الصحة و التغذيةميساج

تعالوا مرة أخرى نتكلم “كورة”.. المدرب الوطني والمدرب الأجنبي

محمد عزيز الوكيل

لقد صار من المسلمات، استناداً إلى واقع كرة القدم في العالم، وواقع المسؤولين التقنيين تحديداً، اقصد المدربين في هذه الرباضة الأكثر شعبيةً وجماهيريةً بكل المعايير، أنّ مسألة اختيار مدربين لفرق ومنتخبات كرة القدم تظل خيارا معقداً وبالغ الصعوبة، حتى أن المعنيين بذلك الاختيار درجوا على النظر إلى الموضوع من زاويته الفنية الصِّرف، دون الانتباه إلى حقيقته وأبعاده النفسية الوجدانية والإنسانية، ولذلك تكررت الاخفاقات على أيدي مدربين من المستوى العالي، رغم ثراء تجاربهم، ولَمعان أسمائهم، ورغم ثقل رصيدهم التاريخي… لتبقى ظاهرة الإخفاق مجهولةَ الأسباب في غالب الأحيان، لأنها تظل في الواقع مركونةً في زاوية ضيقة بين شخصية المدرب ومواهب اللاعبين، وفعالية الأجهزة الإدارية واللوجستيكية… بينما يبقى مربط الفرس في هذه المفارقة هارباً عن الضبط المُحكَم والتوصيف الصحيح !!

دعونا نطرح السؤال المنطقي والعملي: “ما الذي نريده من المدرب أو الإطار التقني لفريق من الفرق أو منتخب من المنتخبات”؟

هل نريد منه ابتكار وصفات تقنية تحقق الانتصارات فحسب؟

أم نريد منه الانفعال ثم التفاعل مع اللاعبين والإداريين والجمهور بما يخدم انتظارات هؤلاء جميعا، وبما يحقق أهداف التعاقد بين المدرب وهؤلاء من أساسه؟

أم نزيد من المدرب تطويع المهارات التقنية الكروية للاعبين لكي ينفّذوا الخطط بدقة، ويحققوا الانتصارات المنشودة؟..

ام أن هناك أموراً أخرى زاغت عن مجال الرؤية، وتمرّدت على مخططات التطوير والتقوية، وبرامج ومناهج التأهيل التقني الكفيل بتحقيق تلك الاهداف؟..

دعونا أيضا نطرح السؤال الحارق حول “الفارق الوازن بين نوعين أساسيين من المدربين: مدربو الفرق الكروية، المحلية، ومدربو المنتخبات الوطنية القومية”؟

حسناً… إن هذا السؤال بالذات هو بيت قصيد هذه المناقشة المتواضعة… فكيف ذلك؟

إن المدرب المتعاقد مع فرقة من الفرق يكون مطالَباً، فقط لا غير، بتمرير قناعاته الفنية وخططه التقنية إلى اللاعبين، والسهر على جعلهم يستوعبونها، ويتفاعلون معها، وبالتالي بطبّقونها بحذافيرها فوق رقعة الملعب، لا يهمه هو ولا لاعبي الفريق سوى اتخاذ تلك الخطط جسراً نحو الانتصارات المطلوبة… وإلى هذا الحد بالذات، تنتهي مهمة مدرب الفريق، ويكون بذلك قد وفّى بالالتزامات المسطرة في العقد الذي يربطه بفريقه، ولا أحد يطلب منه أكثر من ذلك النوع من الوفاء.

لكن، وبخلاف ذلك، فإن المدرب المتعاقد مع منتخب من المنتخبات الوطنية يكون عليه، في الآن ذاته، أن يوفّي بنفس الالتزامات المطوقة لعنق مدربي الفرق المحلية، لكِنْ مع امتلاك القدرة على تحريك أحاسيس ومشاعر إنسانية ملؤها حب الوطن، والاستعداد للتضحية في سبيل رفعته، وإعلاء رايته بين الأمم، فيما يشبه مسؤولية الجنود المجندين، المؤهلين لبذل الغالي والنفيس من الجهد والعرق، بل ومن النفس أيضاً، في سبيل تحقيق الانتصارات المطلوبة، لأن هذه الانتصارات تأخذ لدى المنتخبات الوطنية أبعادا سياسية، ودبلوماسية، وسجالية، تُسجَّل استحقاقاتُها بمداد من الذهب في سجل تاريخ الأمم، والحضارات، والثقافات، لا فرق في ذلك بينها وبين انجازات الحكومات والبرلمانات وغيرها من أجهزة الدّول، بالمفهوم الدستوري والقانوني لاصطلاح “دولة”… و”هنا طاح الريال، وهنا نلعبو عليه” كما تقول الأنشودة الشعبية الساخرة.

أقصد، وبكل الوضوح الممكن، أن مدربي المنتخبات الوطنية ينبغي أن يكونوا وطنيين، مواطنين، متشبّعين قبل لاعبيهم بحب الوطن، وبالاستعداد التلقائي للتضحية في سبيله، لأن الأمر هنا يتعلق بتعاقد دَمٍ، لا بتعاقد نتيجة مرحلية فحسب، وهنا فقط، يستطيع هذا النوع من المدربين أن ينقل للاعبيه بطريقة العدوى حُبَّه لوطنه، وإيثاره لمصلحة الوطن وتطويره وتكريس رفعته وتقديم ذلك على كل المصالح بلا استثناء…

إن هذا الأداء الوجداني لن يستطيعه المدرب الأجنبي مهما فعل، ولذلك فقليلاً ما ينجح المدربون الأجانب في خدمة أهداف الدول، وطموحات منتخباتها الوطنية، وإذا حدث ذلك فأنه يبقى من قبيل الصدف، أو يبقى محصوراً في تجارب قليلة، حتى لا أقول نادرة، وإذا تحقق هذا أيضا فإنه يتحقق في فترات قصيرة سرعان ما تنقلب فيها الأمور على أعقابها، لا لشيء، سوى لغياب آصرة الانتماء تلك، إلى الوطن، وإلى أحلام الوطن وانتظاراته وتَطَلُّعاته.

من هذا المنطلق، تاتي التجربة المغربية رائدةً، متميّزة في ماضيها القريب، ثم في حاضرها، مشرئبةً بكل الآمال والأماني إلى مستقبلها المنظور، فما بالنا بمستقبلها على المدى البعيد، إن هي استمرت آخذةً بنفس النهج المغربي الأصيل، القائم على منح الثقة، كامل الثقة، للإطار التقني الوطني، وبطبيعة الحال، مع استمرار السهر على تكوين الأطر التقنية الوطنية، ومدها بأحدث التقنيات وبآخر ما تفتقت عنه كبريات المدارس والمناهج العالمية في هذا المضمار…

خلاصته، إن المغرب لأهل لتحقيق هذه الغاية، بكل تأكيد، والعبرة بواقع هذه التجربة، في هذه البطولة العالمية القائمة والتي قبلها… والباقي سيكون لا محالةَ أعظم !!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى