كتاب البديل

طريقة فذة في الأخذ بالأسباب: الدعاء لإطفاء النيران (شر البلية ما يضحك… وشر السَّفَه ما يُبكي!!)

طريقة فذة في الأخذ بالأسباب: الدعاء لإطفاء النيران
(شر البلية ما يضحك… وشر السَّفَه ما يُبكي!!)

هذا لا يقع في أي صَقْعٍ من أصقاع الأرض إلاّ في الجزائر، حيث نظام الكابرانات يُثخِن في سرقة ونهب مداخيل الغاز والنفط، التي لا تَرضَى أن تُحسّب هناك إلاّ بتريليونات اليورو، ويعيث فساداً وسَفَهاً في تدبير الشؤون العامة، ويمتنع عن تجهيز البلاد بما يلزم من وسائل لمواجهة الكوارث، وفي مقدمتها الحرائق، التي صارت منتظمةً بوتيرة سنوية كموسم الحج !!

أحرص هنا على التّريُّث مليّاً، لأؤكد ما لا يحتاج إلى تأكيد، وهو أن هذا الكلام ليس للتشفي، ولا لمجرد الاستهزاء والاستخفاف، وإنما هو بمثابة ردة فعل غاضبة على طبيعة وسلوك نظام صنع الفاجعة، وألقى بها على رؤوس مواطنيه، ثم طفق يلهيهم بالتندر على المغرب، واختلاق واقع مغربي لا وجود له إلا في مخياله المريض، وهذا وحده كاف لمخاطبته بهذا الجفاء.

عندما يرى ذلك “اللاّنظامُ” البلادَ تتهاوى صُروحُها بين كل حريق وآخر، ماذا يفعل؟ يأمر أئمة المساجد بأن يُكَثِّفوا في خُطَبَهم أيام الجمعة من دعواتٍ ملحةٍ إلى المواطنين المستضعفين، السكارى من فرط الفواجع، كي يتوجهوا إلى الله جماعةً ووُحْداناً بالدعاء لوقف تَوَسُّع “جُغرافيا جهنم”، التي صارت في هذا البلد بالذات ظاهرةً بشريةً، لأن الطبيعة لن تستطيع وحدها أن تأتي على الأخضر واليابس هكذا دفعة واحدة، إذ أن ذلك لم يبرمجه الخالق عز وجل في فطرتها النقية، وإنما تقدر عليه أيادي نظام قطع كل صلاته بالله منذ عقود خلت، فصنع العشرية السوداء بالأمس وأزهق فيها ما لا يقل عن مائتي ألف نفر، وهاهو اليوم يصنع “ملحقات السعير” !!

النظام هناك ينهب ويسرق ويخطف، ثم يُشعل الحرائق لكي ينشغل الشعب بها فلا ينتبه لما يقع في مقدَّراته، ثم ينتظر، أقصد النظام العربيد، أن تقوم السماء بدلاً منه بواجبات الغوث، ومهام الإطفاء، وليته كان يخصص بعضاً من مسروقاته ومنهوباته للسماء في شكل صدقات على الأقل، أو مِنَحٍ أو ما شابَه، لعلها تستحي فتستجيب للأدعية… أسلوب فلكي في تدبير الشأن العام يستحق أن يُدرّس عالمياً في أرقى الجامعات !!

أعلم أن موضوع ذلك البلد الجار قد صار مثيرا للاشمئزاز والغثيان ولكن، ما باليد حيلة، فأدعية المواطنين هناك وتكبيراتهم باتت تصل إلينا تباعاً، بعد أن يرفضها ويُعيدها إلى الأرض عِنانُ السماء !!

الأغرب من كل هذا، وهو ما أثارني وأخرجني من صمتي عن أحوال ذاك البلد، أن القنوات التلفزيونية الرسمية، هناك، تترك نيران الحرائق تأكل الجزائريين ودُورَهم ومتاعَهم، وتستنزف ما تبقَّى بَعد النهب الممنهج من أموالهم، ثم تشتغل كالعادة موليةً وجهها شطر المغرب، في بث لا ينتهي لنشرات وتعاليق وتحاليل حول “شقاء المغاربة”، و”ضنك عيشهم”، وحول “تعرضهم اليومي للقمع” ول”مصادرة أبسط الحريات”، وحول مظاهرات المغاربة ووقفاتهم الاحتجاجية… و”أراك يا فُمّ وقول”، وبطبيعة الحال، فالمغرب أو المخزن المغربي في تلك البرامج والنشرات، هو من أشعل النيران هناك، وهو من وجّه الرياح كي تعمل على تسريع انتشارِها، والمغرب هو من منع الجزائريين من التوفر على وسائل متطورة للإطفاء، ماعدا “البالات”، ورًزَمِ القش والتبن، وحفناتِ الرمل، وجرعاتِ مياهٍ لم يدركها الجزائريون لمجرد الشرب والتوضّؤ… وهاهم الآن، يتوفرون على أدعية فردية وجماعية يؤطرها أئمة المساجد بأمر شخصي ومباشر من رئيس الجمهورية، جازاه الله عن ذلك خيراً، وأطعمَهُ في جنات الخُلدِ طَيْراً !!

*إضافة إلى بروتوكول “الإطفاء الرباني” هذا، حرص النظام هناك حرصاً شديداً على “ترشيد النفقات”، ولذلك ألغى ميزانية شراء طائرات الإطفاء، وعوّضها بـ “ميزانية اقتناء أجود أنواع البخور والمسك”، وربما صدر عنده منشور وزاري يقضي بأن أي حريق لا يُطفأ إلا بعد 3 أيام من التبتّل والتضرّع، لإعطاء فرصة كافية للدعاء المستجاب كي يفعل فعله.

أما الطائرات، فهي محجوزة لنقل “وفود جمهورية الصحراء الغربية الشقيقة” لحضور ندوات حول “أخطار المناخ” في البلدان الأخرى. وما دام الدخان يتصاعد، فمعناه أن “الذكر” شغّال، والدليل على ذلك أن القنوات الرسمية تبث الآية القرآنية: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة”، وتحتها شريط أحمر يبث خبراً عاجلاً مفاده: “المخزن المغربي يشعل كعادته النار في غاباتنا” !!

يقول بعض الظرفاء أنه قد جاء في البلاغ رقم 47 لوزارة “الدعاء والإطفاء”: إن الحرائق المندلعة تنمّ عن وجود مؤامرة كونية تستهدف “استقرار الجزائر”، وأنه قد تم رصد “رياح مشبوهة قادمة من جهة الغرب، محمّلةً بروائح لا تفوح إلا في المغرب وإسرائيل” (!!!) لذلك يهيب ذلك البلاغ بالمواطنين إلى المزيد من التكبير والتهليل بصوت أعلى، لأن الصوت العالي يطفئ النار، ويؤكد البلاغ ذاته أنّ على الشعب أن يطمئن بأن الوضع تحت السيطرة، سيطرة الدعاء، وأنّ “أي مواطن يطالب بخرطوم ماء فسيُعتبَر عميلاً للمخزن ولإسرائيل وتتم معاملته على ذلك الأساس” !!

هكذا، تحولت الكارثة هناك إلى “طقوس جماعية سنوية”. فبدلاً من “موسم الحصاد”، صار عندهم “موسم الحريق”، وبدلاً من “مُعدات الإطفاء” صار عندهم “دفتر الأدعية”، وبدلاً من جلسات المحاسبة البرلمانية، التي لا وجود لها هناك أصلاً، صارت لديهم “خطب الجمعة” !!
خلاصته… “شر البلية ما يضحك، وشر السَّفَه ما يُبكي”… عجبي !!!
______________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى