كتاب البديل

عندما يصبح القميص وطناً: كيف تحققت “معادلة المصلحة المزدوجة”

محمد عزيز الوكيلي

قرأت مقالا بليغاً وقيّماً للدكتور “نور الدين العوفي” حول مسألة الموافقة بين المصلحتين الخاصة والعامة، في مختلف مجالات حياة الدولة والأمة، أجرى من خلاله مقارنة ذكية بين التنافس في مجال تدبير الشأن العام، ونظيره في مضمار الرياضة، وتحديداً، في رياضة كرة القدم، بمناسبة الإنجازات الباهرة التي حققها وما زال يحققها المنتخب المغربي بين كل مباراة وأخرى، برسم نهائيات كأس العالم الدائرة رحاها في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.

وانتهى د. العوفي في مقاله إلى القول:
“إن في “قتالية” الفريق الوطني، واستماتة لاعبيه شيئاً من المنفعة الفردية المادية، وهي ليست مذمومة في حد ذاتها، لكنها حين تصُبُّ في حلم آتٍ من وجدان الوطن، فإنها ترْبو، وتَزْكَى، فيفوز اللاعب ويفوز الوطن”.

والحال أن هذا التحقق المزدوج وارد بالفعل، ولكن المصلحة المادية “المباشرة” للاعب المغربي غير واردة في هذه الحالة بالذات، بشهادة رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، السيد فوزي لقجع، الذي أكد في إحدى خرجاته الإعلامية، أن اللاعبين المغاربة بالمنتخب الوطني “شبعانين فلوس في فرقهم الأوروبية”، يزكي قوله هذا أنهم يتنافسون في تقديم خدمات اجتماعية لوطنهم عن طريق دعم الفئات الهشة، فمنهم من بنى مدرسة، ومنهم من شيد مسجداً، ومنهم من قدّم هبات معتبَرة للمؤسسات الخيرية، أو لمؤسسات محاربة السرطان أو غيرها… بل إنهم اتفقوا على تخصيص مداخيلهم من كأس إفريقيا الماضية وكأس العالم الحالية لدعم تلك الأعمال الاجتماعية… وكذلك فعل المنتخب المغربي الثالث في بطولة كأس العرب السابقة…

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن مصلحة الوطن تبقى بمثابة المعيار، وبطبيعة الحال، تظلّ المصلحة الذاتية للاعبين متمثلةً في ارتقائهم في سلم الترتبب العالمي، وبالتالي في الارتفاع المتزايد لقيمتهم السوقية، وخاصةً لدى كبربات الفرق التي تتدافع من أجل جلبهم إلى صفوفها.

هكذا إذَنْ، يتحقق الهدفان معاً، دون أن يتقاطعا أو يتعارضا كما تتقاطع وتتعارض الأهداف الخاصة والعامة في مجال تدبير الشأن العام… ومن هذا الجانب تحديداً، وكما قال الأستاذ العوفي، يتحقق الفوز على الصعيدين الخاص والعام دون أن يغبن أحدهما حق الآخر أو ينقص من تداعياته.

العجيب في إنجازات المنتخب الوطني لكرة القدم، وهو يخوض غمار بطولة عالمية شرسة وملئى بالمفاجآت، أنه هو الذي يتحقق على أيدي أعضائه، في آن واحد، الهدفان سالفَا الإشارة: إعلاء شأن الرياضة المغربية والارتقاء بها إلى مصاف كبريات الأمم، مع ما ينجم عن ذلك من الفوائد العامة في مجالات كالرياضة عامةً، والثقافة، والسياحة، والاقتصاد، وفي ميادين المال والأعمال؛ وفي الوقت ذاته، احتلال رتب متقدمة ينتج عنها ارتفاع الطلب على اللاعبين المغاربة أنفسهم، مما يحقق لهم فوائد مادية ومعنوية جمّة، وبكل جدارة واستحقاق.

إن كرة القدم، من هذا المنظور الثنائي، الجامع بين المصلحتين العامة والخاصة، يجعل لهذه الرياضة بالذات، دورا بالغ الأهمية في خدمة أهداف أخرى سياسية ودبلوماسية يصعب أحياناً أن تخدمها السفارات والقنصليات خارج الوطن، ومن هنا يكون المنتخب المغربي لكرة القدم بانتصاراته وأدائه المبهر خير سفير لبلاده، فضلاً عن كونه وسيلةً راقيةً للتعريف بمقومات الثقافة المغربية بكل مكوناتها الفنية والإنسانية. ويكفينا أن ننتبه إلى أن هذه الإنجازات الكروية جعلت أعداد الباحثين عن المغرب في شبكات النت المختلفة ترتفع وتتضاعف على مدار الأيام، بل الساعات، بل الدقائق، وقد قرأت ذات مرة أن عدد الباحثين في شؤون الثقافة المغربية بلغ في يوم واحد مائة ضعف مقارنة مع ما كان عليه في أيام سابقة… وهذا وحده كاف للدلالة على البعد الحضاري للعبة كرة القدم بخلاف ما يدعيه بعض المحافظين من كونها مجرد لعب ولهو ليس إلاّ.

نحن هنا يا حضرات، أمام عمل رياضي/دبلوماسي يساوي، بلا أدنى مغالاة، جهد عدد من السفراء في عدد غير قليل من السنين، بمجرد إصابة جميلة يسجلها أشرف حكيمي أو عز الدين أوناحي، أو صَدّة ذكية يؤدّيها نصير مزراوي أو أيوب بوعدي، أو ارتماءة فدائية يبدعها ياسين بونو… لقد أدّت هذه الحركات الرياضية ما لم تؤدّه عشرات الخطب والتقارير ومحاضر الجلسات في صالات الفنادق المصنفة !!

للذكرى، فعَقِب إنجاز مونديال 2022، أصبحت كلمة “Morocco” تتصدر محرك البحث “غوغل” عالمياً طيلة ثلاثة أسابيع، وارتفعت إحصائيات السياحة بنسبة 17% في العام الموالي، 2023. ومن بين غرائب هذا الإنجاز الكروي، أنّ مستثمراً خليجياً قال ساعتئذٍ بكل صراحة: “بعد ما شفت المغرب يهزم إسبانيا، صرت أثق بأن هالبلد يقدر يهزم المستحيل في الاقتصاد” !!

فضلا عن هذه المصلحة الملموسة، هناك مصلحة عامة معنوية، تتجلى في الفخر الذي جعل الطفل الصغير في أكادير، والشيخ المسنّ في الحسيمة، يعيشان نفس الإحساس “بأننا نستطيع”. وهذه في حد ذاتها تشكّل ضرباً من المصلحة العامة تُقدّر قيمته بالمليارات، وهو ما يسمّى في علم النفس “الرفع الجماعي من تقدير الذات”.

وعلى مستوى تكريس “العقد الاجتماعي”، فإن اللاعب المغربي كسر القاعدة القديمة: “إمّا المال وإما الوطن”، مستبدلاً إياها بمعادلة جديدة: “مالي في أوروبا، ووطني في قلبي”، ولذلك تبرع اللاعب المغربي بمداخيله في بعض البطولات التي أحرزها ليبني مدارس وليزور مستشفيات ويواسي نزلاءها، فجعل من نجاحه وسيلة دعم لوطنيته ومواطَنته.

إننا هنا، في نهاية المطاف، بإزاء تحالف مصالح مشتركة: فالجامعة الملكية المغربية وفّرت ظروف وشروط الاحترافية، والمدرب وَطَّنَ الفكرةَ وألبسها راية الوطن، واللاعب من جهته قدّم التضحية… والنتيجة؟ الجميع فاز كلٌّ بطبيعته وطريقته.
___________
محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى