كاسكاد يترجل أخيراً… رجل من زمن النار يلتحق شهيدا برفاقه

بقلم: بوشعيب حمراوي
لم يكن الحاج امحمد عطار بلفقيه مجرد رجل بلغ السادسة والتسعين من عمره ثم غادر الدنيا في هدوء، بل كان صفحة كاملة من صفحات الكفاح الوطني المغربي، وأحد الرجال الذين كتبوا تاريخ المقاومة بعرقهم ودمائهم وصبرهم، قبل أن يكتبوه بالكلمات أو تخلده الصور والوثائق.
في هذا اليوم الحزين، ودعت مدينة بوزنيقة وأرض الشراط أحد أبنائها الكبار، حيث ووري جثمان المقاوم الحاج امحمد عطار بلفقيه، المعروف وسط رفاقه ورفقاء دربه بلقب “كاسكاد”، الثرى بمقبرة الشراط، بعد حياة طويلة امتدت ستة وتسعين عاماً، عاشها مناضلاً ومقاوماً وشاهداً على مرحلة من أخطر وأمجد مراحل تاريخ المغرب الحديث.

يرحل “كاسكاد” اليوم، لكن اسمه سيظل محفوراً في ذاكرة الوطن باعتباره واحداً من الرجال الذين اختاروا طريق المقاومة حين كان ثمنها السجن والتعذيب والمطاردة والموت، لا الشهرة ولا المناصب ولا الامتيازات. فقد كان من المؤسسين الأوائل لمنظمة “صوت النار” إلى جانب شقيقه المقاوم السي إبراهيم عطار بلفقيه، والمقاومين لحسن الكباص والحاج لحسن زهير، وهي المنظمة التي شكلت إحدى الخلايا الفدائية التي أرقت سلطات الاستعمار الفرنسي خلال خمسينيات القرن الماضي.

ومن بين الأزقة والشوارع والأحياء التي كانت تحت قبضة الاستعمار، شارك الحاج امحمد عطار في تنفيذ عمليات فدائية نوعية بكل من الدار البيضاء والرباط، مؤمناً بأن الوطن لا يستعاد بالكلمات وحدها، بل بالتضحية والصمود والإيمان العميق بحق الشعوب في الحرية والاستقلال.
ولأن المستعمر كان يدرك خطورة الرجال من طينة “كاسكاد”، فقد تعرض للاعتقال والتعذيب الوحشي على يد شرطة كورسيكا الاستعمارية، وذاق ألواناً من المعاناة لا تستطيع الكلمات وصفها. لكنه، شأنه شأن كبار المقاومين المغاربة، لم ينكسر ولم يبع قضيته، بل ظل وفياً لوطنه ولرفاقه وللقسم الذي أداه في سبيل تحرير المغرب.

لقد بلغ من تأثيره وخطورة نشاطه المقاوم أن سلطات الاستعمار أصدرت في حقه مذكرات بحث ومطاردة امتدت إلى المغرب والجزائر وتونس، في محاولة لإيقاف الرجل الذي تحول إلى كابوس حقيقي بالنسبة للأجهزة الاستعمارية. غير أن إرادة المقاومين كانت أقوى من الحدود ومن المطاردات ومن المعتقلات.
واليوم، وبعد عقود طويلة من الاستقلال، يرحل واحد من أولئك الرجال الذين صنعوا الحرية ثم عادوا إلى الظل في صمت ونبل، دون أن يطالبوا بمقابل أو ينتظروا جزاءً أو شكوراً. يرحل “كاسكاد” وقد أدى رسالته كاملة، تاركاً وراءه سيرة نضالية تستحق أن تروى للأجيال، وأن تُدرس في المدارس، وأن تبقى حية في الذاكرة الجماعية للمغاربة.
إن وفاة الحاج امحمد عطار بلفقيه ليست مجرد رحيل شخص، بل هي رحيل شاهد من شهود مرحلة تاريخية كانت البطولة فيها فعلاً يومياً، وكان حب الوطن عقيدة يدفع أصحابها أثماناً باهظة من حريتهم وأعمارهم وصحتهم.
رحم الله المقاوم الحاج امحمد عطار بلفقيه “كاسكاد”، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجزاه عن وطنه خير الجزاء، وألهم أسرته ورفاقه وكل الوطنيين الصادقين جميل الصبر والسلوان.
وداعاً كاسكاد
نم هادئاً أيها المقاوم الكبير…
فالأوطان لا تنسى أبناءها الذين حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عنها، والتاريخ لا ينسى الرجال الذين صنعوه بدمائهم، والذاكرة الوطنية ستظل تردد اسمك كلما ذُكرت المقاومة المغربية، وكلما استحضر المغاربة زمناً كان فيه الرجال رجالاً، وكانت الوطنية تضحية لا شعاراً، وكانت الحرية حلماً دفع ثمنه أمثالك من أعمارهم وأجسادهم وأحلامهم.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وجزاك عن المغرب والمغاربة خير الجزاء.
هذه المقالة تصلح للنشر الصحفي أو للتأبين خلال مراسيم العزاء، ويمكن أيضاً توسيعها أكثر بإضافة شهادات عن منظمة “صوت النار” وعملياتها الفدائية وأسماء رفاق الراحل وتفاصيل من مساره النضالي.



