ميساج

حرائق القبائل ومحيطها بين 12 و73 قتيلاً… والجزائر تبحث عن المغرب وملكه بدل البحث عن حقيقة النار

لماذا تركز الموت في منطقة القبائل و محيطها؟ ولماذا تقفز الحصيلة من 12 رسميًا إلى 73 متداولًا؟ ولماذا يصبح الحديث عن شؤون المغرب وملكه حاضرا كلما اشتد الاحتقان داخل الجزائر؟

حرائق القبائل ومحيطها بين 12 و73 قتيلاً… والجزائر تبحث عن المغرب وملكه بدل البحث عن حقيقة النار

لماذا تركز الموت في منطقة القبائل و محيطها؟ ولماذا تقفز الحصيلة من 12 رسميًا إلى 73 متداولًا؟ ولماذا يصبح الحديث عن شؤون المغرب وملكه حاضرا كلما اشتد الاحتقان داخل الجزائر؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

لا أستطيع أن أنظر إلى ما جرى في الجزائر خلال الأيام الأخيرة باعتباره مجرد موجة عابرة من حرائق الغابات انتهت بانخفاض درجات الحرارة أو بتدخل طائرات الإطفاء، ولا أستطيع كذلك أن أتعامل مع خريطة الضحايا كما لو كانت مجرد أرقام موزعة اعتباطًا بين الولايات، لأن هناك تفاصيل كثيرة، حين توضع جنبًا إلى جنب، تجعل السؤال واجبًا، والشك مشروعًا، والصمت الصحفي نوعًا من الهروب من مسؤولية التفكير.

أنا أمام حرائق واسعة، وأمام منطقة جغرافية محددة دفعت الثمن الأكبر، وأمام أرقام رسمية تقول شيئًا وأرقام محلية متداولة تقول شيئًا آخر مختلفًا تمامًا، وأمام رئيس دولة عاجز او ربما متواطئ بات لا يستبعد وجود أياد إجرامية لتبرير القتل و الدمار . ثم أمام إعلام جزائري مأجور يجد، وسط كل هذا، مساحة للهجوم والتهجم على المغرب وملكه وكأن المشكلة الحقيقية توجد غرب الحدود وليس وسط غابات جيجل وبجاية وتيزي وزو.

كل القتلى الرسميين سقطوا في حزام واحد… لا أعتبر الجغرافيا صدفة عابرة

الحصيلة الرسمية تحدثت عن 12 قتيلاً: خمسة في جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو.
أي أن سبعة قتلى من أصل اثني عشر، بنسبة 58.3 في المائة، سقطوا في بجاية وتيزي وزو وحدهما، وهما من قلب منطقة القبائل، بينما سقط الخمسة الآخرون في جيجل المجاورة مباشرة لبجاية. بمعنى آخر، فإن كل الوفيات الرسمية تركزت داخل حزام جغرافي متصل تقريبًا يمتد من تيزي وزو إلى بجاية ثم جيجل.

الجزائر ليست هذه الولايات الثلاث فقط، والجزائر تملك مساحات غابوية واسعة في ولايات أخرى، بعضها عرف تاريخيًا حرائق ضخمة، ومع ذلك لم نشهد في الموجة نفسها تمركزًا مماثلاً للوفيات فيها.
ومن حق كل متابع، أن يسأل: لماذا هنا تحديدًا؟.. القول إن المنطقة غابوية لا يكفي لإغلاق الملف.
هناك تلمسان، وسيدي بلعباس، والمدية، وعين الدفلى، والبليدة، وتيبازة، وباتنة، وتيسمسيلت، وغيرها من المناطق التي تتوفر على مساحات غابوية مهمة، وبعضها سجل تاريخيًا عشرات الآلاف من الهكتارات المحترقة.
لكن المشهد الذي صنع المأساة الأكبر هذه المرة تركز شرقًا، وفي نطاق يحتضن قلب منطقة القبائل ومحيطها المباشر. أنا لا أقول إن هذا دليل على وجود مؤامرة. لكنني أرفض أيضًا الطريقة السهلة التي تقول: «غابات كثيفة، إذن الموضوع انتهى».
فالتحقيق يبدأ تحديدًا عندما تصبح الصدفة متكررة أو عندما تتجمع عوامل كثيرة داخل الرقعة نفسها.
فالقبائل ليست مجرد مساحة جبلية خضراء داخل الجزائر.
إنها منطقة ذات تاريخ سياسي وثقافي خاص، وتوجد داخلها حركة سياسية انفصالية تتبنى مشروع تقرير المصير، وتصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية.
وهذه الحقيقة وحدها تجعل أي كارثة استثنائية تضرب المنطقة مطالبة بأقصى درجات الشفافية.
ولهذا فإنني أرى أن السؤال عن احتمال استهداف المنطقة أو استغلال حرائقها لا ينبغي أن يصبح من المحظورات.
ليس لأن لدينا اليوم دليلًا على الاستهداف، بل لأن لدينا معطيات تجعل البحث فيه مشروعًا.
بل إن الرئيس عبد المجيد تبون نفسه أعلن أنه لا يستبعد وجود أياد إجرامية وراء الحرائق. وهذا يجعلنا نشكرك حتى في رواية الرئيس. وطبعا لا نستبعده من لائحة المتهمين.
فإذا كان رئيس الجمهورية لا يستبعد الفعل الإجرامي، فلماذا ينبغي للصحفي أو الكاتب أن يستبعد طرح الاسئلة ؟

12 قتيل أم 73؟ هنا لا نتحدث عن خطأ في الجمع

ثم نصل إلى الرقم الذي أراه الأكثر إثارة للشك. السلطات الجزائرية تقول: 12 قتيلاً في الجزائر كلها. وفي المقابل، ظهرت معطيات محلية تتحدث عن 73 قتيلاً في جيجل وحدها. و الفرق شاسع بين العددين. نحن أمام فرق يجعل الرقم الثاني أكثر من ستة أضعاف الرقم الرسمي الوطني.
والأخطر أن الحديث لم يقتصر على رقم متداول في صفحة مجهولة، بل رافقته تقارير عن تشييع عشرات الضحايا في جمعة بني حبيبي. فكيف يمكن لعقل أي قارئ أن يمر أمام هذه المفارقة دون أن يتوقف؟
كيف يكون عدد القتلى الرسمي في جيجل خمسة، بينما يجري الحديث عن عشرات الجنازات في بلدة واحدة؟
ربما تكون هناك أسباب إدارية.. ربما تأخرت الحصيلة الرسمية..ربما حدث خلط في الأرقام..وربما يكون رقم 73 نفسه غير دقيق.
كل هذا ممكن. لكن لو كان الاعلام للجزائري مركزا على شؤون و مشاغل بلده عوض الخوض في شؤون دولة ذات سيادة. لتم ضبط عدد القتلى و محاورة اهاليهم.
لكن المستحيل في رأيي هو أن يُطلب من الناس أن يعتبروا هذا الفارق أمرًا عاديًا. حين تختلف أرقام الموت بهذا الحجم يصبح الشك حقًا.
في الكوارث الكبرى، لا ينبغي أن تكون الدولة مصدر الغموض. الناس تقبل أن ترتفع الحصيلة من ساعة إلى أخرى. وتفهم أن التعرف على الجثث يحتاج إلى وقت.وتتفهم أن البحث عن المفقودين قد يستمر أيامًا.
لكنها لا تستطيع أن تفهم بسهولة كيف يعيش الرأي العام بين 12 رسميًا و73 متداولًا دون تفسير واضح وسريع.
وهنا تتحول المسألة من مجرد إحصاء إلى قضية ثقة.
لأن المواطن حين يبدأ في الشك في عدد موتاه، يصبح من الطبيعي أن يشك بعد ذلك في أسباب موتهم. وسط كل هذه الأسئلة… لماذا المغرب؟

وهنا أصل إلى أكثر ما يثير استغرابي.بل ربما أكثر ما يثير سخريتي السياسية.

الجزائر تحترق.المواطنون يفرون من القرى. الجرحى في المستشفيات. العائلات تبحث عن المفقودين. والدولة تعلن الحداد.
والرئيس يؤثث لمحاولة الهروب من الحقيقة بالتحدث عن احتمال وجود أياد إجرامية. والأرقام نفسها غير محسومة.
ثم نجد بعض الإعلام الجزائري يعود من جديد إلى المغرب.
«المخزن».. الرباط..المغرب..الملك محمد السادس.. المونديال..الاستثمارات المغربية في إفريقيا.
وكأن النار انطلقت من الرباط وكأن عدد الضحايا في جيجل تحدده وزارة الداخلية المغربية. وكأن تناقض الحصيلة بين 12 و73 صنعه الإعلام المغربي.

الهجوم على المغرب لم يعد حتى بحاجة إلى مناسبة

من حق الصحافة الجزائرية أن تنتقد المغرب.. ومن حقها أن تنتقد الحكومة المغربية..ومن حقها أن تناقش الملكية والنموذج الاقتصادي والسياسة الخارجية..ليس المغرب دولة فوق النقد.
لكن ما أراه غير طبيعي هو أن يتحول المغرب إلى موضوع دائم لا يحتاج حتى إلى مناسبة.
في اليوم الذي تحترق فيه الغابات، المغرب حاضر. في اليوم الذي تدفن فيه الجزائر ضحاياها، المغرب حاضر.
في اليوم الذي ينبغي أن ينصب فيه النقاش على جاهزية الحماية المدنية، ووسائل الإطفاء، ومسالك الغابات، وأسباب التزامن الغريب للحرائق، نعود مرة أخرى إلى «المخزن».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يتعلق الأمر فعلًا بالإعلام، أم بوظيفة إلهاء سياسية للإعلام؟

وحتى الملك محمد السادس… لماذا الآن؟

الأكثر غرابة أن بعض المواد لم تكتفِ بالحديث عن المغرب، اتجهت إلى الملك محمد السادس شخصيًا، وإلى الاستثمارات المغربية في إفريقيا، وإلى كأس العالم 2030، وإلى المؤسسة الملكية.
وأنا أسأل ببساطة: ما علاقة الملك محمد السادس بحرائق جيجل؟
ما علاقته بقتلى بجاية؟.. ما علاقته بالنيران التي وصلت إلى تيزي وزو؟.. وما علاقة المغرب أصلًا بالفارق بين 12 و73؟
إذا كانت السلطات الجزائرية تملك دليلًا على تورط المغرب، فلتعرضه. وإذا كان الإعلام الجزائري يملك وثائق، فليقدمها.
أما أن يتحول المغرب إلى خلفية ثابتة لكل أزمة، فهذا لا يبدو لي تفسيرًا بقدر ما يبدو هروبًا من التفسير.

عندما تعجز عن الإجابة عن الداخل… اصنع خصمًا في الخارج

أرى أن جزءًا من الإعلام الجزائري وقع منذ سنوات في عادة خطيرة: حين تصبح الأسئلة الداخلية ثقيلة، يصبح المغرب أخف جواب ممكن.
أزمة سياسية؟ المغرب..احتجاجات؟ المغرب..توتر دبلوماسي؟ المغرب..مشاكل في الساحل؟ المغرب..قضية القبائل؟ المغرب.
والآن، حتى والنيران مشتعلة، يعود «المخزن» إلى العناوين.
لكن النار لا تفهم الدعاية.. والجثة لا تغير عددها لأن صحيفة هاجمت الملك محمد السادس.والعائلة التي فقدت أبناءها لا تحتاج إلى مقال عن المونديال المغربي، بل تحتاج إلى جواب عن سبب موتهم.
السؤال الحقيقي يوجد داخل الجزائر لا خارجها. المعركة الإعلامية مع المغرب في هذه اللحظة ليست هي الموضوع.
الموضوع الحقيقي هو: لماذا تركز الموت في تيزي وزو وبجاية وجيجل؟
لماذا كان 58.3 في المائة من القتلى الرسميين من بجاية وتيزي وزو؟
لماذا تركزت كل الوفيات الرسمية في حزام القبائل ومحيطها؟
هل هناك فعل إجرامي كما لم يستبعد الرئيس تبون؟
وإذا كانت هناك أياد إجرامية، فمن المستفيد؟ ومن الفاعل؟
وأخيرًا: هل مات 12 جزائريًا أم 73 أم أكثر؟

هذه هي الأسئلة. أما المغرب فليس سؤالًا. والملك محمد السادس ليس جوابًا. لا أتهم أحدًا… لكنني أرفض أن يُطلب مني ألا أشك
أنا لا أملك دليلًا يتيح لي القول إن منطقة القبائل استُهدفت عمدًا.
ولا أملك دليلًا يسمح باتهام جهة محددة بإشعال الحرائق.
لكنني أملك ما يكفي لكي أرفض إغلاق السؤال.
أملك خريطة ضحايا تتركز كلها تقريبًا في منطقة واحدة ومحيطها.
أملك رئيسًا يصنع حدادا لا يؤمن به ويناور من أجل تحوير النقاش الشعبي .. أملك حصيلتين للضحايا بينهما هوة مخيفة.
وأملك إعلامًا يهاجم المغرب وملكه في اللحظة التي يفترض أن تكون فيها كل عدساته موجهة نحو النار وأسبابها وكل تفاصيلها

لهذا أقول: ابحثوا عن حقيقة الحرائق قبل البحث عن المغرب.

احسموا عدد موتاكم قبل الحديث عن «المخزن».
واكشفوا ما جرى في القبائل ومحيطها قبل أن تتحول المأساة نفسها إلى مادة جديدة في حرب إعلامية قديمة.
فالمغرب لم يشعل الأسئلة. النار هي التي أشعلتها. والأرقام هي التي غذتها. والتاريخ السياسي للمنطقة هو الذي يجعل تجاهلها مستحيلًا.

أما الحقيقة، فهي وحدها القادرة على إطفائها….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى