كتاب البديل

للتذكّر والاعتبار: أوروبا “الصديقة” لا تختلف في شيء عن المستعمر الإسباني

للتذكّر والاعتبار: أوروبا “الصديقة” لا تختلف في شيء عن المستعمر الإسباني

فيما بين نهايات القرن السابع عشر، وأواخر القرن الثامن عشر، تعرضت مدينتا سبتة ومليلية لحِصارات سياسية وعسكرية واقتصادية تاريخية كبرى، من لدن الدولة المغربية، الإمبراطورية الشريفة، كان أبرزَها حصارُ سبتة، الذي أقامه السلطان مولاي إسماعيل بن الشريف لفترة طويلة على هذه الحاضرة امتدت نحو ثلاثة عقود (1694 – 1724م).

وفيما بين سنتَيْ 1790 و1791 خضعت المدينة ذاتُها لحصار آخر خلال الحرب المغربية الإسبانية التي استمرت طوال تلك الفترة، في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث).

وقبل ذلك، فيما بين شهرَيْ دجنبر 1774 ومارس 1775، قاد السلطان نفسه، محمد بن عبد الله، حصاراً عظيماً وشهيراً على مليلية بهدف تحريرها.

غير أن هذه المحاولات، رغم قوتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، التي كانت محدودة في حقيقة أمرها، باءت بالفشل ولم تحقق أهدافها لأسباب عدة… وهي على التوالي:

1- الإمدادات البحرية الإسبانية، المستمرة، والتي كان يكرّسها ويقوّي فعاليتَها التفوقُ العسكريُّ البحريُّ للجارة الإيبيرية، التي كانت تمتلك أساطيلَ حربيةً قويةً استطاعت أن تؤمّن بواسطتها خطوط الإمداد اللوجستي للمدينتين المحتلتين، عبر مضيق جبل طارق، مما أفقد الحصار فعاليته الاقتصادية والاجتماعية المتوخاة.

2- فشل الحصار المائي، بالنظر إلى أن الهجوم المغربي اقتصر على المجال البري فحسب، مما سمح للإسبان بإدخال المؤن والأسلحة والجنود بانتظام عبر البحر.

3- التحصينات الساحلية، المتمثلة خصوصاً في الأسوار المنيعة المحيطة بالمدينتين، والقلاع الحصينة والمطلة على البحر، والتي كانت تؤمّن سلامة السفن الوافدة بهدف التموين والتسليح، وبالتالي الحد من خطورة الحصار وفعاليته.

4- التطوّر التكنولوجي والعسكري للتحصينات الإسبانية الحديثة، الذي شكّل عقبةً كأداء لم تستطع جيوش الإمبراطورية الشريفة تجاوزها، حيث شهدت تحصينات الإسبان حول المدينتين عمليات تطوير وتحسين هندسية عسكرية متتالية، ومتقدمة بمعايير تلك الحقبة، منها على سبيل المثال، الأسوار المزدوجة، والخنادق المائية الملئى بالكمائن، الشيء الذي صعّب محاولات الاختراق المغربية، التي كانت تعتمد في أساسها على القصف بستعمال المدفعية التقليدية.

5- الفارق الشاسع في التسليح، حيث حققت الحاميات الإسبانية تفوُّقاً وازناً في قوة النيران وفعاليتها، بفضل مدفعيتها المتقدمة، وبنادقها الحديثة، مقارنة بأسلحة الجيش المغربي.

6- الصراعات المغربية الداخلية، الناجمة عن حركات التمرد القبلية، التي كان السلاطين المغاربة مضطرّين إلى مواجهتها، وخاصة خلال حصار سبتة الأول، طويل الأمد، وتزامناً مع الثورات الداخلية المتكررة، والاضطرابات السياسية الناجمة بدورها عن تضارب المصالح بين الولاة وأعيان القبائل، فضلا عن بعض الخيانات… مما كان يُجبر السلطة المركزية على سحب أجزاء من قواتها البرية لتأمين الاستقرار داخل البلاد.

7- الصراع على العرش، حيث تسببت وفاة السلطان مولاي إسماعيل سنة 1727 في دخول البلاد فترة مضطربة انعدم فيها الاستقرار السياسي، مما أنهى عملياً استمرار الضغط العسكري الذي كان يفرضه هذا العاهل على سبتةَ بالذات.

8- وأخيراً، “الدعم الأوروبي” و”التحالفات الصليبية”، التي قوّضت توازن القوى بين المغرب والإسبان، “المدعومين أوروبياً”، حيث كانت الحاميات الإسبانية تتلقى الدعم والسند من قوى أوروبية أخرى، كانت تخشى تحول مضيق جبل طارق إلى سيطرة مغربية كاملة، مما قد يهدد حسب زعمها خطوط التجارة الدولية.

هذا المعطى الأخير بالذات، سنحتاج للعودة إليه، في مقال لاحق، عند التطرق لمشروع تخليص إسبانيا لصخرة جبل طارق من أيدي البريطانيين.

ومن نافلة القول، التأكيد على أن عمليات الحصار المذكورة تخللتها معاهدات واتفاقيات لم تكن مطلقاً في صالح الدولة المغربية، رغم تدخل أطراف ثالثة يفترض أنها “أوروبية صديقة وشريكة”، بدليل بقاء المدينتين والجزر إلى غاية يومه تحت سيطرة الإدارة الإسبانية، أمام الصمت والتغافُل الأوروبيّيْنِ اللذين لا يمكن أن يكونا إلاّ مقصوديْن من لدن أنظمة أوروبية تدّعي الصداقة والمصلحة المشتركة.

نهايته… لقد سُقْتُ هنا هذه المعطيات التاريخية المختصرة للذكرى أولاً، وثانياً لاستخلاص درس ينبغي أن نضعه في حُسباننا ونحن نتناول ملف “استكمال استقلالنا السياسي والإداري”، الذي سيظل معلقاً طالما بقي لإسبانيا شبر واحد في شمال المغرب خاصة، وإفريقيا عامة… فحوى هذا الدرس، أن “أصدقاءنا” الأوروبيين ليسوا إلاّ “أسوأ وريث لأسوأ موروث استعماري”، وذلك مهما أطلقوا وردّدوا على مسمعنا مِن زُخْرُف القول، ومهما أقاموا بيننا وبينهم من جسور الشراكة والتعاون، لأنهم والمستعمرين الإسبانيين في سُوء الطَّوِيّة سَواء… عجبي !!!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى