نبض الشارعالسياسية

الإنصاف يقتضي محاربة الثراء الفاحش والثراء المجهول و ليس مطاردة البسطاء

بقلم: بوشعيب حمراوي

إذا كانت الدولة جادة في تكريس العدالة الاجتماعية وحماية المال العام، فإن الإنصاف يقتضي أن تتجه بوصلة الرقابة أولًا نحو منابع الثراء الفاحش والثراء مجهول المصدر، وإلى المهن والتجارات والخدمات السرية أو الممنوعة، وتلك التي تنشط خارج كل مراقبة ضريبية أو قانونية.

فالحديث هنا ليس عن البائع المتجول، ولا عن الحرفي البسيط، ولا عن الأسر الهشة التي اضطرتها ظروف الحياة إلى البحث عن مورد رزق متواضع يحفظ كرامتها ويؤمن قوت يومها. هؤلاء يحتاجون إلى المواكبة والإدماج والحماية الاجتماعية أكثر مما يحتاجون إلى المتابعة والزجر.


أما المعركة الحقيقية، فهي مع شبكات الاغتناء غير المشروع، ومع كبار المستفيدين من اقتصاد الظل، ومن يستنزفون أموال الدولة ومصالحها عبر التهرب الضريبي، والصفقات المشبوهة، والرشوة، واستغلال النفوذ، وتبييض الأموال، والاتجار في الممنوعات، وكل الأنشطة التي تدر أرباحًا طائلة دون أن تساهم في خزينة الدولة أو في التنمية الوطنية.


ومن غير المقبول أن يتحمل الموظف والأجير والتاجر الملتزم أعباء الضرائب والقوانين، بينما يحقق آخرون ثروات هائلة في الظل، بعيدًا عن أعين المراقبة والمحاسبة. فهذه الازدواجية تضرب مبدأ تكافؤ الفرص، وتفقد المواطن ثقته في العدالة الجبائية وفي مؤسسات الرقابة.
إن بناء دولة قوية لا يتحقق بتضييق الخناق على الحلقة الأضعف، وإنما بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتجفيف منابع الفساد، والكشف عن مصادر الثروات غير المبررة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع كل الأنشطة الاقتصادية، مهما كان أصحابها، للمراقبة القانونية والضريبية.
فالإنصاف الحقيقي يبدأ من محاربة كبار المفسدين، لا من مطاردة صغار الباحثين عن لقمة العيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى