قطب الأمن المغربي ينفي اختراق قواعده: بيانات «جبروت» قديمة ومصدرها شركات التأمين والتغطية الصحية
بلاغ رسمي يحذر من صور ووثائق مفبركة ويعلن استمرار التحقيق تحت إشراف النيابة العامة.. ومدريد تؤكد: لا دليل على تورط المغرب في أحداث سبتة ولا جهة ثبتت مسؤوليتها عن اختراقات «بيغاسوس»

قطب الأمن المغربي ينفي اختراق قواعده: بيانات «جبروت» قديمة ومصدرها شركات التأمين والتغطية الصحية
بلاغ رسمي يحذر من صور ووثائق مفبركة ويعلن استمرار التحقيق تحت إشراف النيابة العامة.. ومدريد تؤكد: لا دليل على تورط المغرب في أحداث سبتة ولا جهة ثبتت مسؤوليتها عن اختراقات «بيغاسوس»
بقلم : بوشعيب حمراوي
دخل ملف البيانات التي جرى تداولها خلال الأيام الأخيرة تحت اسم مجموعة «جبروت» مرحلة جديدة، بعد صدور أول موقف رسمي واضح ومفصل عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ينفي بشكل قاطع تعرض الأنظمة المعلوماتية أو قواعد البيانات الأمنية لأي عملية اختراق، ويحدد في المقابل مصدر البيانات الشخصية الحقيقية التي استُعملت ضمن المواد المتداولة، بالتزامن مع تصريحات رسمية إسبانية تنفي وجود أي دليل على وقوف المغرب وراء أحداث سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضيين.

وبذلك انتقلت القضية من مرحلة تداول قوائم ضخمة رافقتها ادعاءات بأنها تكشف عشرات الآلاف من «الجواسيس» و«المخبرين» المغاربة، إلى مرحلة أصبح فيها مصدر رسمي مغربي يقر بوجود بيانات شخصية قديمة متداولة، لكنه ينفي بصورة قاطعة أن تكون مستخرجة من قواعد الأجهزة الأمنية، ويحذر في الوقت نفسه من خلط تلك البيانات بصور ووثائق قال إنها مفبركة أو محرفة.
بلاغ قطب الأمن: لا اختراق للأنظمة الأمنية
نفى قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في بلاغ صدر الخميس 27 غشت، «بشكل قاطع» تسجيل أو حدوث أي اختراق لأنظمته المعلوماتية أو لقواعد بياناته الأمنية، مؤكدا أنها تخضع لأعلى معايير الأمن المعلوماتي. ونقلت وكالة المغرب العربي للأنباء مضمون البلاغ عبر وسائل إعلام وطنية رسمية.
وأوضح القطب أن البيانات الشخصية التي نُشرت مؤخرا «لم تكن بأي شكل من الأشكال نتيجة اختراق معلوماتي لنظم المعلومات الأمنية»، وإنما هي، بحسب البلاغ، بيانات قديمة جرى تحميلها من قواعد بيانات وأنظمة معلوماتية تشرف عليها شركات التأمين ومنظمات التغطية الصحية والاجتماعية.
وهذه المعلومة الرسمية تكتسي أهمية خاصة لأنها تجيب عن أحد أبرز الأسئلة التي رافقت الملف منذ ظهوره: هل تمكنت الجهة الناشرة فعلا من اختراق القلب المعلوماتي للأجهزة الأمنية المغربية، أم أنها أعادت تجميع بيانات موجودة في منظومات إدارية أخرى؟
الجواب الرسمي المغربي يحسم، من جهة قطب الأمن، بأن أنظمته وقواعده لم تُخترق.
صور مفبركة ورتب غير موجودة ووثائق بأخطاء واضحة
ولم يقتصر البلاغ على نفي الاختراق، بل حذر كذلك من تواتر نشر صور فوتوغرافية قال إنها مفبركة ويتم تقديمها باعتبارها صورا لموظفات وموظفين في المصالح الأمنية، ومن تداول مستندات ووثائق «مشوبة بالتحريف والتزوير» يتم تقديمها باعتبارها وثائق أمنية.
وأوضح البلاغ أن من المؤشرات التي تكشف زيف بعض هذه المواد استعمال أزياء نظامية ورتب عسكرية غير موجودة بالمغرب وغير معمول بها في جهاز الأمن الوطني، إضافة إلى هويات بصرية غير صحيحة وأخطاء لغوية وصفها البلاغ بالمفضوحة.
وهنا يصبح من الضروري التفريق بين مستويين داخل المادة المتداولة: بيانات شخصية قديمة يقول قطب الأمن إنها مأخوذة من قواعد خارج أنظمته، وبين صور ووثائق ينفي صحتها ويصفها بالمفبركة والمحرفة.
وهذا التفريق يمنع التعامل مع آلاف الصفوف والأسماء والصور والوثائق المتداولة على أنها كتلة واحدة متجانسة وموثوقة.
تحقيق قضائي مستمر لتحديد المتورطين
وأكد قطب الأمن كذلك أن الأبحاث والتحريات ستستمر تحت إشراف النيابة العامة المختصة من أجل ضبط وتوقيف المتورطين في إعداد وفبركة المحتويات الزائفة ونشرها للعموم.
وأضاف البلاغ معلومة تقنية مهمة، مفادها أن نظم المعطيات الأمنية المعنية لا تتصل أساسا بالشبكات المفتوحة على الإنترنت، وهو ما قدمه القطب ضمن تفنيده لادعاءات تعرض قواعده للاختراق.
وبذلك أصبح الملف، إضافة إلى بعده الإعلامي والسيبراني، موضوع أبحاث قضائية وأمنية رسمية داخل المغرب.
تحليل سابق سبق البلاغ إلى فرضية «إعادة تدوير البيانات»
الموقف الرسمي الصادر الخميس يتقاطع بصورة لافتة مع تحليل نشره موقع «ميديا24» يوم 25 غشت، أي قبل صدور البلاغ الرسمي بيومين.
فبعد فحص بنية الملفات وإجراء تقاطعات بينها، خلص الموقع إلى أن الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين تم تقديمهم باعتبارهم «جواسيس» تبدو في الواقع مرتبطة بموظفين في المديرية العامة للأمن الوطني، ورجح أن تكون أسماء وبيانات عدد منهم متاحة ضمن قواعد لهيئات الحماية الاجتماعية التي ينخرط فيها الموظفون العموميون.
ووصف الموقع العملية بكونها أقرب إلى إعادة تجميع وإعادة تغليف بيانات سبق أن تعرضت للتسريب ثم تقديمها باعتبارها قاعدة جديدة تم الحصول عليها نتيجة اختراق كبير.
كما أشار التحليل إلى ضرورة فحص التكرارات، وعدد السجلات الفريدة، وتجانس الحقول، وتواريخ إنشاء الملفات وتعديلها، ومدى تقاطعها مع قواعد بيانات سبق تسريبها، قبل اعتماد الرقم المتداول أو طبيعة الأشخاص الذين تضمهم القوائم.
وبصدور بلاغ قطب الأمن الذي يتحدث صراحة عن بيانات قديمة مصدرها شركات التأمين ومنظمات التغطية الصحية والاجتماعية، أصبحت فرضية إعادة تجميع بيانات قديمة أقوى من السابق، وإن كان تحديد سلسلة حصول الجهة الناشرة عليها تقنيا وقضائيا يبقى من اختصاص التحقيقات المختصة.
«70 ألف جاسوس».. توصيف لم يعد ممكنا اعتماده كحقيقة صحفية
منذ 24 غشت، انتشرت في وسائل إعلام وصفحات رقمية عبارة «تسريب لائحة 70 ألف جاسوس مغربي»، بينما لا تسمح المعطيات المتوفرة حاليا باعتماد هذا الوصف باعتباره حقيقة.
فالبلاغ الرسمي المغربي لا يقول إن عشرات الآلاف الواردة بياناتهم عناصر استخبارات، بل يربط البيانات المنشورة بقواعد لدى شركات تأمين وهيئات تغطية صحية واجتماعية.
كما أن تحليل «ميديا24» خلص إلى أن الغالبية التي فحصها تعود على الأرجح إلى موظفين بالشرطة، وهي صفة تختلف جذريا عن وصف «الجاسوس» أو «المخبر».
لذلك يبقى أكثر توصيف مهني ودقة هو الحديث عن ملفات تحتوي بيانات شخصية وإدارية جرى تقديم أصحابها من طرف الجهة الناشرة باعتبارهم عناصر أمن واستخبارات، إلى أن تتوفر أدلة مستقلة تثبت صفة كل فئة من الأشخاص الواردة بياناتهم.
رواية «جبروت» حول سبتة تتلقى ضربة من مدريد
بالتزامن مع الرد المغربي، جاء تطور سياسي مهم من إسبانيا.
فقد أكد وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان الإسباني فيليكس بولانيوس، الخميس 27 غشت، أمام اللجنة المشتركة للأمن القومي في البرلمان، أنه «لا يوجد أي دليل» على أن المغرب قاد أو شجع الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز.
وكرر الوزير العبارة أكثر من مرة، مطالبا قوى المعارضة بعدم إطلاق اتهامات وتكهنات بحق المغرب من دون أدلة، ومشددا على أهمية التعاون وحسن الجوار مع الرباط.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية مباشرة في ملف «جبروت»، لأن المجموعة ربطت حملتها الأخيرة بأحداث سبتة وهددت بنشر ما سمتها «أوامر مهمة» يفترض أنها تثبت علاقة عناصر أمنية مغربية بتلك الأحداث.
لكن إلى حدود مساء 27 غشت، لم تظهر ضمن المصادر الموثوقة التي تابعت القضية وثائق أصلية كاملة خضعت لتحقيق مستقل يثبت هذا الادعاء.
وفي المقابل، أصبح الموقف السياسي الرسمي المعلن من الحكومة الإسبانية واضحا: لا توجد لديها أدلة على أن المغرب قاد أو دفع باتجاه الأحداث.
شبكات التواصل في صلب التحقيق الإسباني
وقال الوزير الإسباني خلال الجلسة ذاتها إن عشرات الآلاف من الأشخاص تحركوا بفعل المعلومات التي انتشرت بسرعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى قدرة تلك الشبكات على حشد أعداد كبيرة في وقت قصير، وإن أكد أن هذا العامل ليس التفسير الوحيد للأحداث.
وتأتي هذه التصريحات في سياق نقاش سياسي وأمني متواصل داخل إسبانيا حول منشأ الدعوات الرقمية التي سبقت التدفق الكبير على سبتة، وهو ملف لا تزال السلطات الإسبانية تحقق في جوانبه المختلفة.
الحكومة الإسبانية: لم تكن لدينا معلومات مسبقة دقيقة عن حجم التدفق
وفي مستجد آخر خلال الجلسة نفسها، أكد بولانيوس أن الحكومة الإسبانية لم تكن تتوفر على «معلومات مسبقة ودقيقة» بشأن حجم الأشخاص الذين سيدخلون إلى سبتة.
وجاء كلامه وسط جدل داخلي إسباني بشأن المعلومات التي كانت متوفرة قبل يومي 30 و31 يوليوز ومدى تبادلها بين مختلف الأجهزة والمؤسسات.
ويعني ذلك أن النقاش حول كيفية حدوث التدفق الكبير ومن حركه رقميا وكيف فاجأ المؤسسات الإسبانية ما يزال مفتوحا، لكن هذا النقاش لم يتحول رسميا إلى اتهام للمغرب.
وماذا عن «بيغاسوس» وبيدرو سانشيز؟
عاد ملف برنامج التجسس «بيغاسوس» بدوره إلى الواجهة بعدما ربطته «جبروت» بتهديداتها الأخيرة، وادعت امتلاك بيانات مرتبطة برئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
غير أن وزير العدل الإسباني استحضر الخميس أمام البرلمان المسار القضائي السابق للملف، موضحا أن السلطات الإسبانية أحالت الاختراق غير المشروع لهواتف مسؤولين حكوميين إلى القضاء، لكن المحكمة الوطنية لم تتمكن من تحديد الجهة التي نفذت الاختراق.
وطالب الوزير من يملك دليلا يثبت مسؤولية المغرب عن القضية بتقديمه إلى المحكمة الوطنية حتى تعاد مباشرة التحقيقات، مؤكدا أن المسؤولية لم تثبت قضائيا على الرباط.
وهذه نقطة أساسية في التعامل مع التهديدات الأخيرة لـ«جبروت»: الإعلان عن امتلاك معلومات أو ملفات لا يساوي إثبات مضمونها، ولا يمكن نقل ملف «بيغاسوس» من خانة القضية التي لم تحدد فيها الجهة المنفذة إلى اتهام دولة معينة من دون وثائق قابلة للفحص وأدلة يمكن التحقق منها.
ومن يقف خلف اسم «جبروت»؟
هوية الأشخاص الذين يستعملون اسم «جبروت» لا تزال بدورها محل تضارب.
صحيفة «لوموند» الفرنسية قالت، استنادا إلى مصادرها، إن التسريب الأخير قد يكون من عمل خمسة عناصر سابقين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يقيمون في أوروبا. لكن الصحيفة نفسها كانت قد وثقت في تحقيق سابق أن اسم «جبروت» استُعمل عبر مراحل مختلفة، وأن حساباته السابقة حُذفت وظهرت أخرى تحمل الاسم نفسه، وأن هوية من يقف خلف مختلف موجات النشر بقيت موضوع فرضيات وتكهنات.
وبالتالي تبقى هذه الرواية معلومة صحفية منسوبة إلى مصادر «لوموند» وليست نتيجة تحقيق قضائي أو تقني رسمي معلن، ولا يمكن حاليا الجزم بأن جميع العمليات المنسوبة إلى «جبروت» نفذها الأشخاص أنفسهم.
بين بيانات حقيقية وسردية تحتاج إلى الإثبات
بعد بلاغ قطب الأمن وتصريحات الحكومة الإسبانية، باتت الصورة أكثر قابلية للفهم.
هناك بيانات شخصية قديمة متداولة يقول المصدر الأمني المغربي إنها مأخوذة من أنظمة شركات تأمين ومنظمات للتغطية الصحية والاجتماعية.
وهناك، في الوقت نفسه، صور ووثائق يقول قطب الأمن إنها مفبركة أو محرفة.
وهناك ادعاءات أضافتها الجهة الناشرة إلى تلك البيانات، من قبيل وصف عشرات الآلاف من الأشخاص بأنهم «جواسيس»، وربط بعضهم بأحداث سبتة أو بعمليات استخباراتية في أوروبا؛ وهي ادعاءات لم تقدم حتى الآن أدلة مستقلة كافية لإثباتها.
كما توجد من الجانب الإسباني حقيقة رسمية جديدة لا يمكن تجاهلها: الحكومة تقول علنا إنه لا دليل لديها على أن المغرب قاد أو شجع أحداث 30 و31 يوليوز في سبتة.
التحقيق لم ينته.. لكن كثيرا من الضباب بدأ يتبدد
لا يعني البلاغ المغربي أن كل الأسئلة أغلقت؛ فتبقى الحاجة قائمة لمعرفة كيف انتقلت البيانات من الأنظمة التي كانت محفوظة لديها، ومتى تم الحصول عليها، ومن استحوذ عليها، وكيف جرى تجميعها وتصنيفها ونشرها.
لكن ما تغير حتى الآن هو أن الحديث عن «اختراق مباشر لقواعد المخابرات المغربية وكشف 70 ألف جاسوس» لم يعد توصيفا يمكن التعامل معه صحفيا كحقيقة ثابتة.
المعطيات الرسمية والتحقيقات الصحفية المتاحة ترسم صورة أكثر تعقيدا: بيانات شخصية قديمة، بعضها حقيقي على الأرجح، أعيد توظيفها داخل حملة رقمية رافقتها مواد يقول الأمن المغربي إن بعضها مفبرك، وادعاءات سياسية واستخباراتية ما زالت في انتظار الدليل.
وفي مثل هذه الملفات، لا تكمن مسؤولية الصحافة في إعادة نشر الأسماء والأرقام والصور المسربة، ولا في التحول إلى مكبر صوت لجهة مجهولة، وإنما في السؤال عن المصدر، وفحص الوثيقة، ومقارنة الروايات، والفصل الصارم بين ما هو حقيقي في البيانات وبين القصة التي يريد ناشر البيانات إقناع الجمهور بها.
فالبيانات الحقيقية يمكن أن تُستعمل لبناء رواية كاذبة، والوثيقة الصحيحة قد تُعطى تفسيرا لا علاقة له بمضمونها؛ ولذلك تبقى قاعدة التحقق هي الحاجز الأخير بين الخبر والحرب النفسية.



