدولة/المدينة”، المثيرة للمطامع، والمسيلة للعاب المتربصين من كل الجهات. وهكذا، وفيما بين سنتَيْ 1230م–1250م، تحولت سبتة إلى رهان سياسي مستقل، وتداولت على المدينة عدة أيدي على النحو التالي:
– 1232م: احتلال مؤقت من طرف طائفة مُرسية؛
– 1233م: الاستقلال؛
– 1236م: استيلاء المرينيين؛
– 1242م: تدخل الحفصيين؛
– 1249م: استيلاء بني العزفي على الحكم، وهي الأسرة المحلية الأكبر والأقوى آنذاك.

لقد كانت سبتة في تلك الحقب مدينة بارزة يلعب فيها التجار والفقهاء دورا أساسياً، وكان وضعها القانوني أشبه ما يكون ب”مدينة تجارية مستقلة”، ولكنها في الوقت ذاته كانت محشورة بين عدة قوى في آن واحد، كما كان ثقلها التجاري وازن وبالغ الأهمية، وخاصة لدى الجنوبيين الإسبان، الذين حافظوا على حضورهم في أسواقها طوال القرن الثالث عشر. ومنذ ذلك الحين أصبحت سبتة رهاناً جيوسياسياً وتجارياً تتكالب عليه الأيدي من كل صوبٍ وحدَب. ومع تراجع قوى المرينيين الذين أخذوها ثم أضاعوها ثم استرجعوها مرارا وتكرارا، شهد العالم تغيّرات جذرية، ازداد معها المرينيون ضعفاً، مع تنامي النفوذ القشتالي، ودخول البرتغال كدولة استعمارية عريقة إلى المنطقة، لتصبح سبتة عندئذ فريسة لقوة مسيحية ليست قشتالة، ولا غيرها من الممالك الإسبانية، بل فريسة في يد البرتغال، التي استولت عليها في21 غشت 1415م، والبقية نعلمها جميعا، وقد تطرقتُ إليها في مقالين سابقين.

كانت هذه أبرز الإشارات التاريخية التي استنهضَتْها السيدة كردودي، حاولتُ هنا اتخزالها بقدر الإمكان، ليس لمجرد استعراضها تاريخياً، وإنما لأقرص بها آذان المثقفين والسياسيين الإسبان والأوروبيين، الذين يحلو لهم أن يُقيّدوا بدايات التاريخ المغربي عامةً، وتاريخ سبتة ومليلية خاصةً، بفترات انتعاش العلاقات السِّفارية المغربية الإسبانية والأوروبية في القرن التاسع عشر، وشتان ما بين ذلك التاريخ الاستعماري المفبرَك من جهة، وتاريخ المغرب والأندلس المغربي، وسبتة ومليلية والجزر المغربية الأصيلة من جهة ثانية، لمن يشاء أن يَعقِل ويعتَبِر… ومرة أخرى، عجبي !!!
_______________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى