ميساج

دفاعًا عن سراق الزيت… المتهم الذي حُكم عليه بالإعدام قبل أن يرتكب جريمته

وحده الصرصور يوحّد الجميع… الكبار والصغار يجمعون على إعدامه، والخلاف الوحيد حول أداة التنفيذ : بالحذاء أم بالشطابة أم بالكراطة؟

دفاعًا عن سراق الزيت… المتهم الذي حُكم عليه بالإعدام قبل أن يرتكب جريمته

وحده الصرصور يوحّد الجميع… الكبار والصغار يجمعون على إعدامه، والخلاف الوحيد حول أداة التنفيذ : بالحذاء أم بالشطابة أم بالكراطة؟

بقلم : بوشعيب حمراوي

هناك مخلوق صغير استطاع، على نحو يكاد يكون معجزة، أن يوحّد البشرية حول موقف واحد.
قد نختلف في السياسة والدين والاقتصاد وكرة القدم، ونختلف حول الحكومات والحدود والضرائب والأسعار، وقد تعجز الدول عن الاتفاق على بيان مشترك حول قضايا مصيرية… لكن يكفي أن يظهر سراق الزيت وسط غرفة حتى يتحقق الإجماع في ثوانٍ: الإعدام فورًا…لا تحقيق…لا محضر…لا شهود…لا محام…لا ظروف مخففة.
ولا حتى فرصة لكي يقول المتهم كلمته الأخيرة.
يظهر الصرصور… فيصدر الحكم وينفذ في اللحظة نفسها.
وكأن هناك اتفاقية دولية سرية، وقعتها البشرية منذ آلاف السنين، تنص مادتها الأولى على أن: «كل صرصور يُضبط فوق التراب البشري يُعدم في عين المكان، وتُفوض سلطة التنفيذ لكل من كان يحمل حذاءً أو شطابة أو كراطة أو أي أداة صلبة صالحة للضرب».

جريمته الأولى… الدخول بدون تأشيرة

المشكلة أن سراق الزيت لا يعترف أصلًا بحدودنا. لا يعرف أن هذه الشقة اشتراها فلان. ولا يعرف أن المتجر مسجل في اسم علان.
ولا يعنيه أن المطبخ ملكية خاصة، وأن الحمام منطقة محظورة، وأن المستودع لا يسمح بالدخول إليه إلا للعمال. إنه يدخل بلا جواز سفر، وبلا تأشيرة، وبلا استدعاء.
يتسلل عبر شق صغير في جدار، أو فتحة صرف، أو حول أنبوب ماء، أو يصل مختبئًا داخل صندوق أو كرتون أو أغراض انتقلت من مكان إلى آخر. ثم يبدأ البحث عن كل ما يعتبره ضروريات للحياة:
ماء…طعام…رطوبة…دفء.
وركن مظلم بعيد عن أعين ذلك المخلوق الضخم الذي يسمى الإنسان. أي أن الرجل… عفوًا، الصرصور… لا يدخل عادة من أجل سرقة الذهب ولا للاستيلاء على العقار ولا للتجسس على أسرار الدولة.
ومع ذلك أطلق عليه المغاربة اسمًا لا يترك له فرصة للدفاع عن سمعته: سراق الزيت.
سرق ماذا بالضبط؟.. وأين محضر الحجز؟. وأين الزيت المسروق؟
وأين المشتكي؟..تهم بالجملة… والدليل غائب.

اعتقال متلبس… والعقوبة واحدة

المثير أن الصرصور قد يُضبط في أماكن مختلفة، لكن العقوبة لا تتغير. يضبط في المطبخ؟..الإعدام. في الحمام؟.. الإعدام.
في المتجر؟. الإعدام. في مكتب الإدارة؟. الإعدام. في مستودع؟. الإعدام. حتى لو كان مجرد عابر طريق، فلا أحد يريد سماع روايته.
وعند ظهوره، تنتهي كل الخلافات داخل الأسرة.

الأب يعطي التعليمات. الأم تحدد مكان الهارب. الأطفال يصرخون.
واحد يغلق الباب.وآخر يتسلح بالحذاء. وثالث يحمل الشطابة.
فتتحول الغرفة خلال ثوانٍ إلى غرفة عمليات عسكرية.
والمطلوب؟.. كائن لا يتجاوز بضعة سنتيمترات.

والأسوأ أنه قد «يتطهر» منا!

وهنا تأتي أكبر إهانة للكبرياء البشري. يلاحظ كثيرون أن الصرصور، إذا لامسه الإنسان ونجا من الموت، قد يبدأ في تنظيف جسمه وخصوصًا قرني استشعاره.ولهذا انتشرت الحكاية الشعبية الساخرة:
الصرصور يتقزز من الإنسان، ولذلك «يتطهر» بعد أن نلمسه!
والحقيقة العلمية أقل إثارة للكرامة البشرية؛ فالصرصور يقوم أصلًا بالتنظيف الذاتي بصورة متكررة، وخاصة لقرني الاستشعار اللذين يعتمد عليهما في استكشاف محيطه، وقد يحاول إزالة المواد والدهون والجزيئات التي علقت به بعد الاحتكاك.
لكن لماذا نفسد النكتة بالعلم؟.. دعونا نحتفظ للحظة بالصورة الساخرة: الإنسان يرى الصرصور قذرًا… والصرصور يلتفت إلى نفسه بعد أن لمسه الإنسان ويبدأ في التنظيف!
وهنا تصبح القضية بحاجة إلى لجنة تحقيق: من الذي ينبغي أن يتطهر من الآخر؟

البشرية منقسمة… إلا بشأن الصرصور

الأمم المتحدة لم تستطع إنهاء كل الحروب. المؤسسات الدولية لم تنجح في توحيد البشر حول كثير من الملفات. لكن الصرصور فعل ذلك.حين يظهر، تختفي كل الاصطفافات. لا يمين ولا يسار.
لا محافظ ولا تقدمي.لا أغلبية ولا معارضة.لا مسلم ولا مسيحي ولا ملحد.هناك فقط طرفان: الصرصور… والبشرية.
والتصويت عادة يكون بالإجماع. مع فارق بسيط في وسيلة تنفيذ الحكم.

وسائل إعدام متعددة… والحكم واحد

لدى الإنسان ترسانة منزلية كاملة لمواجهة المتهم. هناك الإعدام بالعفس، وهو الأسلوب التقليدي المباشر. وهناك الإعدام بالحذاء، وهو الأكثر انتشارًا وربما الأكثر رمزية في تاريخ الصراع البشري الصرصوري. وهناك الإعدام بالشطابة لمن يفضل الحفاظ على مسافة الأمان. وهناك الإعدام بالكراطة عندما تكون المعركة في الحمام أو المطبخ.
وفي غياب الأسلحة النظامية، يمكن استعمال جريدة قديمة، أو قطعة كرتون، أو كتاب ثقيل، أو أي شيء يقع تحت اليد.
وفي كل الحالات، لا وجود لمبدأ «تناسب العقوبة مع الجريمة».
الجريمة الوحيدة التي تكفي لإصدار الحكم هي: لقد ظهر.

وإذا طار… أعلنت حالة الطوارئ

لكن الصرصور يعرف كيف يقلب موازين القوى. فحين يكون على الأرض، الجميع شجعان.
«اقتله!»… «أغلق عليه!».. .«اضربه!»… «راه مشى تحت الثلاجة!»
لكن إذا فتح جناحيه وطار، تنهار التحالفات.
الذي كان يطارده يتراجع. والذي كان يعطي التعليمات يهرب.
والذي كان يحمل الشطابة قد يرميها ويبحث عن النجاة.
تتعالى الصرخات. تفتح الأبواب.
وتتحول الغرفة إلى منطقة منكوبة.
فقد انتقل الصراع فجأة من مواجهة برية إلى هجوم جوي مباغت.
وفي تلك اللحظة يكتشف الإنسان أن شجاعته كانت مرتبطة بشرط واحد: أن يبقى الصرصور على الأرض.

متهم بالسرقة… لكن ماذا سرق؟

ولنتوقف قليلًا عند الاسم المغربي العجيب: سراق الزيت.
إنها تهمة مكتملة الأركان في الاسم… لكن بلا ملف قضائي.
فهل سبق لأحد أن ضبط صرصورًا يحمل قنينة زيت هاربًا نحو الصرف الصحي؟
هل داهمت الشرطة وكره فوجدت براميل من زيت الزيتون؟
هل يوجد صرصور معروف لدى الأجهزة الأمنية بسوابق في سرقة المواد الغذائية؟
لا شيء.. ومع ذلك بقي الاسم لصيقًا به جيلًا بعد جيل.
وهكذا وجد هذا الكائن نفسه ضحية أمرين:

تشويه السمعة أولًا… والإعدام ثانيًا.

كائن ضعيف… لكنه هزم ملايين الأحذية. ورغم كل ذلك، هناك حقيقة ينبغي أن تمنح سراق الزيت بعض الاحترام. فالصرصور ينتمي إلى مجموعة حشرات قديمة جدًا عاشت على الأرض منذ ملايين السنين، واستطاعت أسلافه اجتياز تحولات بيئية هائلة.
جاء البشر بعد ذلك بكثير. اخترعوا المبيدات. وصنعوا الأحذية.
وطوروا مواد التنظيف. وأغلقوا النوافذ. وركبوا شبكات الصرف.
وأعلنوا حربًا لا هوادة فيها على الصرصور. والنتيجة؟.. ما زال هنا.

تقتل واحدًا في منتصف الليل، وتشعر أنك حققت نصرًا استراتيجيًا كبيرًا. تغسل مكان المعركة. تعيد الحذاء إلى مكانه. وتذهب إلى النوم منتصرًا. وبعد عشر دقائق يظهر واحد آخر من تحت الثلاجة.
كأنه يقول لك: «هل انتهيت؟ لنكمل.»

الإنسان يقتل المبعوث… ويترك الحدود مفتوحة

والأطرف أن الإنسان يكرر العملية نفسها مرات ومرات.

يقتل الصرصور. ثم يقتل آخر. ثم ثالثًا. ثم رابعًا. ويعلن كل مرة أنه «قضى على المشكلة». لكنه لا يسأل: من أين يدخل هؤلاء؟
إذا كانت هناك شقوق مفتوحة، ورطوبة مستمرة، وبقايا طعام، ونفايات، وفتحات صرف غير محمية، فإن قتل الصرصور الذي ظهر لا يعني القضاء على المصدر.
نحن، في كثير من الأحيان، نفعل معه ما نفعله مع كثير من مشاكلنا:
نعاقب النتيجة ونترك السبب. نقتل المبعوث… ونترك المعبر الحدودي مفتوحًا. أغلقوا الحدود بدل إعلان الحرب اليومية.

الحل الحقيقي أقل درامية من مطاردة الصرصور بالحذاء.

النظافة المنتظمة. عدم ترك الطعام مكشوفًا. إغلاق النفايات بإحكام.
إزالة مصادر الرطوبة. سد الشقوق والفتحات.مراقبة قنوات الصرف.
ومعالجة مصدر انتشار الحشرات عند وجود إصابة فعلية.
بهذه الطريقة يمكن تخفيض أعداد المتسللين دون تحويل المنزل كل ليلة إلى مسرح عمليات.
لأن أكبر خطأ استراتيجي هو أن تترك جميع أسباب الدخول قائمة، ثم تستغرب كل ليلة وصول دفعة جديدة من «سراق الزيت».

المحكوم بالإعدام منذ ولادته ومع ذلك، لنكن واقعيين. كل هذا الدفاع لن ينقذ الصرصور.
فحتى بعد قراءة هذه المقالة، إذا ظهر واحد فجأة قرب قدم أحد القراء، فالأرجح أنه لن يتوقف ليسأله عن حقوقه أو يستحضر قرينة البراءة. سيبحث أولًا عن الحذاء.
وهنا تكمن مأساة سراق الزيت. إنه كائن صدر الحكم عليه قبل أن يولد. اسم عائلته تهمة.و وجوده جريمة. ودخوله إلى منزل الإنسان ظرف تشديد. أما محاولة الهرب فهي، على ما يبدو، اعتراف ضمني بالذنب. وإذا طار؟.. فهذه مقاومة مسلحة للقوات البشرية.

المتهم الذي لم نسمع دفاعه

لست هنا لأطالب بإنشاء جمعية للدفاع عن حقوق الصراصير، ولا بإلغاء عقوبة الحذاء، ولا بمنح «سراق الزيت» بطاقة إقامة داخل المطابخ. لكن القضية، في بعدها الساخر، تكشف شيئًا طريفًا عن الإنسان نفسه.
لقد صنع قوانين معقدة لحماية حق المتهم في الدفاع، ووضع درجات للتقاضي والاستئناف والنقض، وأعلن أن الأصل هو البراءة…
ثم احتفظ داخل بيته بمحكمة استثنائية واحدة لا تعرف هذه المبادئ. محكمة سراق الزيت.
القاضي فيها هو من شاهده. والشرطة هي أول من أمسك بالشطابة.
والجلاد هو صاحب الحذاء الأقرب. والحكم معروف سلفًا: الإعدام. لا لشيء…إلا لأنه صرصور.

ولهذا يمكن القول إن «سراق الزيت» ليس فقط أشهر متسلل إلى البيوت، بل ربما يكون أيضًا أقدم محكوم بالإعدام غيابيًا في تاريخ البشرية، وأوسع مطلوب دوليًا، وأشد مخلوق تعرضًا لتنفيذ الأحكام دون أن يعرف يومًا من اتهمه، ومن حاكمه، ولماذا لم يُمنح حتى فرصة واحدة للاستئناف.

أما إذا قرأ أحد الصراصير هذه المقالة…

فنصيحتي له بسيطة: لا تدخل المطبخ.
فالناس هناك لا يقرأون الحقوق قبل أن يرفعوا الحذاء.

وفي الختام اترككم تبحثون عن نماذج بشرية تكاد تعيش نفس وضع الصرصور … طبعا فعالمنا يزخر بها …..تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى