كتاب البديل

آفاق الشراكة المغربية الأمريكية: من “التحالف التاريخي” إلى “الشراكة المستديمة”

 

عندما نقلّب في صفحات التاريخ، لا نجد أي حدث وقع بين الرباط وواشنطن يمكن أن نصنّفه في خانة الصُّدَف العابرة، بل نجد فيه على الدوام يداً ممدودةً سبقت كل المعاهدات. فلم تكن المصادفة أبداً هي التي جمعت المغرب بأمريكا، بل كان “سَبْقُ الاعتراف المغربي” شهادةَ ميلادٍ لعلاقةٍ كُتبت بماء الذهب قبل أن تُوقّع بالأختام المِدادية الرسمية.

منذ يوم الاعتراف الرسمي ذاك،

في العشرين من دجنبر 1777، ومنذ أول معاهدة للصداقة بين الدولتين سنة 1786، لم تعد الشراكة بين البلدين مجرد سطور في دفاتر الديبلوماسيا، بل صارت قصةً تُروى كلما احتاج العالم إلى نموذجٍ لحليفٍ لا يتغيّر بتغيُّر الحقب، ولا يتبدَّل بتبدُّل المصالح وتطوُّر المعاملات.

إننا، اليوم، نقف على عتبة عالمٍ يتشكّل من جديد، ليعود السؤال الذي يطرح نفسه علينا من تلقاء ذاته، وكما كان منذ أول وهلة: “ما الذي يمكن أن تصنعه يدٌ ممدودة في الماضي منذ قرون، إذا انضمّت إليها هذه المرة يَدُ مشرئبّةٌ إلى المستقبل”؟

إن آفاق الشراكة المغربية الأمريكية لم تكن يوماً مجرد طريقٍ مرسومٍ على الخريطة، بل هي أفقٌ يتّسع كلما أوسعنا له مجال الرؤية. ذلك أنّه بين ذاكرة الاعتراف الأول، وطموح الغد الأخضر، تقف هذه العلاقة على مفترقٍ حاسم: إما أن تظل حكايةً جميلةً نرويها للأجيال، أو تتحوّل إلى مشروعٍ حيٍّ نبنيه معاً، طوبةً طوبةً، فوق أرضية المستقبل.

لقد أعطانا التاريخُ العنوانَ، وأعطتنا الجغرافيا الموقِعَ، والزمن، الآن، يمنحنا الفرصة. والفُرَصُ كما تعلّمنا من التجارب لا تُهدَى اعتباطاً، بل يتم انتزاعُها ببصيرةِ مَن يُدرِك أن حلفاءه الحقيقيين هم مَن يزرعون اليوم شجراً سيستظلون به في الغد بصُحبته وليس بعيداً عنه.

لقد كتب التاريخ هذه الشراكة قبل أن يكتبها الرسميون في الدولتَيْن الصديقَتَيْن، صداقةً يمكن وصفها بالحميمة، لأنها بدأت والولايات المتحدة الأمريكية لم تزل حديثة العهد بالنشوء، أي في مراحل طفولتها الأولى.

وفي هذا السياق التاريخي، واضح المعالم، لم يكن المغرب في شخص سلطانه محمد بن عبد الله (محمد الثالث) مجرد دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة في مستهَلّ عهد مؤسسها جورج واشنطن، بل كانت أول يد ممدودة لتقديم الدعم والمساندة والمساعدة، في زمن كان المغرب فيه إمبراطورية مترامية الأطراف، قوية البنية العقدية والمذهبية والعسكرية، بأساطيلها التي كان يَستنجد بها البلاط العثماني وهو في اوج عظمته في أكثر من واقعة، وكانت كلمة المغرب فيه مسموعة عبر جغرافيات الأرض الأربع، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً… والتاريخ واضح وجلي في هذا المجال بلا أدنى داعٍ للإطناب.

إذن، فقد حقق المغرب باعترافه ذاك نوعا من “السبق التاريخي”، لا يجوز اعتباره مجرد حنين واشتياق لأمجاد الماضي المغربي الحافل، بل هو “رأسمال سياسي” حقيقي، يجعل هذه العلاقة مرتكزةً، اليومَ وغداً، فوق قاعدة صلبة، مهما تقلّبت المصالح وتعددت أسبابُها.

لكن هناك سؤالاً آخر يطرح نفسه وبإلحاح: “هل هذا الرصيد التاريخي كافٍ وحدَهُ للإبقاء على العلاقات المغربية الأمريكية في أَلَقِها المعتاد، والذي يثير شجون كثير من الخصوم”؟

سأختار للإجابة على هذا السؤال “الجَدَلي” المرورَ عبر مجموعة من التحولات التي شهدتها وما زالت تشهدها هذه العلاقة، الوطيدة على مر الحقب:

التحول الأول: “من الأمن العسكري إلى الأمن الشامل”:

إن هذه الشراكة كانت تدور على “السلاح والمناورات العسكرية التدريبية والتكوينية”، ولكن مفهومها اليوم صار أكثر اتساعاً، ليشمل الأمن الطاقي، والأمن الغِذائي، والأمن الرقمي السيبراني، بحيث أصبح المغرب شريكاً فاعلاً في تكريس المعادلة الأمنية المتعلقة باستقرار الساحل وإفريقيا، في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة الأمريكية عن شركاء “موثوقين”، وليس فقط “أقوياء”، وهنا يقترح المغرب نفسه وإمكانياته وقدراته وكفاءاته، فضلاً عن كونه مُمسكاً في يده، وبكل ثقة، “ورقة الاستقرار” وسط منطقة “شديدة الاضطراب”.

التحول الثاني: من “التبادل التجاري” إلى “إعادة رسم الخرائط الاقتصادية“:

لقد كانت “اتفاقية التبادل الحر” مجرد خطوة أولى في الاتجاه ذاته، ولكن الآفاق سرعان ما صارت أوسع وأبعد، في عالم ينقسم إلى محاور وكتل اقتصادية جديدة.

لقد استطاع المغرب بموقعه الجيواستراتيجي، وباتفاقياته المبرمة مع إفريقيا من جهة، وأوروبا من جهة ثانية، أن يقترح نفسه “كجسر” رابط بين أمريكا والقارة السمراء.

ثم هناك سؤال ثالث، لكنه جوهري، يفرضه واقع الأشياء وهو: “هل سنكتفي بكوننا جسراً واصلاً بين عالَمَيْن، قديم في الجنوب، وحديث في الشمال والغرب، أو أننا سنتحوّل بالتخطيط والتدبير الحكيميْن إلى “مركز صناعي” حقيقي، يصل بين ضفتين إحداهما تنتج التكنولوحيا، وثانيتهما تستهلكها لكن، مع إصرار المغرب على وضع بصمته كشريك في الإنتاج، وليس كوسيط تقليدي فقط لا غير”؟

فالمغرب يبدو أنه قد قطع مع دور الوسيط السلبي، الشبيه بالمتفرج، وصار يستورد التكنولوجيا وتقنيات الإنتاج، ويكوّن في هذين المضمارَيْن خيرةَ شبابه، حتى صارت “ماركاته” الحاملة لبصمته الصناعية غازيةً كل أسواق المعمور.

التحول الثالث: “من شراكة الحكومات إلى شراكة القِيَم والمستقبل”:

إن الآفاق الحقيقية لم تَعُد رهينةَ القرارات الرسمية وحدها، بل تخطت ذلك إلى مد خيوط وشبكات من العلاقات في مختلف مجالات الشراكة والتعاون بين جامعات البلدين، وبين مقاوليهما الشباب، وبين باحثيهما في مجال إنتاج الطاقة الخضراء… في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تصدر التكنولوجيا إلى المغرب، الذي يصدّر من جهته الإمكانات الشمسية والبشرية… وفي تقاطع المصالح الحيوية هذا، بالذات، تتيسّر الصناعة المشترَكة للمستقبل المشترَك.

بيد أن هذه الشراكة المثالية، بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، في هذه الظرفية العالمية بالذات، ينبغي أن تواجه الأسئلة الصعبة، أو بالأحرى، أن تواجه التحديات التي قليلا ما يقف عندها المُنَظِّرون للمستقبل، وهي أسئلة وتحديات مِن قَبيل:

* كيف نحافظ على التوازن وسط صراع القوى العُظمى؟

* هل هذه الشراكة ستبقى حكراً على النخب، أو أنها ستكون لها انعكاسات إيجابية وزاخرة بالنفع لفائدة المواطن العادي، البسيط، حتى يتسنى له الإحساس بآثارها في معيشه اليومي؟

* كيف نحوّل “الاعترافات السياسية”، أقصد اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء الغربية واستعدادها للذهاب بعيدا في طريق استرجاع المغرب لصحرائه الشرقية، هل يمكن تحويل هذه الاعترافات إلى “مشاريع ملموسة” على الأرض، أقصد على نفس الأراضي موضوع الاعتراف والاسترجاع؟

خلاصة القول، إن آفاق التعاون والشراكة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية لم تكن أبداً قدراً مكتوباً خارج الوعي والإرادة، بل هي خيار استراتيجي، مسبوق بالدراسة والتحليل والتخطيط من لدن الطرفين معاً، وبالتالي فالأمر يتعلق ب”وليمة حضارية” يتم إعدادها على نار هادئة منذ عقود، وأنها الآن قد استوت، وحان أوان رفع الغطاء عنها لتتبدّى في الحاضر وفي آفاق المستقبل المنظور، الذي سيشهد التحول الرئيسي والمنشود، وهو الانتقال من “تحالف الظرفية”، إلى “تحالف المصير المشترك”؟

وإن الإجابة الفاعلة على هذا السؤال ستبقى رهينة بقدرتنا، كمغاربة وأمريكيين، على “تحويل الموقع الجغرافي لبلدينا إلى رأسمال نَشِط”، و”تحويل الاستقرار القائم إلى قوة ناعمة”، وبتحصيل الحاصل، “تحويل التاريخ إلى مشروع مشترك ومستديم”… تُرى إلى أي مدًى يمكن الذهاب في هذا الاتجاه؟.. ذاك هو السؤال !!!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى