ميساج

جريمة تشغيل الأطفال في الحملات الانتخابية… طفل واحد يجب أن يكون كافيًا لإسقاط اللائحة

جريمة تشغيل الأطفال في الحملات الانتخابية… طفل واحد يجب أن يكون كافيًا لإسقاط اللائحة

من يمنع تشغيل الطفل في سوق الشغل عليه أن يمنع تشغيل براءته في سوق الأصوات… واستغلال القاصرين للدعاية الحزبية يجب أن يصبح مخالفة انتخابية جسيمة تُبعد اللائحة المتورطة من السباق

بقلم: بوشعيب حمراوي

نرى طفلا يشتغل في ورشة أو يحمل ما يفوق طاقته أو يُستغل في عمل لا يناسب سنه، نستفز ونستنكر ونطالب بتدخل مفتشية الشغل والسلطات والقضاء، وهذا طبيعي وضروري، لأن الطفل مكانه المدرسة وفضاءات التربية واللعب والتكوين، وليس سوق العمل والاستغلال.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بقوة، ونحن على أبواب الاستحقاقات الانتخابية، هو: لماذا لا نستفز بالقدر نفسه، وربما أكثر، حين نرى طفلا يحمل منشورا انتخابيا، أو يرتدي قميص حزب، أو يردد شعار مرشح لا يعرفه، أو يسير وسط موكب انتخابي وهو يهتف لبرنامج سياسي لا يفهم منه شيئا؟

في تقديري، إن استغلال الأطفال في الحملات الانتخابية ليس مجرد تفصيل صغير يمكن إدراجه ضمن «تجاوزات الحملة»، ولا صورة عابرة نستنكرها لساعات على مواقع التواصل الاجتماعي ثم ننساها؛ إنه اعتداء مزدوج: اعتداء على الطفل، واعتداء على العملية الديمقراطية نفسها.

لا تحولوا أطفالنا إلى عمال موسميين في مصانع الأصوات

ما الفرق، من حيث جوهر الاستغلال، بين من يدفع طفلا لحمل صناديق البضائع مقابل دراهم قليلة، ومن يدفعه لحمل رزم المنشورات الانتخابية وتوزيعها على المواطنين؟

بل إن الحالة الثانية، في تقديري، تحمل خطورة إضافية، لأن الطفل لا يُستغل فيها جسديا أو اقتصاديا فقط، وإنما يجري إقحام وعيه وبراءته وصورته في صراع سياسي لا يملك السن ولا النضج اللازمين لفهمه أو اتخاذ موقف حر منه.
الطفل الذي يحمل رمز حزب لا يعني أنه اختار ذلك الحزب.
والطفل الذي يردد اسم مرشح لا يعني أنه يعرف المرشح.
والطفل الذي يصرخ بشعار انتخابي لا يعني أنه يؤمن بمضمونه.
إنه في كثير من الحالات يردد ما طُلب منه أن يردده، ويحمل ما أُعطي له ليحمله، ويلبس ما ألبسه له الكبار. وهنا بالضبط تبدأ المشكلة.

حتى المجلس الوطني لحقوق الإنسان سبق أن دق ناقوس الخطر

ليست القضية انطباعا عاطفيا ولا مبالغة في الدفاع عن الطفولة؛ فقد سبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أثناء ملاحظته للاستحقاقات الانتخابية، أن سجل استعمال أطفال في توزيع المنشورات والمساعدة في تثبيت الملصقات والمشاركة في تنظيم المهرجانات والمسيرات الانتخابية، بل وأوصى بحظر مختلف أشكال استعمال الأطفال في الحملات الانتخابية واعتبار ذلك مخالفة انتخابية قائمة بذاتها.

وفي انتخابات 2021 عادت الظاهرة إلى الواجهة، وسجلت تقارير الملاحظة حالات لاستغلال الأطفال خلال الحملة، بما يؤكد أننا لسنا أمام حادثة استثنائية مرتبطة بمرشح متهور هنا أو حملة عشوائية هناك، وإنما أمام سلوك يعاود الظهور كلما بدأت المنافسة على الأصوات والمقاعد.

بل إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عاد، في فاتح يوليوز 2026، إلى ملف تشغيل الأطفال بصورة عامة ودعا إلى تعزيز الحماية القانونية وتشديد العقوبات وتحيين المقتضيات المتعلقة بأشكال الاستغلال الجديدة.
فلماذا يبقى الاستغلال الانتخابي للطفل دون الجزاء الانتخابي الذي يوازي خطورته؟

العقوبة المالية لن تخيف من يطارد مقعدا برلمانيا

أنا أذهب أبعد من مجرد مطالبة الأحزاب بإصدار ميثاق أخلاقي، أو دعوة المرشحين إلى «عدم استغلال الأطفال»، لأن الانتخابات ليست مجالا للنصائح الأخلاقية وحدها.

حين يتعلق الأمر بحقوق الأطفال ونزاهة المنافسة الانتخابية، فإن المطلوب هو قاعدة قانونية صريحة وعقوبة انتخابية صريحة.

وأرى أن ثبوت تعمد لائحة انتخابية أو مرشح أو أعضاء حملته تشغيل أطفال في توزيع المنشورات، أو تعليق الملصقات، أو حمل الشعارات والرموز، أو المشاركة المنظمة في المواكب الدعائية، أو استعمالهم في الصور والفيديوهات لاستدرار العطف واستمالة الناخبين، يجب ألا ينتهي بتنبيه شفهي أو غرامة تؤدى وتنتهي الحكاية.
يجب أن تكون العقوبة انتخابية لأنها جريمة ارتُكبت من أجل مكسب انتخابي.
ومن أراد أن يربح مقعدا باستغلال طفل، يجب أن يخسر حقه في المنافسة على ذلك المقعد.

نعم… إسقاط اللائحة

قد يعتبر البعض المطالبة بإلغاء لائحة بكاملها بسبب استغلال الأطفال عقوبة قاسية. وأقول: وما العقوبة المناسبة إذن؟
هل نعاقب عاملا بسيطا أو مشغلا إذا استغل طفلا في عمل مخالف للقانون، ثم نتساهل مع مرشح يريد الوصول إلى مؤسسة تشريعية يفترض أنها هي التي تصنع القوانين وتحمي الحقوق؟
كيف يمكن لمن يبدأ طريقه إلى البرلمان باستغلال طفل أن يقنعنا غدا بأنه سيشرع لحماية الطفولة؟
وكيف يمكن لحزب يضع في برنامجه الانتخابي عبارات براقة عن التعليم والطفولة والحماية الاجتماعية أن يسمح، في الشارع نفسه، بتحويل أطفال إلى موزعين صغار لمناشيره وصوره ورموزه؟

لهذا أرى أن التشريع الانتخابي يحتاج إلى مقتضى صريح يعتبر الاستغلال المتعمد والمنظم للأطفال في الحملة مخالفة انتخابية جسيمة يمكن أن يترتب عنها إلغاء ترشيح الشخص أو اللائحة التي ثبتت مسؤوليتها، بحسب طبيعة المخالفة ودرجة تورطها.

ولا أتحدث هنا عن طفل مر صدفة بالقرب من تجمع انتخابي، ولا عن ابن رافق والديه، ولا عن حالة لا علاقة للحزب بتنظيمها، لأن العقوبات الخطيرة تحتاج بالضرورة إلى الإثبات والتحقيق وضمان حق الدفاع.
أتحدث عن التشغيل والاستغلال المنظم والمتعمد والموثق.
حتى لا يتحول القانون نفسه إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين المنافسين.

الطفل ليس ناخبا… فلماذا تريدونه جنديا انتخابيا؟

هناك مفارقة يصعب قبولها. نحن لا نعطي الطفل حق التصويت لأنه لم يبلغ السن القانونية التي تؤهله لاتخاذ القرار الانتخابي، وهذا منطقي. فكيف نقبل، في الوقت ذاته، بأن يُستخدم الشخص نفسه للتأثير في قرار الآخرين؟
إن كان صغيرا على أن يختار حزبا، فهو صغير كذلك على أن يدعو الناس إلى اختيار حزب.
وإن كان القانون يعتبره غير مكتمل الأهلية السياسية لممارسة التصويت، فمن باب أولى ألا يتحول إلى وسيلة دعائية في يد بالغين يتنافسون على السلطة.
الأطفال ليسوا خزانا بشريا للحملات. وليسوا يدا عاملة مجانية أو رخيصة لتوزيع الأوراق.
وليسوا ديكورا مناسبا لالتقاط الصور ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. وليسوا جوقة صغيرة لترديد أسماء المرشحين.

اتركوا للأطفال مدارسهم… وخوضوا انتخاباتكم بأنفسكم

من أراد مقعدا في البرلمان فليخرج إلى الناس بنفسه. ليوزع برنامجه بنفسه. وليقنع الناخبين بأفكاره. وليواجه خصومه بحججه.
وليبحث عن متطوعين راشدين يؤمنون بمشروعه.
أما أن يستعين بطفل لأن الطفل أسرع حركة، أو أقل كلفة، أو أكثر قدرة على إثارة عطف المواطنين، فذلك ليس ذكاء انتخابيا، وإنما دليل على عجز سياسي وأخلاقي.
والأدهى أن بعض من قد يستغلون الأطفال اليوم في توزيع منشوراتهم سيجلسون غدا تحت قبة البرلمان للحديث عن حقوق الطفل ومحاربة الهدر المدرسي وتشغيل القاصرين والحماية الاجتماعية. وهي مفارقة لا ينبغي أن يستمر القانون في السماح بها.

لذلك أقولها بوضوح: كل طفل يُستغل في حملة انتخابية هو سبب إضافي لتشديد القانون، وكل حزب أو لائحة يثبت تعمدها تشغيل الأطفال يجب ألا تواجه فقط استنكار المواطنين، بل جزاء انتخابيا حقيقيا يصل إلى إسقاط الترشيح أو اللائحة بحسب جسامة المسؤولية.
لأن الديمقراطية التي تبدأ باستغلال طفل لن تصبح أكثر نزاهة عندما يصل مستغلوه إلى البرلمان.
احموا صناديق الاقتراع من المال… واحموا أطفالنا من صناديق المنشورات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى