كتاب البديل

ظاهرة الترحال السياسي بالمغرب في ضوء الاستقالات البرلمانية السابقة للانتخابات

ظاهرة الترحال السياسي بالمغرب
في ضوء الاستقالات البرلمانية السابقة للانتخابات

أثار تقديم عدد من أعضاء مجلس النواب استقالاتهم قبيل الانتخابات التشريعية، تمهيدا للترشح بتزكية أحزاب سياسية جديدة، نقاشا دستوريا وسياسيا حول عودة ظاهرة «الترحال السياسي» بصيغة مختلفة. فلم يعد الانتقال الحزبي يتم دائما بصورة مباشرة أثناء استمرار العضوية البرلمانية، وإنما أصبح بعض البرلمانيين يلجؤون إلى الاستقالة من المجلس أولا، ثم مغادرة الحزب الذي انتُخبوا باسمه، قبل الانضمام إلى حزب آخر والترشح باسمه.

أولا: التأطير الدستوري للترحال السياسي

شكّل دستور 2011 نقطة تحول في مواجهة الترحال الحزبي. فقد نص الفصل 61 على أنه:
» يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها «.
وتصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد بناء على إحالة من رئيس المجلس المعني. ويهدف هذا المقتضى إلى حماية الإرادة الانتخابية، وضمان الحد الأدنى من الوفاء السياسي بين الناخب والمرشح والحزب الذي منحه التزكية.
غير أن الفصل 61 يعالج أساسا حالة التخلي عن الانتماء السياسي أثناء استمرار العضوية البرلمانية. أما إذا استقال النائب أولا من عضوية مجلس النواب، ثم غادر حزبه وانضم إلى حزب آخر، فإنه لا يعود، من الناحية الشكلية، عضوا برلمانيا يمكن تطبيق جزاء التجريد عليه. وهنا تظهر فجوة بين:

1. حرفية النص، التي تسمح للنائب بالاستقالة؛

2. وروح الدستور، التي تقصد مكافحة تغيير الانتماء الحزبي المرتبط بالمصلحة الانتخابية.                 فالاستقالة حق قانوني، لكن توظيفها حصرا لتجنب مقتضيات الفصل 61 قد يحولها إلى وسيلة للتحايل المشروع شكلا على الغاية الدستورية.

 

ثانيا: هل يتعلق الأمر بترحال سياسي أم بممارسة مشروعة للحرية الحزبية؟

يمكن النظر إلى المسألة من زاويتين متعارضتين:

3. من زاوية الحرية السياسية
حرية الانتماء الحزبي تقتضي عدم إجبار المواطن على الاستمرار داخل حزب لم يعد يقتنع ببرنامجه أو قيادته. ولا يمكن، من حيث المبدأ، سلب البرلماني حقه في تغيير قناعاته السياسية أو الاستقالة من المؤسسة التشريعية.
وقد أكدت الاجتهادات الدستورية أن للمواطنين الحق في تغيير انتماءاتهم الحزبية، شرط أن يتم ذلك بصورة صريحة وقانونية، وألا يؤدي إلى الانتماء إلى حزبين في الوقت نفسه ” وحيث إنه، من جهة أخرى، لئن كان من حق المواطنين، في نطاق ممارستهم لحقوقهم السياسية المكفولة دستوريا، تغيير انتماءاتهم الحزبية أو التخلي عنها في أي وقت أرادو، فإن مبادئ شفافية الانتخابات والمسؤولية والمواطنة الملتزمة المقررة على التوالي في الفصلين 11 و37 من الدستور تستوجب أن يتم هذا التغيير أو التخلي بصورة صريحة وفق مقتضيات المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية لاسيما حين يتعلق الأمر بالرغبة في الترشح للانتخابات؛
وحيث إن ترشح شخص، ينتمي إلى حزب سياسي معين، بتزكية صادرة عن حزب سياسي آخر دون انسحابه مسبقا من الحزب الأول، وفق مقتضيات المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، يعد بمثابة انخراط في أكثر من حزب سياسي في آن واحد، وهو ما يحظره ويعاقب عليه القانون التنظيمي المذكور بموجب مادتيه 21 و66؛». قرار المحكمة الدستورية رقم 2012/890بتاريخ 4 يناير 2014

4. من زاوية أخلاقيات التمثيل
لا ينتخب المواطن في النظام اللائحي الشخص وحده، بل يصوت أيضا على رمز الحزب وبرنامجه وموقعه السياسي. ولذلك فإن انتقال النائب إلى حزب منافس استعدادا للانتخابات التالية، خصوصا عندما يكون الانتقال مرتبطا بالحصول على التزكية أو بدائرة انتخابية مضمونة، يثير إشكالا أخلاقيا وسياسيا.
وعندما تقع الاستقالات بصورة جماعية وقبيل إيداع الترشيحات، فإنها لا تبدو غالبا تعبيرا عن تحول فكري عميق، وإنما جزءا من إعادة توزيع «الأعيان الانتخابيين» بين الأحزاب.
وبناء عليه، يمكن اعتبار هذه الممارسة:

5. قانونية من الناحية الإجرائية، متى احترمت مسطرة الاستقالة؛

6. لكنها متعارضة سياسيا مع روح الفصل 61؛

7. ومضرة بأخلاقيات التمثيل وثقة الناخبين؛

8. وكاشفة عن ضعف البناء البرنامجي والإيديولوجي للأحزاب.

ثالثا: الأسباب البنيوية للظاهرة

لا يمكن تفسير الترحال السياسي برغبة البرلماني وحده؛ فهو نتيجة اختلالات أعمق في النظام الحزبي والانتخابي.
ضعف التمايز البرنامجي
تتقارب برامج عدد من الأحزاب إلى درجة تجعل الانتقال بينها قليل الكلفة السياسية. فلا يجد البرلماني نفسه مضطرا إلى تفسير انتقاله من مشروع مجتمعي إلى مشروع مضاد، لأن الحدود الفكرية بين الأحزاب أصبحت محدودة.
هيمنة منطق التزكية
تتحول التزكية الانتخابية، في بعض الحالات، إلى مورد سياسي تتنافس عليه الأحزاب والمرشحون. يبحث المرشح عن الحزب الذي يضمن له حظوظا أفضل، بينما يبحث الحزب عن المرشح صاحب النفوذ المحلي أو القدرة المالية أو الشبكة الانتخابية الواسعة.
مركزية الأعيان الانتخابيين
تعاني الممارسة الحزبية من غلبة الاعتبارات الشخصية والمحلية على الانتماء البرنامجي. فالحزب يحتاج إلى «مرشح قابل للفوز»، والمرشح يحتاج إلى «علامة حزبية قابلة للتسويق». وينشأ عن ذلك نوع من السوق الانتخابية المتبادلة.
ضعف الديمقراطية الداخلية
قد تكون بعض المغادرات ناتجة فعلا عن غياب الشفافية في منح التزكيات، أو إقصاء الكفاءات، أو تحكم القيادة المركزية في ترتيب المرشحين. إلا أن الانتقال إلى حزب آخر بمجرد رفض التزكية يُضعف الادعاء بأن المغادرة قائمة على خلاف سياسي مبدئي.
اختلال العلاقة بين النائب والناخب
يشعر بعض البرلمانيين بأن المقعد أصبح ملكية سياسية شخصية، بينما ينظر الدستور إلى النيابة البرلمانية باعتبارها مستمدة من الأمة. فالناخب منح صوته ضمن عرض سياسي وحزبي محدد، وليس شيكا مفتوحا يُنقل بين الأحزاب.

رابعا: الآثار السياسية والمؤسساتية

تؤدي ظاهرة الترحال السياسي إلى نتائج تتجاوز الحالات الفردية.
أولا، تضعف الثقة في الانتخابات؛ إذ قد يشعر الناخب بأن صوته لا يحدد الانتماء السياسي النهائي لمن انتخبه.
ثانيا، تميع المسؤولية السياسية، لأن الناخب يجد صعوبة في محاسبة الحزب أو البرلماني عندما تتغير الانتماءات بحسب المواقع الانتخابية.
ثالثا، تخلق اختلالا في تكافؤ الفرص بين الأحزاب؛ فالأحزاب ذات النفوذ والموارد والقدرة على منح التزكيات الجذابة تستطيع استقطاب مرشحين فازوا سابقا باسم منافسيها.
رابعا، تضعف وظيفة الأحزاب في تأطير المواطنين وتكوين النخب، المنصوص عليها في الفصل السابع من الدستور، وتحولها تدريجيا إلى آليات موسمية لتوزيع التزكيات.
خامسا، يمكن أن تؤثر في استقرار الأغلبيات داخل المجالس المنتخبة، خصوصا على المستوى الترابي، حيث قد يؤدي تغيير الانتماءات إلى إعادة تشكيل التحالفات ورئاسات المجالس بعيدا عن النتائج الأصلية للاقتراع.

خامسا: حدود المقاربة الزجرية

ليس من السهل منع الترحال السياسي منعا مطلقا؛ لأن التشدد قد يمس حرية الانتماء السياسي ويحول المنتخب إلى تابع دائم للحزب، حتى في حالة انحراف الحزب عن برنامجه أو حدوث خلاف مبدئي حقيقي.
لذلك يجب التمييز بين:

9. المغادرة القائمة على أسباب سياسية أو أخلاقية جدية؛

10. والمغادرة الانتهازية المرتبطة حصرا بالتزكية والانتخابات.
غير أن إثبات الدافع الداخلي للمنتخب مسألة صعبة. ومن ثم، ينبغي أن يركز التنظيم القانوني على الوقائع الموضوعية، مثل توقيت الاستقالة، والانضمام الفوري إلى حزب آخر، والترشح باسمه في الاستحقاق الموالي.

سادسا: مقترحات المعالجة

لا يمكن الحد من الظاهرة إلا بالقيام بإصلاح متكامل يقوم على:

11. التنصيص على فترة منع انتخابي محدودة بالنسبة إلى من يستقيل من عضوية البرلمان خلال الأشهر السابقة للانتخابات ثم يترشح باسم حزب آخر، مع ضرورة إخضاع هذا القيد للرقابة الدستورية من حيث التناسب.

12. فرض أجل زمني فاصل بين الاستقالة من الحزب والترشح باسم حزب جديد، منعا لتحويل الاستقالة إلى إجراء شكلي سريع.

13. إلزام البرلماني المستقيل بنشر بيان معلل يوضح أسباب الاستقالة، تعزيزا للشفافية والمحاسبة أمام الناخبين.

14. تقوية الديمقراطية الداخلية للأحزاب، ووضع معايير معلنة لاختيار المرشحين ومنح التزكيات.

15. نشر سجل رسمي ومحيّن للانتماءات السياسية والاستقالات وحالات التجريد، حتى يتمكن الناخب من تتبع المسار السياسي للمرشحين.

16. تشديد المراقبة على التمويل الانتخابي واستعمال الموارد في استقطاب المرشحين.

17. الانتقال من مجرد الجزاء القانوني إلى بناء ثقافة حزبية قائمة على البرامج والتكوين والاستمرارية السياسية.

خلاصة

إن الاستقالة من مجلس النواب والترشح باسم حزب جديد تكشف عن تحول في شكل الترحال السياسي أكثر مما تدل على اختفائه. فقد نجح دستور 2011 في تجريم الانتقال الحزبي المباشر أثناء الاحتفاظ بالمقعد، لكن الممارسة أفرزت مسلكا بديلا يقوم على التخلي عن المقعد قبيل الانتخابات ثم تغيير الانتماء.
إذا كان هذا المسلك صحيحا من الناحية الشكلية، فهو يطرح إشكالا حقيقيا من زاوية روح الدستور، وشفافية الانتخابات، والمواطنة المسؤولة، وأخلاقيات التمثيل. والمشكلة لا تكمن في انتقال أفراد بين الأحزاب فحسب، بل في بنية حزبية تسمح بتحويل التزكية إلى مورد تفاوضي، والمقعد إلى رصيد شخصي، والانتخابات إلى سوق موسمية لإعادة توزيع النخب.
وعليه فإن النقاش ينبغي ألا يقتصر على سؤال: هل احترم البرلماني مسطرة الاستقالة؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أعمق: هل حافظ هذا السلوك على المعنى الديمقراطي للصوت الذي منحه الناخبون، وعلى صدقية المؤسسات والأحزاب؟ والجواب، في حالات الانتقال الانتخابي النفعي، يميل بوضوح إلى النفي.

محمد عسولي
باحث بسلك الدكتوراه
القانون العام والعلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى