كتاب البديل

حين غنت السجينات حكاياتهن… أسرار ودموع وأمل خلف قضبان عكاشة ….بقلمي وواقعي :عافية صابر.. الجزء الأول

حين غنت السجينات حكاياتهن… أسرار ودموع وأمل خلف قضبان عكاشة ….بقلمي وواقعي :عافية صابر

بقلم : عافية صابر 

الجزء الأول

 

حكايات من مركز تهذيب وإعادة الإدماج عكاشة بعين السبع
لم أكن أتخيل، حين دخلت مركز تهذيب وإعادة الإدماج عكاشة بعين السبع، أنني سأغادره وأنا أحمل في ذاكرتي عشرات الوجوه، ومئات الحكايات، وأصواتًا نسائية ما زالت، رغم مرور الوقت، تعود إليّ كلما جلست وحدي أفكر في تلك المرحلة.
كنت معتقلة مثل الأخريات.
لكنني، منذ الأيام الأولى، شعرت أنني لا أريد أن أترك الوقت يقتلني ببطء.
في السجن، للوقت طعم مختلف.
الدقائق طويلة، والليل أطول، والأيام تتشابه حتى يكاد الإنسان ينسى أي يوم هو.
في البداية كانت بعض السجينات يقضين ساعاتهن في الكلام المرتفع، والمشاغبة، والمشاحنات الصغيرة التي تبدأ بكلمة وتنتهي أحيانًا بخلاف كبير.
كنت أراقبهن وأقول في نفسي:
“ماذا لو استطعنا أن نملأ هذا الفراغ بشيء آخر؟”
شيء يجعل المرأة تنسى، ولو لساعات، أنها خلف الأبواب المغلقة.
وفي إحدى الأمسيات، جلست مع مجموعة منهن وبدأت أحكي.
لم أكن قد حضرت قصة.
قلت لهن:
— “سأحكي لكم حكاية امرأة…”
سكتن.
واحدة كانت تسرح شعرها توقفت.
وأخرى كانت تتحدث مع زميلتها اقتربت.
وثالثة قالت:
— “كملي…”

وهكذا بدأت الحكاية.

لم أكن أعرف يومها أن تلك الجلسة الصغيرة ستصبح عادة.
كل مساء تقريبًا، كانت السجينات يجتمعن حولي.
كنت أحكي لهن عن امرأة فقدت كل شيء ثم بدأت من جديد، وعن طفلة كبرت وهي تحمل سرًا في قلبها، وعن أم فرقتها الأيام عن أبنائها، وعن امرأة أخطأت ثم دفعت ثمن خطئها سنوات طويلة.
وأحيانًا كنت أكتب الشعر.
أكتب بيتًا، ثم بيتًا، ثم أقرأه لهن.
كانت إحداهن تقول:
— “عافية، هذا البيت كأنه يحكي عني.”
فأجيبها:
— “إذن احكي لي قصتك.”
وهكذا أصبحت السجينات هن أيضًا مصدر الحكايات.
كانت كل واحدة تحمل رواية كاملة داخل صدرها.

ماما كلام

ومن أكثر النساء اللواتي بقي اسمهن محفورًا في ذاكرتي امرأة كانوا ينادونها:
ماما كلام.
كان الاسم وحده يثير الفضول.
لكنني عندما عرفتها، اكتشفت امرأة مختلفة تمامًا عن الصورة التي قد يرسمها الإنسان في ذهنه عندما يسمع عن سجينة محكومة في قضية قتل.
كانت هادئة.
طيبة في تعاملها.
وكان في عينيها شيء لا يمكن وصفه بسهولة.
شيء يشبه التعب الذي تراكم فوق سنوات طويلة.
مع الوقت عرفت قصتها.
كانت قد تعرضت، حسب روايتها، لاعتداء جنسي بشع، وتحولت حياتها إلى جرح مفتوح.
وفي لحظة مأساوية، أقدمت على قتل الرجل الذي اتهمته باغتصابها.
لا أقول إن الجريمة تصبح مقبولة لأنها جاءت بعد مأساة.
القانون له كلمته، والجريمة لها مسؤوليتها.
لكنني كنت أؤمن دائمًا أن الإنسان لا يجب أن يختصر في الجريمة التي ارتكبها.
ماما كلام كانت أكثر من ملف قضائي.
كانت امرأة.
كانت أمًا.
كانت روحًا أنهكتها السنوات.
كانت قد قضت نحو ثلاثة عشر عامًا خلف القضبان، بعدما صدر في حقها حكم قاسٍ، ثم أصبح وضعها القانوني يسمح بالأمل في الإفراج عنها بالعفو.
وذات يوم قالت لي:
— “عافية، واش ممكن شي نهار نخرج من هنا؟”
نظرت إليها ولم أعرف ماذا أقول.
لكنني قلت:
— “الأمل ما خاصوش يموت.”

ومنذ ذلك اليوم بدأت أفكر كيف يمكن أن أساعدها.
كتبت لها طلبًا للعفو.
لم أتعامل معه كقطعة ورق.
كنت أشعر أنني أكتب رسالة امرأة إلى الحياة.
كتبت قصتها، ومعاناتها، وسنواتها الطويلة، وتغيرها، ورغبتها في أن تمنح فرصة أخرى.
لم أكن أعرف ماذا سيحدث.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
يجب أن نحاول.
ومرت الأيام.
ثم جاء الخبر.
لقد استفادت ماما كلام من العفو بعد سنوات طويلة من السجن.
أتذكر فرحتها.
لم تكن فرحة عادية.
كانت كأن بابًا كان مغلقًا منذ ثلاثة عشر عامًا قد فتح فجأة.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت قصتها عالقة في ذاكرتي.
وحتى بعد خروجها، لم أنسها.
كنت أساعدها ماديًا كلما استطعت.
لأنني كنت أؤمن أن مساعدة الإنسان على الوقوف من جديد لا تعني تبرير ما فعل، بل تعني الإيمان بأن الحياة لا ينبغي أن تتوقف عند أسوأ لحظة مر بها.

أغنية ماما كلام

وذات مساء قلت للسجينات:
— “اليوم لن أحكي لكم قصة، اليوم سنصنع أغنية.”
ضحكن.
قلت:
— “كل واحدة تعطيني كلمة.”
قالت واحدة:
— “الحرية.”
وقالت أخرى:
— “الأم.”
وثالثة:
— “الليل.”
وقالت ماما كلام بصوت منخفض:
— “الأمل.”
كتبت الكلمات أمامهن.
ثم بدأت أربط بينها.
تحولت القصة إلى كلمات.
والكلمات إلى مقاطع.
والمقاطع إلى أغنية.
وبدأن يغنين.
كانت ماما كلام تجلس بينهن وتستمع.
وحين وصلنا إلى مقطع يتحدث عن امرأة تنتظر الصباح، رأيت عينيها تلمعان.
قلت لها:
— “هذه الأغنية ديالك.”
قالت:
— “لا، ديالنا كاملين.”
وكانت على حق.
لأن السجن، رغم قسوته، كان يجمع نساء مختلفات في مكان واحد، وكل واحدة كانت تحمل أمنية بسيطة:
أن يأتي يوم وتفتح فيه الأبواب.

المرأة الأخرى

كانت هناك سجينة أخرى سأطلق عليها في هذه الحكاية اسم زهرة.
كانت تقضي عقوبة طويلة بسبب حادث مأساوي انتهى بمقتل شخص، لكنها كانت تؤكد دائمًا أن الأمر لم يكن مخططًا له.
كانت تقول:
— “ما دخلتش للسجن وأنا باغية نقتل شي واحد.”
وكانت تعيد القصة عشرات المرات.
ليس لأنها تريد تبرير نفسها، وإنما لأنها كانت عاجزة عن فهم كيف تحولت لحظة واحدة في حياتها إلى سنوات كاملة خلف القضبان.
كنت أقول لها:
— “أنت مطالبة بأن تتحملي مسؤولية ما وقع، ولكن لا تجعلي الخطأ يمحو كل ما فيك من خير.”
وكانت تلك الجملة تجعلها تصمت طويلًا.
وفي إحدى الليالي كتبت عنها قصة.
غيرت الاسم والتفاصيل.
وسميتها:
“اللحظة التي غيرت العمر.”
قرأت القصة على السجينات.
وبعد أن انتهيت، قالت زهرة:
— “حكيتي عليّ.”
قلت:
— “حكيت على بزاف ديال النساء.”
قالت:
— “ولكن أنا عرفتك.”
ضحكنا.
وكانت تلك الضحكة الصغيرة بالنسبة لي انتصارًا.
أمينة التي كانت تخاف من الامتحان
لم تكن كل قصصنا عن الجرائم.
بعضها كان عن الدراسة.
خلال فترة الامتحانات، كانت هناك سجينات يدرسن ويستعددن لاجتياز اختباراتهن.
كنت أجلس مع بعضهن وأراجع معهن الدروس.
واحدة كانت تقول:
— “ما غاديش نقدر نحفظ.”
وأقول لها:
— “غادي تقدري.”
— “ولكن عقلي ما بقاش كيدخل ليه والو.”
— “إذن نبدلو الطريقة.”
كنت أشرح، وأعيد، وأطرح الأسئلة، وأجعل الواحدة منهن تشرح لي الدرس وكأنها هي الأستاذة.
كنت أريد أن أجعلها تشعر أن السجن لم يستطع أن يسلبها عقلها.
وأن الباب الحديدي لا يمكن أن يغلق العلم.
كنت أقول لهن:
“خليو السجن ياخذ منكم الحرية المؤقتة، ولكن ما تخليوهش ياخذ منكم المستقبل.”

أمسيات الغناء

ومع الوقت أصبحت الأمسيات مختلفة.
مرة شعر.
مرة قصة.
مرة أغنية.
مرة مراجعة درس.
ومرة جلسة طويلة لا نفعل فيها شيئًا سوى الحديث.
كنت أدرب بعضهن على مجموعة من الأعمال الغنائية.
كنا نرددالكلمات.
نقسم الأصوات.
واحدة تبدأ.
الثانية تلحق بها.
ثم ترتفع أصواتهن معًا.
وكان المشهد غريبًا بالنسبة إليّ.
نساء جئن إلى المكان بأحزان مختلفة، يجتمعن الآن حول أغنية واحدة.
لم تكن أصواتهن دائمًا جميلة.
لكنها كانت صادقة.
وهذا أهم.

عيد المرأة خلف القضبان

وأكثر ما بقي في ذاكرتي أنني أمضيت عيد المرأة داخل السجن.
في الخارج، كانت النساء يحتفلن به بطرق مختلفة.
أما نحن، فكان لدينا جدار وباب وحراسة وذاكرة ثقيلة.
قلت لهن:
— “حتى حنا نساء، وعندنا الحق نفرحو.”
ضحكن.
قررنا أن نجعل اليوم مختلفًا.
تحدثنا عن المرأة.
عن الأم.
عن البنت.
عن المرأة التي تبدأ من الصفر.
عن المرأة التي تخسر ثم تقف.
عن المرأة التي أخطأت وتدفع الثمن.
وعن المرأة التي رغم كل شيء لا تزال تحلم.
ثم غنينا.
وكانت تلك الأمسية بالنسبة إليّ من أجمل أمسيات السجن.
لم يكن هناك احتفال كبير.
لم تكن هناك أضواء فاخرة.
لكن كان هناك شيء أهم:
روح تحاول أن تبتسم.
السجينة التي لم تكن تعرف كيف تكتب
كانت هناك أيضًا فتاة صغيرة نسبيًا، سأطلق عليها اسم سلمى.
كانت تقول لي:
— “أنا ما عنديش قصة.”
قلت لها:
— “كل إنسان عندو قصة.”
قالت:
— “أنا حياتي عادية.”
قلت:
— “الحياة العادية نفسها قصة.”
طلبت منها أن تحكي لي عن طفولتها.
بدأت تتحدث.
عن أمها.
عن بيتها.
عن أول مرة خرجت فيها من القرية.
عن خوفها.
عن حب قديم.
عن خطأ واحد.
ثم بدأت تبكي.
قلت لها:
— “كملي.”
وحين انتهت، قلت:
— “هادي قصة.”
قالت:
— “فين هي؟”
أجبت:
— “هي فيك.”
وفي اليوم التالي كتبت قصتها.
وعندما قرأتها عليها، بقيت صامتة.
ثم قالت:
— “أول مرة نحس أن حياتي عندها معنى.”
تلك الجملة بقيت معي.
السجن الذي تحول إلى مدرسة للحياة
مع مرور الوقت، بدأت أشعر أنني أعيش تجربة غريبة.
أنا داخل السجن، نعم.
لكنني لم أكن أريد أن أخرج منه وأنا أشعر أنني ضيعت كل شيء.
كنت أتعلم.
وأكتب.
وأحكي.
وأراجع الدروس.
وأدرب على الغناء.
وأستمع إلى النساء.
وأحاول أن أزرع شيئًا جميلًا في مكان لم يكن الجمال فيه سهلًا.
كنت أقول لنفسي:
“إذا لم أستطع تغيير الجدران، يمكنني أن أغير شيئًا في النفوس التي خلفها.”
ولست أدعي أنني غيرت الجميع.
لا.
السجن أكبر من أن تغيره امرأة واحدة.
لكنني أعرف أنني استطعت أن أجعل بعض الأمسيات أخف.
جعلت امرأة تضحك.
وأخرى تفتح كتابها.
وثالثة تتذكر أنها لا تزال قادرة على الغناء.
ورابعة تحكي قصتها لأول مرة دون خوف.
وماما كلام…
كانت حكايتها مختلفة.
لأنها لم تكن مجرد قصة رويتها في إحدى الأمسيات.
كانت امرأة خرجت من السجن، وتركت خلفها سؤالًا ظل يرافقني:
هل يمكن للإنسان أن يرتكب فعلًا فظيعًا، ثم يظل في داخله شيء يستحق الإنقاذ؟
أنا لا أملك جوابًا فلسفيًا قاطعًا.
لكن تجربتي جعلتني أؤمن بأن الإنسان أعقد من خطئه.
وأن العقوبة قد تنهي جزءًا من القصة، لكنها لا ينبغي أن تمنع الإنسان من كتابة فصل جديد.

آخر ليلة

لا أتذكر الآن كل تفاصيل آخر ليلة.
لكنني أتذكر الوجوه.
أتذكر الحلقة التي كن يجلسن فيها حولي.
أتذكر واحدة تقول:
— “عافية، حكيتينا اليوم؟”
وأخرى:
— “عندي قصة جديدة، غدا نحكيها ليك.”
وكأن الغد كان مضمونًا.
وكأننا لم نكن في السجن.
وهذا ربما كان أجمل ما فعلناه.
أن نصنع لأنفسنا “غدًا”، حتى داخل مكان لا يملك فيه الإنسان شيئًا سوى الانتظار.
خرجت من تلك التجربة، لكن بعض النساء لم يخرجن من ذاكرتي.
بعض الأسماء بقيت.
بعض القصص بقيت.
وبعض الأغاني ما زالت، في داخلي، تُغنى.
أما ماما كلام، فكلما تذكرتها، أتذكر أن خلف كل ملف قضائي وجهًا.
وخلف كل حكم سنوات من حياة إنسان.
وخلف كل سجينة قصة لا يعرفها الناس.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان، حين يعجز عن تغيير الماضي، هو أن يساعد شخصًا ما على أن يكتب مستقبله بطريقة مختلفة.
وهكذا، عندما أتذكر فترة اعتقالي في مركز تهذيب وإعادة الإدماج عكاشة بعين السبع، لا أتذكر فقط الأبواب المغلقة.
أتذكر أيضًا الأمسيات.
أتذكر الشعر.
أتذكر الأغاني.
أتذكر الكتب.
أتذكر النساء اللواتي كن يجلسن حولي.
وأتذكر أنني، في مكان كان يفترض أن يكون مليئًا بالعقوبة والانتظار، حاولت أن أصنع شيئًا آخر:
حاولت أن أصنع من الوقت الضائع وقتًا للحكاية، ومن الحكاية أملًا، ومن الأمل بداية جديدة.
بكل سرور. سأجعل الجزء الثاني أكثر قربًا من أجواء الحياة اليومية داخل عكاشة، وأكثر تشويقًا، مع شخصيات أدبية من نسج الرواية، دون نسب وقائع محددة إلى سجينة حقيقية إلا ما ذكرتِه أنتِ عن ماما كلام.

الجزء الثاني:

حين صار لكل وجه حكاية
لم تكن أصعب لحظات السجن بالنسبة إلي هي لحظة الدخول فقط.
أحيانًا كان الأصعب هو أن تستيقظ صباحًا وتكتشف أن يومًا جديدًا بدأ، بينما أنت لا تعرف متى سينتهي هذا الانتظار.
في الخار ج، كانت الأيام تركض.
أما داخل السجن، فكانت الأيام تمشي ببطء شديد.
كنت أراقب الوجوه من حولي.
كل وجه كان يحمل شيئًا.
وجه غاضب.
وجه خائف.
وجه ينتظر خبرًا.
وجه ينتظر زيارة.
وجه ينتظر حكمًا.
ووجه ينتظر فقط أن ينتهي اليوم.
لكنني كنت أرفض أن أترك الأيام تمر بهذه الطريقة.
بدأت أبحث عن طريقة تجعل المساء مختلفًا.
وكانت الحكاية هي الحل.
بعد العشاء، كانت بعض السجينات يقتربن مني.
واحدة تقول:
— “عافية، واش غادي تحكي لينا الليلة؟”
وأخرى تضحك:
— “اليوم الدور ديالي، عندي قصة.”
وأقول:
— “إذن اجلسي، ولكن بلا مقاطعة.”
فتبدأ الحلقة.
كنت أحيانًا أشعر أننا لسنا في السجن.
كنا نسافر بالكلمات.
مرة إلى قرية بعيدة.
ومرة إلى مدينة لا نعرفها.
ومرة إلى طفولة امرأة.
ومرة إلى حياة امرأة أخرى.
ليلى… المرأة التي كانت تضحك كثيرًا
كانت هناك امرأة سأسميها في هذه الرواية ليلى.
كانت تضحك كثيرًا.
لكنني اكتشفت مع الوقت أن بعض الناس يضحكون كثيرًا لأنهم لا يريدون أن يراهم الآخرون وهم يبكون.
كانت إذا بدأت إحدى السجينات في الحديث عن الحزن، تقول:
— “آش هاد النكد؟ خليونا نضحكو!”
ثم تضحك بصوت مرتفع.
وذات مساء، بعد أن انتهت الجلسة، بقيت إلى جانبي.
قالت:
— “عافية، أنا ماشي بحال ما كنبان.”
قلت:
— “حتى واحد ماشي بحال ما كيبان.”
سكتت قليلًا.
ثم بدأت تحكي.
عن أمها.
عن زواجها.
عن سنوات صعبة.
عن طفل تركته وراءها.
لم أقاطعها.
وعندما انتهت، قلت لها:
— “غدا نحكي قصتك.”
قالت:
— “ولكن ما تذكريش سميتي.”
قلت:
— “ما غاديش نذكرها.”
في اليوم التالي، كتبت قصة عن امرأة كانت تضحك حتى لا يكتشف أحد أنها مكسورة.
وحين قرأتها، لم تضحك ليلى.
قالت فقط:
— “دابا فهمت علاش كنت كنضحك.”
امرأتان… وحكايتان لا تشبهان بعضهما
كانت هناك امرأتان تقضيان عقوبات طويلة.
كل واحدة منهما جاءت إلى السجن من طريق مختلف.
إحداهما كانت متهمة في قضية انتهت بمقتل زوجها، وكانت تؤكد أن الأمر وقع في ظروف لم تكن تقصد فيها الوصول إلى تلك النهاية المأساوية.
والثانية كانت قصتها أيضًا مرتبطة بمقتل شخص، دون أن تكون، بحسب روايتها، قد خططت لذلك.
كنت أستمع إليهما كثيرًا.
ولم أكن قاضية.
لم أكن محامية في ملفهما.
كنت فقط امرأة تستمع إلى امرأتين وجدتا نفسيهما أمام سنوات طويلة من العقوبة.
كنت أقول لهما:
— “أنا ما غاديش نحكم عليكم، وما غاديش نبرر اللي وقع. ولكن نقدر نسمعكم.”
وهذا كان كافيًا أحيانًا.
لأن الإنسان حين يعيش سنوات وهو يسمع الحكم عليه، يصبح بحاجة إلى شخص يسمع قصته كاملة.
حوّلت قصصهن إلى أغنيات
في إحدى الليالي قلت:
— “علاش ما نديروش أغنية على كل قصة؟”
ضحكن.
قالت إحداهن:
— “واش حنا فالسجن ولا فستوديو؟”
قلت:
— “فين ما كان الإنسان، يقدر يغني.”
وبدأنا.

أخذت من قصة كل واحدة فكرة.

من الأولى أخذت الندم.
ومن الثانية أخذت الانتظار.
ومن ثالثة أخذت الحنين إلى الأبناء.
ومن رابعة أخذت الأمل.
ثم ربطت الكلمات ببعضها.
كانت الأغنية تبدأ حزينة.
ثم ترتفع تدريجيًا.
حتى تصل إلى كلمة واحدة:
الحرية.
كنت أطلب منهن أن يغنين معًا.
وفي البداية كانت الأصوات غير متناسقة.
لكن بعد أيام أصبحت هناك نغمة مشتركة.
صوت امرأة.
ثم صوت امرأتين.
ثم الجميع.
وكان المشهد مؤثرًا.
نساء لكل واحدة منهن ملف مختلف، وحكم مختلف، وماض مختلف…
لكنهن في تلك اللحظة كن يغنين الأغنية نفسها.
وماما كلام كانت تحفظ كلماتها
أما ماما كلام، فكانت من أكثرهن تفاعلًا مع هذه الأمسيات.
كنت أرى في وجهها شيئًا يتغير عندما نغني.
كانت سنوات السجن تظهر عليها.
لكنها كانت تحتفظ بشيء من الطيبة والهدوء.
وكانت تقول أحيانًا:
— “عافية، إلا خرجت من هنا، شنو غادي ندير؟”
كنت أجيبها:
— “غادي تبداي من جديد.”
فتقول:
— “واش بعد ثلاثة عشر عام نقدر؟”
وأقول:
— “إلا الإنسان بغا، يقدر يبدا حتى من بعد العمر كامل.”
كانت تنظر إلي وكأنها تريد تصديق كلامي.
ولم أكن أعرف وقتها أنني سأكون شاهدة على خروجها بالفعل.

عيد المرأة… خلف الأبواب المغلقة

حل عيد المرأة.
كان اليوم مختلفًا.
كنت أفكر:
كيف يمكن أن نحتفل بالمرأة ونحن في السجن؟
ثم قلت لنفسي:
المرأة لا تتوقف عن كونها امرأة لأنها خلف القضبان.
اقترحت أن نجعل اليوم خاصًا بنا.
رتبنا جلسة.
تحدثنا عن النساء.
عن الأمهات.
عن البنات.
عن الأخطاء.
عن الفرص الثانية.
ثم غنينا.
كانت إحدى السجينات تصفق.
وأخرى تحاول تقليد إيقاع الأغنية.
وثالثة تضحك.
ثم بدأت واحدة منهن ترقص قليلًا.
فضحك الجميع.
للحظات، نسينا أين نحن.
لم نكن نريد أكثر من ذلك.
مجرد لحظات إنسانية.
الدراسة أيضًا كانت لها مكان
وعندما جاءت فترة الامتحانات، تغيرت الأجواء.
كانت هناك سجينات يدرسن.
وأنا لم أكن أريد أن يكون السجن سببًا في ضياع مستقبلهن.
كنت أجلس معهن.
نراجع الدروس.
أطرح الأسئلة.
وأعيد الشرح.
كنت أقول:
— “ركزي معايا.”
فتقول:
— “عافية، مخي مسدود.”
وأجيب:
— “المخ ما كيتسدش، غير الخوف كيسدو.”
ثم نبدأ من جديد.
كنت أفرح عندما أرى واحدة منهن تفهم درسًا كان صعبًا عليها.
كنت أشعر أنني أنجزت شيئًا.
ربما لم أستطع فتح الباب الحديدي.
لكنني استطعت أن أفتح لها صفحة في كتاب.
وهذا بالنسبة إلي كان مهمًا.
السجن علمني أن لكل إنسان بابًا
مع الوقت، اكتشفت أن الناس في الخارج غالبًا ما يرون السجين من خلال التهمة فقط.
“قاتلة.”
“لصة.”
“مجرمة.”
“محكومة.”
لكنني داخل السجن رأيت شيئًا آخر.
رأيت أمًا تشتاق إلى طفلها.
ورأيت امرأة نادمة.
ورأيت أخرى غاضبة.
ورأيت امرأة تخفي خوفها بالضحك.
ورأيت امرأة تدرس.
ورأيت امرأة تغني.
ورأيت امرأة تنتظر رسالة.
ورأيت امرأة لا تريد سوى فرصة.
لم أكن أقول إنهن بريئات.
ولم أكن أقول إن الجرائم لا تستحق العقوبة.
لكنني تعلمت أن العقوبة شيء، والإنسان شيء آخر.
اليوم الذي كتبت فيه طلب العفو لماما كلام
أتذكر ذلك اليوم جيدًا.
جلست وبدأت أكتب.
لم أكتب فقط:
“ألتمس العفو.”
كنت أكتب حياة امرأة.
سنواتها.
مأساتها.
سلوكها.
ندمها.
وما بقي فيها من قدرة على أن تعيش حياة مختلفة.
كنت أعرف أن العفو ليس قرارًا بيدي.
وأن هناك جهات مختصة تملك القرار.
لكنني كنت أملك القلم.
وأحيانًا يكون القلم آخر شيء يستطيع الإنسان أن يقدمه لشخص فقد كل شيء.
كتبت.
راجعت.
أعدت الصياغة.
ثم أعطيتها الطلب.
كانت تمسك الورقة وكأنها تمسك مفتاحًا.
قالت:
— “الله يجعلها سبب.”
قلت:
— “الأسباب كثيرة، ولكن خاصنا نديرو اللي علينا.”
ثم جاء الخبر
بعد سنوات من تلك التجربة، ما زلت أتذكر خبر استفادة ماما كلام من العفو.
لم أشعر أنها خرجت وحدها.
شعرت أن جزءًا من تلك الأمسيات خرج معها.
خرجت معها الأغنية.
خرجت معها الكلمات.
خرجت معها تلك المرأة التي كانت تجلس ذات مساء وتسألني:
“واش نقدر نبدا من جديد؟”
نعم.
بدأت من جديد.
وعندما خرجت، لم تنته قصتها بالنسبة إلي.
بقيت على تواصل معها.
وبقيت أساعدها ماديًا كلما استطعت.
لأنني لم أكن أريد أن أساعدها فقط على الخروج من السجن.
كنت أريد أن أساعدها على ألا تعود إليه.
آخر أغنية
قبل أن تنتهي تلك المرحلة، جلست مع مجموعة من السجينات.
قلت لهن:
— “كل وحدة تعطيني كلمة كتتمناها.”
قالت الأولى:
— “أولادي.”
الثانية:
— “الحرية.”
الثالثة:
— “أمي.”
الرابعة:
— “البداية.”
ثم جاء دور ماما كلام.
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
— “الحياة.”
كتبت الكلمة.
الحياة.
وكانت هذه آخر كلمة في الأغنية.
غنيناها جميعًا.
كان الصوت يرتفع داخل المكان.
وأنا أستمع إليهن، شعرت بشيء غريب.
كنت معتقلة مثلهم.
لكنني في تلك اللحظة لم أشعر أنني سجينة.
شعرت أنني أملك شيئًا لا تستطيع القضبان مصادرته.
الكلمة.
كنت أملك القدرة على أن أحكي.
وأن أكتب.
وأن أسمع.
وأن أجعل امرأة تضحك.
وأن أجعل أخرى تفتح كتابها.
وأن أحول قصة مؤلمة إلى أغنية.
وربما لهذا السبب بقيت تلك الفترة عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.
لأنني لم أخرج من عكاشة بذكريات السجن فقط.
خرجت بوجوه.
بأسماء.
بقصص.
بأغان.
وبقناعة راسخة:
قد يُغلق السجن الباب على الجسد، لكنه لا يستطيع أن يغلق باب الحلم.
وفي مكان ظننت في البداية أنه سيبتلع أيامي، اكتشفت أنني استطعت أن أصنع لنفسي ولمن حولي شيئًا من الحياة.
كنت أعيش بين القضبان…
لكنني كنت أبحث كل مساء عن نافذة.
وكانت تلك النافذة اسمها:
الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى