بخصوص قضية أشرف بن مودان…من يملك الهاتف؟ ومن يملك الحقيقة؟

بوشعيب حمراوي
ضجة تستحق التوضيح
تحولت قضية الصحفي أشرف بلن مودان، خلال الأيام الأخيرة، إلى موضوع نقاش واسع داخل الأوساط الإعلامية والتربوية وعبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد الأمر يتعلق بمجرد واقعة مرتبطة بامتحان إشهادي، بل أصبح قضية رأي عام تتقاطع فيها عدة اعتبارات؛ من بينها نزاهة الامتحانات، وحق المجتمع في المعلومة، وواجب المؤسسات في التواصل، واحترام قرينة البراءة التي تعد من أهم ركائز دولة الحق والقانون.
ولا أحد يجادل اليوم في ضرورة محاربة الغش بمختلف أشكاله، لأن الغش اعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى قيمة الشهادات، وعلى حقوق آلاف التلاميذ الذين يجتهدون ويستعدون للامتحانات بجد ومسؤولية. لكن في المقابل، لا أحد يمكنه أن يجادل كذلك في أن محاربة الغش يجب أن تتم في إطار القانون، وأن الإدانة لا تبنى على الانطباعات أو الإشاعات أو المحاكمات الرقمية، وإنما على الأدلة والوقائع الثابتة.
هاتف داخل القمطر
حسب المعطيات التي تم تداولها، فإن أساس القضية يعود إلى العثور على هاتف نقال داخل قمطر الطاولة التي كان يجلس عليها المعني بالأمر أثناء اجتياز الامتحان.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يكفي العثور على هاتف داخل قمطر الطاولة لإثبات ملكيته للشخص الذي كان يجلس عليها؟ وهل يشكل وجود الهاتف في ذلك المكان دليلاً قاطعاً على أنه استعمله أو كان ينوي استعماله في الغش؟
إن الجواب القانوني والمنطقي لا يمكن أن يكون بهذه البساطة. فالواقعة المادية تتمثل في العثور على الهاتف داخل القمطر، أما إثبات ملكيته أو استعماله أو وجود نية للغش فذلك يحتاج إلى عناصر إثبات أخرى مستقلة وقوية.
فالانتقال من الاشتباه إلى الإدانة لا يتم بالقفز على مراحل البحث والتحقيق، بل بالاعتماد على أدلة مادية وتقنية وقانونية واضحة لا تترك مجالاً للشك.
الحقيقة داخل الهاتف
إذا كان الهاتف محور القضية، فإن التكنولوجيا الحديثة قادرة على كشف الكثير من الحقائق المرتبطة به.
فمن الممكن معرفة هوية صاحب الشريحة المستعملة، وسجل المكالمات والرسائل، والجهات التي تم التواصل معها، والتطبيقات المستعملة، وآخر العمليات المنجزة عبر الجهاز. كما يمكن التحقق من وجود أي علاقة مباشرة بين الهاتف والمعني بالأمر من خلال محتوياته الرقمية.
كما أن الوسائل التقنية الحديثة تمكن من الاستعانة بالخبرة العلمية للبحث عن البصمات أو أي آثار مادية يمكن أن تساعد في تحديد الأشخاص الذين تعاملوا مع الجهاز.
ولهذا فإن الحقيقة الكاملة لا توجد في مواقع التواصل الاجتماعي ولا في التعليقات المتسرعة، بل توجد داخل نتائج البحث والتحقيق والخبرة التقنية.
أسئلة لا تزال معلقة
إذا كان الهاتف قد استعمل فعلاً في عملية غش، فإن ذلك يطرح بدوره مجموعة من الأسئلة المشروعة.
هل تم العثور على وسائل اتصال أخرى مرتبطة به؟ فلا يعقل ان يتوفر على الهاتف وحده بدون باقي الأجهزة المتعلق به ..
فهل تم العثور على سماعات دقيقة أو أجهزة استقبال أو أي وسائل أخرى تسمح بالتواصل السري أثناء الامتحان؟
وهل تم ضبط أي عملية تواصل أثناء الامتحان؟ وهل كانت داخل الهاتف معطيات مرتبطة مباشرة بمواضيع الاختبار أو أجوبته؟ وهل توجد أدلة تثبت الاستعمال الفعلي للهاتف خلال زمن الامتحان؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى تبرئة أحد أو إدانته، وإنما تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة الكاملة، لأن العدالة لا تقوم على الشكوك، وإنما تقوم على الوقائع الثابتة.
الأمن الوقائي قبل الأمن الزجري
لكن بعيدا عن هذه القضية، يبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه آلاف المغاربة كل سنة مع حلول الامتحانات الإشهادية: لماذا لا يتم استعمال أجهزة الكشف والمراقبة عند مداخل المؤسسات التعليمية أو عند أبواب قاعات الامتحان قبل انطلاق الاختبارات؟
فلو تم اعتماد هذه المقاربة الوقائية، لأمكن حجز جميع الهواتف والأجهزة الإلكترونية قبل دخول المترشحين إلى الأقسام، مع الاحتفاظ بها لدى الإدارة وتسليم أصحابها وصولات تمكنهم من استرجاعها بعد انتهاء الامتحان.
فالجميع يعلم أن التلميذ قد يحتاج هاتفه بعد مغادرة المؤسسة للتواصل مع أسرته أو ترتيب تنقله أو الاطمئنان على ظروف عودته إلى المنزل، خاصة بالنسبة للمترشحين الذين يقطعون مسافات طويلة.
إن اعتماد هذه الإجراءات قبل الامتحان يحقق هدفين أساسيين: حماية نزاهة الاختبارات، وتجنيب المترشحين أي شبهات أو اتهامات أو سوء فهم قد يرافق اكتشاف هاتف أو جهاز إلكتروني أثناء سير الامتحان.
أما التفتيش خلال إنجاز الاختبار، وبعد انغماس المترشحين في تحرير أجوبتهم، فإنه قد يتحول إلى مصدر تشويش وإرباك نفسي، ويؤثر على تركيز بعض التلاميذ الذين يعيشون أصلاً ضغطاً نفسياً كبيراً خلال هذه المرحلة الحاسمة من مسارهم الدراسي.
فالنجاح الحقيقي لأي منظومة رقابية لا يقاس بعدد المحاضر المحررة، وإنما بقدرتها على منع وقوع المخالفة من الأصل.
الصمت الذي يوسع دائرة الشك
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للاستغراب في هذه القضية غياب أي بلاغ توضيحي رسمي من الجهات المختصة، رغم حجم النقاش الذي أثارته الواقعة.
فعندما تتحول قضية معينة إلى موضوع اهتمام وطني واسع، يصبح من حق الرأي العام أن يحصل على الحد الأدنى من المعطيات الرسمية المؤكدة، دون المساس بسرية المساطر القانونية أو الإدارية.
إن البلاغ التوضيحي لا يعني تبرئة شخص أو إدانته، بل يعني احترام حق المواطنين في المعلومة الصحيحة، وحماية المؤسسة التعليمية من الإشاعات، وحماية الأشخاص المعنيين من الأحكام المسبقة.
ففي زمن التواصل الفوري، لا يخلق الصمت الهدوء، بل يخلق الفراغ. والفراغ سرعان ما تملؤه التأويلات والإشاعات والروايات المتناقضة.
الحقيقة أولاً
إن الدفاع عن نزاهة الامتحانات لا يتعارض مع الدفاع عن قرينة البراءة، كما أن المطالبة بالحزم في مواجهة الغش لا تتناقض مع المطالبة بالشفافية والتواصل واحترام الحقوق.
وما يحتاجه المغاربة اليوم في مثل هذه القضايا ليس المزيد من الجدل، ولا المزيد من الأحكام الجاهزة، وإنما المزيد من الحقائق والمعطيات الدقيقة. فالحقيقة وحدها هي التي تنصف الجميع؛ تنصف المؤسسة إذا كانت إجراءاتها سليمة، وتنصف الشخص المعني إذا كان بريئاً، وتنصف المجتمع الذي من حقه أن يثق في منظومة الامتحانات وفي مؤسسات بلاده.
ولهذا يبقى المطلب الأساسي هو كشف الحقيقة كاملة، والاعتماد على الأدلة التقنية والقانونية الواضحة، وتطوير آليات المراقبة الوقائية قبل الامتحانات، حتى لا تتكرر مثل هذه القضايا التي تثير الكثير من الأسئلة وتترك وراءها الكثير من علامات الاستفهام.



