العلاقات المغربية الأوروبية في ظل التحولات العالمية الجديدة

بدايةً، هناك سؤال يفرضه منطق الأشياء، بالنظر للتحولات التي يشهدها عالم اليوم، والمتّسمة بنوع من العنف ليس غريبا على إنسان هذا العصر، الذي خاض حربين كونيتين، وهو الآن على مشارف أخرى ثالثة، حتى لا أجزم بأنها بدأت بالفعل… ولكن هذا العنف يبقى ظاهرة بالغة السوء، لأنه يقول بكل لغات العالم: “مالهذا الإنسان لا يتعلم من دروس التاريخ، ويصرّ على إعادة نفس التجارب الدامية والمدمّرة”!!
السؤال هو:
“عندما تتحرك الطائرات الحربية والدبابات في الشرق، فمن الذي سيملأ الفراغ الاقتصادي والطاقي في الغرب”؟
أما مربط فرس هذا السؤال، فيما يخص العلاقات المغربية الأوروبية حصراً، أقصد موضوع العنوان أعلاه، فهو تلك الحاجة الملحة لدى أوروبا عامة، والاتحاد الأروبي خاصةً، إلى “استقرار مضمون ومؤمَّن”، في الأمن، وفي مجال الهجرة، والأمن الغذائي، ومضمار الطاقة، وخاصة مجال الطاقة المتجددة والخضراء. في الوقت الذي يمتلك المغرب فيه كل متطلبات الشراكة الفاعلة في هذه المجالات، من جغرافيا، وبنيات أساسية، وقوانين وهياكل استثمارية، وضمانات أمنية، مع القدرة على تكريس الاستمرارية، لأن الأمر يتعلق بشريك مستقرّ، فاعل وفعّال، وموثوق به أوروبياً وعالمياً هو المملكة المغربية الشريفة.
إنني حين أذكر دعامة “الأمن الطاقي”، فإنني أومئ بذلك إلى ورقة ضغط وازنة وفاعلة، خاصة بعد ما تركته الحرب الروسية الأوكرانية وراءها من معيقات وحواجز، سياسية واقتصادية ودبلوماسية وعسكرية، أمام الاستيراد الأوروبي لمنتجات الطاقة الروسية، من نفط وغاز بات على الدول الأوروبية، وأعضاء الاتحاد الأوروبي تحديداً، أن تبحث لها عن بدائل لتشغيل مصانعها، وتدفئة مساكنها ومرافقها العمومية، وباقي المؤسسات والأجهزة الفاعلة في اقتصاداتها… ليأتي المغرب بوصفه أمثلَ بديل لسد هذه الثغرات، من حيث كونُه بوابة للهيدروجين الأخضر، وللربط الكهربائي باتجاه كل إسبانيا والبرتغال والمملكة المتحدة.
وبالمناسبة ما زلنا، بلا شك، نتذكر المساعدة القيمة، والعاجلة، التي قدمها المغرب لإسبانيا والبرتغال في الفترة التي شهد فيها هذان البلدان توقفا مفاجئا في تزوّدهما محليا ووطنيا بالكهرباء، فأنقذ بذلك مستشفيات، ومصانع لإنتاج المواد الغذائية الأولية، ومدارس ومعاهد ومؤسسات تكوين مهني، ومرافق عمومية وخصوصية كثيرة، فضلا عن المساكن والمؤسسات الاجتماعية المختلفة، التي كانت آنئذٍ ترى حاجتها إلى الكهرباء يوميةً وحيويةً ومصيرية…
وحين أقول “الهجرة”، فإنني أشير إلى ورقة تحولت من “وسيلة ابتزاز” إلى “وسيلة تفاوض”، بالنظر لإسقاطات التحولات التي شهدتها دول الساحل الإفريقي، والحرب الإيرانية الإسرائيلوأمريكية، والتي ستنتج عنها جميعها، بالتأكيد، موجات نزوح جديدة محتملة.
في هذا السياق بالذات، تحتاج أوروبا إلى “حارس أمين وقويّ للبوابة الأوروبية” موثوق ومأمون الجانب، فلا تجد أمامها غير المغرب بتجربته الطويلة وخبرته الوازنة في هذا المضمار، وكذا قدراته وكفاءاته الأمنية المشهود له بها عالمياً.
بيد أنه من هنا بالذات، جاءت فكرة الانتقال النوعي من منطق توظيف الكفاءات المغربية في هذا المجال بمنح بلادنا اعتمادات مالية للقيام بدور الدركي، إلى منطق جديد ومتطور، يقوم على بناء علاقات “شراكة فاعلة في مجالات التنمية” من شأنها أن تجعل المهاجرين المحتملين يفضلون الاستقرار بالديار المغربية بدلا من ركوب سفن تلك المغامرة، الخاسرة بكل المقاييس.
وعندما أتكلم عن “العوامل الجيوسياسية”، فإنني بذلك أومئ إلى تعدد الأقطاب، الذي ينجم عنه تعدد الخيارات.
ذلك، أن العالم لم يعد ثنائي القطبية، بعد أن ظهرت قوى عظمى جديدة، ليست أقل قوةً وشأواً من القوتين العظميين التقليديتين، اللتين انتهت سيطرتهما المطلقة بانطفاء مصابيح حربهما الباردة، غير المأسوف عليها.
أقصد هنا بالتعددية القطبية كلاًّ من الصين، وأمريكا، والخليج العربي، وتركيا والهند… علماً بأنّ مكونات هذه القطبيات المتعددة تخطب ود بلادنا، كلٌّ منها بلغته ووسائله، ولكن بينها جميعها قاسم مشترك، هو الرغبة في إقامة شراكة مثمرة مع المفرب، والمغرب واعٍ تمام الوعي بهذا الرهان، ويتحرك في سياقه الثنائي ومتعدد الأطراف بكل حكمة واحترافية.
إن على أوروبا، والحالة هذه، أن تقر بواجب التعامل مع المغرب بوصفه “جاراً استراتيجياً”، حتى لا تدفعه إلى البحث عن توازنات أخرى ربما لا تخدم الطموحات الأوروبية الراهنة والمستقبلية.
فعلى سبيل الاستئناس، هناك مجالات تجعل أوروبا أو الاتحاد الأوروبي مضطراً للوقوف من المغرب ذلك الموقف المشرّف وليس أقل. من ذلك، اتفاق الصيد البحري الذي تفيد منه أوروبا، وجنوبها على الخصوص أيما فائدة، وقضية الصحراء، التي تحولت، بعد خروج الاتحاد الأوروبي إزاءها من المنطقة الرمادية، إلى ورش عملاق للاستثمارات الأوروبية، المتنافسة مع نظيراتها الأمريكية والصينية واليابانية والكورية الجنوبية، فضلا عن الخليجية، مما حوّل صحراء الجنوب المغربي إلى فضاء للشراكة العالمية، لا يستطيع فتحه وتأمينه ومده بالبنيات الأساسية اللازمة لازدهاره إلاّ المملكة المغربية الشريفة دون سواها.
وإن هذا الفضاء، سيظل مسرحاً لاختبار حسن النوايا لدى كافة هؤلاء الشركاء، خاصة وأن المغرب يأخذ في هذا السياق التشاركي، بالذات، منحى في غاية الجدة والحكمة، يقوم على مبدأ: “استبدال الدور المغربي القديم المتمحور حول الصناعات التركيبية، بدورٍ جديد يُكرس للشراكات المنتِجة، من خلال نقل التكنووجيا إلى التراب المغربي، حتى يتسنى لبلادنا أن تنتج من تلقاء ذاتها، لا أن تقتصر على تركيب قطع وأجزاء المنتجات الأجنبية، كما كان عليه الأمر من قبل”.
ولقد أفلح المغرب حتى الآن في تحقيق هذا التغيير الجذري في شراكاته مع أوروبا، ومع باقي شركائه، وفي كافة مجالات الصناعة، بما فيها الثقيلة، والعسكرية… والمستقبل واعد في هذا الاتجاه بكل تأكيد.
____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.




