من يحمي كرامة البطاشين الشرفاء من الاتهامات المجانية؟

بقلم : بوشعيب حمراوي
أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعية موجة واسعة من الاستياء والغضب، ليس فقط بسبب الدفاع عن شخص متهم نشر محتوى صادم للرأي العام يستحق الادانة. بل بسبب الانتقال الخطير من الدفاع عن فرد إلى توجيه اتهامات جماعية تمس سمعة منطقة بأكملها وساكنتها ومهنييها.
فقد ذهب شابان، خلال حوار إعلامي، إلى الادعاء بأن ساكنة منطقة سيدي بطاش بإقليم بنسليمان تشتري و تستهلك لحوم الحمير، بل وأكدا أنهما شخصيًا أكلا منها، وهي مزاعم خطيرة تم إطلاقها دون تقديم أي دليل أو قرينة أو شكاية موثقة أو حكم قضائي أو تقرير صحي أو إداري يثبت صحة ما قيل.
والأخطر من ذلك أن هذه التصريحات وجدت منبرًا إعلاميًا احتضنها ونشرها على نطاق واسع دون أي مساءلة أو تعقيب أو طلب للإثبات، وكأن الأمر يتعلق بحقائق ثابتة لا بمجرد ادعاءات تمس شرف وسمعة آلاف المواطنين ومئات المهنيين العاملين في قطاع الجزارة والشواء والتجارة الغذائية بالمنطقة.
إن أخلاقيات المهنة الصحفية لا تقتصر على حمل الميكروفون وتسجيل التصريحات، بل تفرض على الصحفي أو الصحفية واجب التحقق والتدقيق ومواجهة الضيف بالأسئلة اللازمة عندما يتعلق الأمر باتهامات خطيرة قد تضر بأشخاص أو جماعات أو مؤسسات.
وكان من الواجب أن يتم سؤال المتحدثين عن الأدلة التي يستندون إليها، و التنبيه إلى خطورة التعميم والاتهام المجاني.
وإذا كان الشابان يزعمان أنهما تعرضا فعلًا لبيع وأكل لحوم الحمير، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لم يتقدما بشكاية إلى السلطات المختصة (القيادة قبالة السوق . الجماعة بجانب السوق . مكتب حفظ الصحة ..) أو إلى مركز الدرك الترابي المتواجد بتراب الجماعة ( قرب مقر السوق الاسبوعي الخميس) ؟ ولماذا التزما الصمت كل هذه المدة؟ وإذا كان الأمر يتعلق بجريمة مفترضة تمس الصحة العامة، فإن السكوت عنها يطرح أكثر من علامة استفهام. ويعتبر تواطؤا مع الجاني او الجناة ان كان كلامهما صحيحا .
ثم إن افتراض وقوع مخالفة أو غش من طرف شخص أو محل معين – إن ثبت ذلك أصلًا – لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى حكم جماعي على منطقة كاملة وساكنة بأكملها. فالمسؤولية فردية، ولا يجوز تعميم الخطأ على الجميع، لأن ذلك يدخل في باب التعميم و التشهير والإساءة والمس بسمعة الأشخاص والجماعات دون سند.
إن ما وقع لا يسيء فقط إلى ساكنة سيدي بطاش، بل يسيء أيضًا إلى العمل الإعلامي الجاد الذي يفترض فيه أن يكون أداة لنقل الحقيقة لا وسيلة لترويج الادعاءات غير الموثقة.
ويبقى من حق المؤسسات المنتخبة ( مجلس الجماعة والمجلس الإقليمي ببنسليمان ) والهيئات المهنية والجمعوية، بل ومن حق كل مواطن متضرر، اللجوء إلى المساطر القانونية المناسبة ضد كل المتورطين في ذلك الفيديو الصادم. دفاعًا عن كرامة المنطقة وسمعة ساكنتها.
ترسيخًا لمبدأ بسيط: حرية التعبير حق مكفول، لكن القذف والتشهير ونشر الاتهامات دون دليل لا يمكن أن يكونا جزءًا من هذه الحرية.
كما من المؤسسات المنتخبة والمهنية والجمعوية وضع شكايات لدى المجلس الوطني للصحافة أو من يمثله حاليا لان هناك تجاوزات خطيرة لاخلاقيات المهنة. هذا إن توفرت أصلا صفة المهنة ..
كما أن موضوع سؤال حاملة الميكرو يجب ان يوجه لمن لديه حق الرد واغناء النقاش مع احترام المسطرة القانونية ( طرف او محامي او خبير او حقوقي ….). وليس لكل عابر سبيل ..

هل تعلم أن :
سيدي بطاش… منطقة في حاجة إلى الإنصاف لا إلى التشهير والاشاعة
سيدي بطاش ليست مجرد منطقة جغرافية، بل فضاء إنساني أصيل يجمع بين كرم الضيافة وطيب المعشر والتشبث بالقيم المغربية الأصيلة. ويُعرف أهلها بحسن الاستقبال وروح التضامن والتآزر، كما تتميز المنطقة بطبيعتها الهادئة وعمقها القروي وتراثها العريق الذي يعكس تاريخًا من العمل والجد والاجتهاد. إنها أرض البسطاء الشرفاء الذين يصنعون حياتهم بعرقهم اليومي، ويحافظون على روابط اجتماعية متينة تجعل من سيدي بطاش نموذجًا للمحبة والتآخي والعيش المشترك. فهل يمكن لأي واحد من هؤلاء أن يبيع ناسه لحم الحمير .. ارتقوا فإن المنطقة في حاجة إلى داعمين ومساندين وليس الى من يتقنوا فنون الضجيج والنهيق….
هل تعلم :
“البطاشيون يفتحون أبوابهم للضيوف بكرم، ويفتحون أعينهم على الفساد بحزم… فلا مكان بينهم لفاسد مهما علا نفوذه أو اشتد تأثيره.”
هل تعلم أن البطاشيين، بقدر ما يشتهرون بكرم الضيافة وطيب المعشر وحسن الاستقبال لكل ضيف أو عابر سبيل، بقدر ما يُعرفون أيضًا بعفتهم وشموخهم وتمسكهم بالقيم الأصيلة التي ورثوها جيلًا بعد جيل؟
فأهل سيدي بطاش لا يجاملون في الحق، ولا يصمتون عن الفساد، ولا يميزون بين فاسد وآخر بحسب النفوذ أو المكانة. فمن تربى في هذه الأرض يعلم أن احترام القانون والغيرة على المصلحة العامة والدفاع عن الكرامة الجماعية جزء من الشخصية البطاشية الأصيلة.
ولذلك، لم يكن تاريخ المنطقة يومًا تاريخ خضوع أو تواطؤ، بل كان تاريخ رجال ونساء واجهوا الاختلالات وانتصروا للحق كلما دعت الحاجة إلى ذلك. فالكرم عند البطاشيين لا يعني التساهل مع الخطأ، والتسامح لا يعني القبول بالإساءة، وحسن الاستقبال لا يعني التنازل عن الكرامة.
إنها أرض الشرفاء الذين يفتحون قلوبهم للناس، لكنهم يقفون شامخين في وجه كل من يحاول النيل من سمعتهم أو الإساءة إلى منطقتهم أو التشكيك في قيمهم وأخلاقهم. والتاريخ، القريب منه والبعيد، يشهد على ذلك. :::



