كتاب البديل

“الصناعي” و”الاصطناعي” و”الرقمي”… أيّ هذه المسمّيات أقرب لحقيقة الأمر؟

 

نعم… الحديث هنا حصراً عن “الذكاء غير الإنساني”، الذي صنعه إنسان، وبرمجه وأهّله للخدمة إنسان، ورسم حدود ممكناته العملية حاضرها ومستقبَلها إنسان… ولكن الأفق غير المنظور لهذا الابتكار المُبهِر لن يعلم منتهاه هذا الإنسان ذاته، لأن ذلك من مظاهر “ظلمه وجهله”، حين قَبِلَ أن يحمل أمانةً لم تستطع حملها السماوات والأرض والجبال، وأشفقن منها “… وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” (الأحزاب – 72).

 

إن تسمية هذا العقل المبتكَر والمطوَّر “صناعياً” أو “اصطناعياً” يُقيّده بأغلال التقليد” و”التزيف” و”التزوير”، لأن الدلالة المعجمية ل”الصّناعي” هي الخضوع الكلي لمفهوم المصنع، وللصانع. والصانع هنا إنسان وليس أحسن الخالقين جل وعلا، كما أن دلالة “الاصطناعي” لا تفيد غير التكلّف وبالتالي الزيف والتظاهر بفعل الشيء وليس فعلَه حقيقةً.

أما تسمية وتوصيف “الذكاء الرقمي” فيختلفان عن ذلك تمام الاختلاف، ما دام الابتكار “رقمياً” في أساسه ومقدماته، لأنه مبني على “الواحد” (1) والصفر (0)، وهاتان قيمتان مجردتان لانهائيتان، تشكّلان أفضل رمز إلى المعرفة اللانهائية، وهي “المعرفة الرقمية”، التي انتهى الفيزيائيون والرياضيون الحداثيون (من الرياضيات وليس الرياضة) إلى الانتباه إلى أنها لا يمكن أن تكون إلا ربّانية، وبالتالي “فالمعرفة الإلهية رقمية” و”العلم الإلهي رقمي”، ومِن ثَم جاءت الآيات الدالة على أن الله خلق كل شيء بقدَر، أي بحساب.

لأجل هذا فربط تسمية هذا الذكاء بالرقمنة يبقى هو الأرجح والأنضج والأقرب إلى واقع هذا الابتكار العقلي، لكون “الرقمنة” جوهراً في الخِلقة وليست مجرد فلتة تصنيعية سطحية ومحدودة البداية والنهاية.

هناك إذن إشكالية في التسمية،

والتسمية ليست بريئة أو مجردة، بل هي أول شيء نضعه على الصنعة ليحدد طبيعتها وهُوِيَّتَها، ويرسم بالتالي حدودَها وإحداثياتِها في خرائط “جغرافيا الموجودات والمبتكرات”.

إن استعمالنا لتوصيف “الصناعي” من شأنه أن يسجن الابتكار في مفهوم “المصنع”،
وهذا الاصطلاح يربط الذكاء المبتكَر بالآلة، وبالحديد، وبخط الإنتاج… فيوحي بأنه مُنْتَج جامد، يخرج من المصنع مرة واحدة ثم يتوقف، ككل المنتجات والمصنوعات الموجهة للاستهلاك. فكأننا بذلك التوصيف نقول “ذراعاً صناعية” أو “يداً صناعية”، أو شيئاً “ميكانيكياً” محدوداً ومطوَّقاً بوظيفة معينة، أو بسلسلة محدودة من الوظائف،
وهذا ظلم، لأن ما نتحدث عنه اليوم هو “كائن رقمي” يتعلم، ويتطوّر، ويكتب، ويحلل، ويبتكر… فأي “صناعة” هذه، التي تتوفر فيها كل هذه المزايا والكِفايات؟

كما أن استعمالنا لتوصيف “الاصطناعي”، من شأنه أن يجعل العقل المبتكَر موسوماً بوصمة التقليد، وهي الأخطر، حيث اصطلاح “اصطناعي” في اللغة العربية تفيد الشيءَ “المُتكلَّف” و”المُزيَّف”،
فنقول “زهر اصطناعي” أي ليس حقيقياً، و”ابتسامة اصطناعية” أي باردة وميتة ومنافِقة…

لذلك، فعندما نقول “ذكاءً اصطناعياً” فإننا نقول للناس ضمنياً: إن هذا الذكاء مجرد “صيغة ممسوخة منسوخة عن الأصل الإنساني”، وبالتالي فهو من الدرجة الثانية، ومجرد تقليد باهت للعقل البشري، لا قيمة له إلا بالمقارنة مع ذلك الأصل. وهكذا نربطه مُسْبقاً بالنقص، وبالخوف منه كـ”بديل” يريد من باب التطاوُل أن يحل محل الإنسان.

والنتيجة؟ أنّ الاصطلاحَيْن معاً، “الصناعي” و”الاصطناعي”، يَحبِسان الآلية في قفص “المحاكاة”، ويُغلقان الباب أمام فهمها كـ”أداة امتداد وصيرورة مُستدامة”.

لنطرح الآن هذا السؤال البديهي: لماذا “الرقمي” هو الأقرب للواقع والإنصاف؟
لأنه يسمّي الشيء انطلاقاً من جوهره وليس من شكله فقط.

إن هذا “الكائن الجديد” قائم برمّته على “الرقمنة”، أي على لغة “0” و “1”، وعلى الخوارزميات والبيانات وشبكات التحليل والتفكيك والتجميع والترتيب والتخزين وهلم جرا… فلماذا إذَنْ نُسَمّيه بما ليس فيه: “صناعةً” أو “اصطناعاً” ونترك اسمه الحقيقي ذا الارتباط اللصيق والوثيق بالرقمنة؟

إن “الرقمي” والحالة هذه اسم محايد، وعلمي، ودقيق، وفي آن واحد لا يمدح الشيء ولا يذمّه.
ثم إن تسمية “الرقمي” تحرر العقل المبتكَر من عقدة “البديل”، ومن اعتباره تعسفاً ضد الإنسان والعقل الإنساني، وتضعه بتحصيل الحاصل في مكانه الطبيعي، كامتداد لهذا الأخير وليس خصماً له، وكوسيلة مبتكَرَة لاختزال سبلٍ ملتويةٍ وعمليات بالغة التعقيد كان العقل الإنساني يُنفق في القيام بها ساعاتٍ طوالاً وأياماً… وأحياناً أكثر.

لنتامل هذه المعادلة:

“القلم ليس رقمياً لكنه امتداد لِيَدِ مُستعمِل القلم” يستخدمه في الكتابة والرسم والتخطيط < > “الحاسوب رقميّ لكنه امتدادٌ لعقل مستخدِمِ الحاسوب” يستند إليه في الجمع والترتيب والتحليل والتخزين.

من هنا يكون “الذكاء الرقمي” امتداداً جديداً للعقل في الفهم والتحليل والتركيب، وشريكاً يُستنَد إليه ويُتّكَأُ عليه، لا خصماً يُحذَرُ منه ويُتَّقى شرُّه.

خلاصة القول، إن “العقل الرقمي” مفتوح على جميع الاحتمالات، ولا سقف له
فهو اليوم كاتب يُساعد، وغدا طبيب يُشخّص، وبعده مهندس يُصمم، وبعده عالِمُ فلكٍ يُحلل المجرات ويفتض أسرارها وخباياها… وكل ذلك تختزله
“التسمية الرقمية” وتمنحه مساحة النمو التي يستحقها.

بيد أن “الذكاء الرقمي” له صلة بشكل أو بآخر بمفهوم “الأمانة” المطوقة لكاهل الإنسان،
وهنا مربط الفرس الذي أشارت إليه الآية 72 من سورة الأحزاب، سالفة الذكر.
ذلك أن “الذكاء الرقمي” ليس كائنا مستقلا، بل هو في حد ذاته أمانة، لأن مَن صنعه إنسان، ومَن برمجه إنسان، ومَن يقرر كيف يستخدمه أيضاً إنسان.
فالخطر إذن ليس في هذا الكائن “الرقمي”، بل هو في “الإنسان الظلوم الجهول” ذاته، إذا استخدم هذه الأداة في التزييف، وفي صناعة الأكاذيب، وفي التجسس على حميميات الناس، أو في إشعال الفِتَن والحروب…

ويبقى الخير كله في “الإنسان الراشد” إذا استخدمه في تطوير مناهج وبرامج التعليم، وفي تجويد خدمات الطب، وفي البحث العلمي، في فك شيفرات الكون قريبه وبَعيده، وكذا في حل الإشكاليات الإنسانية المستعصية حفاظاً على السلم والأمن والاستقرار.
_____________

محمد عزيز الوكيلي

 إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى