كتاب البديل

الدور الأمريكي الجديد في دعم “مغربٍ في غاية الجِدّة”

 

قليلون، أولئك الذين انتبهوا إلى أن أوروبا مازالت تحنّ لماضيها الاستعماري الأسود، وتستحضر نواياها الاستعمارية، أثناء مخاطبتها لوِدّ المغرب، معتبرة إياه “دركياً تابعاً لأركانها الأمنية والعسكرية العامة”، ومعتقدة أن السنتيمات، التي تسددها له سنوياً، مضطرّةً إلى ذلك لا مُخيّرَةً أو بَطَلَة، تكفي لجعله يُقيم الدنيا ولا يُقعِدها، كلما هددت جماعة من المهاجرين غير الشرعيين حدودَها، ليس من جهة إسبانيا فقط، بل ومن الجهة التي كانت وستظل مغربيةً حتى النخاع، مثل تلك الأسلاك المقامة في جنح ليل السياسة والدبلوماسيا، ولكنْ ليس في غفلةٍ من التاريخ والجغرافيا، بيننا وبين مدينتي سبة ومليلية المغربيتين السليبتين… وإنْ هو إلا مجرد حلمِ يقظةٍ على الإسبان والأوروبيين أن يقلعوا عنه، وأن يعودوا إلى واقعِ الأشياء، وواقعُ الاشياء يقول إن المغرب قد ضاق ذرعاً بالاستعلاء الإسباني والأوروبي، مستثنياً من ذلك دولاً كانت ولا تزال تنظر إليه بعين الحكمة والمنطق، بلا حاجة لذكر الأسماء، فيكفي أن تلك الدول تعرف نفسها، وتعرف أننا نضعها من قلوبنا وأذهاننا في المرتبة العَلِيّة التي تستحقها.

إن واشنطن، اليوم، تنظر إلى المغرب ليس فقط كحليف استراتيجي، ولكن باعتباره “المحطة الأخيرة الآمنة” في الطريق إلى إفريقيا، وبالتالي فهو البديل اللوجستي للولايات المتحدة باتجاه هذه القارة.

إنّ موانئ طنجة المتوسط والداخلة، ومشاريع الطاقة الخضراء، والهيدروجين الأخضر… كل هذه أوراق تجعل المغرب شريكاً لا يمكن تعويضه في جدلية الصراع مع الخندق الآخر، وتحديداً مع العملاق الصيني القادم بسرعة قياسية وبكل قوة… هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، هناك فشل النموذج الأوروبي في التعامل مع الجوار المغربي والإفريقي،
حيث ظلت أوروبا ساعيةً إلى تأمين خدمات “دركي قوي وفاعل وحاسم”، بأقل جهد و”بأخفّ تكلفة مالية”، وكأنها تقتني أغراضها الأمنية في جوطية المتلاشيات (!!!) في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرض على المغرب “شراكةً استراتيجية”، وبامتيازات هائلة، يسيل لها لعاب إسبانيا وأوروبا نفسهما.

لقد اتضح أنّ أوروبا لا تزال تفكر بعقلية ومنطق خمسينات القرن الماضي: “نعطي حفنة من الدراهم، ونأخذ في مقابلها “الأمن وراحة البال”، وهذه المعادلة ما عادت مقبولة ولا مستساغة في مغرب لم يَعُد يُشبه مغربَ الأمس مطلقاً.

من جهتها، فهمت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة أن على أوروبا وغيرها، إذا أرادت الأمن والاستقرار عند حدودها الجنوبية، فإن الواجب يحتّم عليها أن “تعطي في مقابل ذلك السيادةَ وتقبل بتقاسُم الأدوار”… وهذا هو الفارق بين واقِعِ “الأجير” الذي مازلت أوروبا تحلم بتأبيده، ومرتبةِ “الشريك” الذي تعرضه الولايات المتحدة بكل أريحية.

ونعود إلى الرسالة المغربية، الظاهرُ فحواها في الأحداث الأخيرة، لنسجل أن الولايات المتحدة وهي ترفع سقف الاعتراف بالسيادة المغربية على “كامل التراب المغربي بلا استثناء”، وبالشراكة الفاعلة مع الرباط، فإنها فعلياً تقول لكل من مدريد وبروكسيل: “إن زمن المساومات على السيادة المغربية قد انتهى”، وأن أي حديث عن “الاستثناءات التاريخية” أو عن “الأراضي ذات الوضع الخاص” قد ولى وفات أوانه وصار في حُكم الماضي الذي لا يعود.

إن المغرب الجديد لا يطالب بمقعد على الطاولة… بل هو اليوم من يصنع الطاولة التي على إسبانيا وأوروبا أن تقتعدانها معه ندّاً لِنَدٍّ…

إن المغرب يقدم نفسه اليوم كـ”بوابة للطاقة النظيفة” بالنسبة لأوروبا وأمريكا معاً،
وأمريكا تبحث من جهتها وكذلك أوروبا عن بديل للغاز الروسي والصيني، ليجدا المغرب أمامهما عارضاً طاقتَه النظيفة، لأنّ عنده الشمس والريح والموقع الجيوإستراتيجي المتفرّد.

وما لم تفهمه إسبانيا وأوروبا إلى غاية اليومين الماضيين وأحداثهما المُربِكة، هو أن واشنطن استثمرت في “المغرب الأخضر”، فأسست لمشاريع الهيدروجين الأخضر بالداخلة والعيون، وللربط الكهربائي مع أوروبا نفسها… وكل هذا، يجعل المغرب بمثابة “بطارية القارة العجوز” الإفريقية والمستقبلية.

ويبقى القول، إن أمريكا لا تدعم بلدا، بل تدعم “ممراً مستقرّا للطاقة المستقبلية”، وهو الممر الذي سيتحكم في الأسعار داخل الفضاءَيْن الأوروبي والأورومتوسطي في أفق السنوات العَشْر المقبلة.

فمتى يعي الإسبان والأوروبيون هذه الحقيقة”الصادمة” بعد قرون من الاستعلاء؟.. ذاك هو السؤال !!!
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى