كتاب البديل

وهم الأعراق ونقاء الدم: تفكيك الخطاب الانعزالي في المغرب المعاصر.

 

لم يعد النقاش الدائر حول أصول المغاربة مجرد بحث تاريخي أو ثقافي بريء، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى استراتيجية منظمة تسعى لتفكيك المشترك بين أبناء الوطن الواحد.

إن إحياء خطابات “النقاء العرقي” ونفي المكون العربي، والاعتماد الانتقائي على تحاليل الجينات ({DNA})، ليس هدفها العلم؛ بل هي وسيلة أيديولوجية تلجأ إليها بعض النخب لتعويض عجزها عن تقديم مشاريع تنموية واقعية، فتحاول شحن عواطف الشارع لانتزاع نفوذ ومكاسب سياسية.

1. وهم “العرق النقي” وحقائق الدم المغربي المنصهر.

من الناحية العلمية الصرفة، يؤكد علماء الأنثروبولوجيا أن الحديث عن جنس “نقي” (عربي خالص أو أمازيغي خالص) هو وهم بيولوجي لا يصمد أمام حركية التاريخ. فالمغرب كان دائماً ملتقى للحضارات ومصبّاً للهجرات الإنسانية الكبرى بحكم موقعه الاستراتيجي.
إن محاولة الادعاء بأن المكون العربي تم طرده في مرحلة تاريخية هي قراءة مشوهة ومجتزأة؛ فالصراعات القديمة كانت سياسية تهدف لمواجهة تعسف بعض الولاة ولم تكن يوماً عرقية. لقد تجذر الوجود العربي وتلاحم مع العمق الأمازيغي منذ بيعة المولى إدريس الأول (عبر التحالف مع قبيلة أوربة الأمازيغية) وعبر الهجرات الهلالية والمعقلية اللاحقة، والمصاهرات الممتدة لأربعة عشر قرناً، مما جعل الدم المغربي سبيكة واحدة لا تقبل الفصل الجراحي.

2. دروس التاريخ: كيف وظفت النخب “النعرة القبلية” إبان انحطاط الدول؟

التاريخ المغربي يعلمنا أن استغلال الهويات الضيقة هو تكتيك قديم يبرز دائماً في فترات ضعف السلطة المركزية أو الأزمات الاقتصادية والمجالية:
تجربة الموحدين والمرابطين: استغل محمد بن تومرت عصبية قبائل “مصمودة” والمظلومية المذهبية الحادة ليسقط الدولة المرابطية القائمة على قبائل “صنهاجة”، متخذاً من الأيديولوجيا الهوياتية المحلية وسيلة للحشد والوصول إلى الحكم.
عهد المرينيين الأخير: برزت دعوات تعبئوية ترتكز على النسب والقبيلة لتعويض عجز الحكام الوطاسيين عن حماية الثغور وتوفير العيش الكريم للمواطنين.
تثبت هذه المحطات التاريخية أن الأزمات التنموية وغياب الحكامة هما التربة الخصبة التي تنبت فيها أيديولوجيات الهوية لابتزاز السلطة أو محاولة انتزاعها دون ان يكون لذلك اي آثار إجابية على المغاربة وعيشهم .

3.شرعية ملكية صلبة ودستور يستوعب مكونات المجتمع المغربي :

يصطدم محترفو تجارة الهويات في المغرب المعاصر بنظام سياسي ودستوري محصن بآليات شرعية صلبة تفشل أمامها خطط الانشقاق:
– إمارة المؤمنين :
بصفته أميراً للمؤمنين، تجتمع فيه كل مكونات المغاربة وتنصهر فيه عربية وصحراوية وأمازيغية وغيرها فالملك يمثل المظلة الروحية العليا والسامية فوق كل الانتماءات العرقية أو اللغوية أو القبلية، مما يضمن المواطنة الروحية والتعايش السلمي للجميع.
– دستور مغربي يضمن حرية المعتقد: حسم دستور 2011 المسألة بالاعتراف الرسمي بالأمازيغية كإرث مشترك لجميع المغاربة، ونص في تصديره على “الهوية المركبة والانصهار الكامل” لكل المكونات (العربية الإسلامية، الأمازيغية، الصحراوية، الأندلسية، العبرية، والإفريقية). كما تضمن الدولة حرية المعتقد والوجدان، مما يغلق الباب أمام أي تيار يحاول فرض وصاية إيديولوجية ضداً على ثوابت الأمة التي لم يعد أحد يشك او يقبل المس بها .

4.من اجل مغرب قوي ومستقر:

هناك استراتيجيات عملية لافتة للاهتمام لصناع القرار:

أ. الحكامة وتكافؤ الفرص (دورة النخب الحقيقية)

إن الحصانة الحقيقية للمجتمع ضد النعرات العرقية تبدأ من تفعيل مبدأ الكفاءة والاستحقاق في تقلد المسؤوليات عبر كافة القطاعات. يجب بناء بيئة مؤسساتية تعتمد الشفافية المطلقة، والابتعاد الكامل عن العلاقات الشخصية، والمحسوبية، والزبونية السياسية أو العائلية.
فحين يشعر المواطن (في كل مناطق المغرب) أن كفاءته وعطاءه هما المعيار الوحيد للترقي الاجتماعي ومشاركة ثروات الوطن، تذوب خطابات المظلومية العرقية تلقائياً؛ لأن الزبونية والمحسوبية هي التي تدفع الأفراد للاحتماء بالانتماءات الأولية (القبلية أو العرقية) كبديل عن دولة القانون.

ب.الأمان السياسي (الملكية فوق الصراعات).

يجب ترسيخ المبدأ الدستوري والاستراتيجي الذي يجعل الملك والسلطة السياسية العليا فوق كل الصراعات الحزبية، الإيديولوجية، أو الهوياتية الضيقة. إن بقاء المؤسسة الملكية كحكم أسمى وضامن لدوام الدولة واستمرارها (وفق الفصل 42 من الدستور) يمنع تحويل التعدد الثقافي إلى كانتونات سياسية، ويمنع أي تيار أو نخب من احتكار الهوية أو استخدامها لابتزاز الدولة؛ فالملك هو الرمز الموحد للجميع.

ج.الأمان التنموي (العيش الكريم والعدالة المجالية)

تتغذى الأفكار الانعزالية على الفراغات التنموية والتهميش الجغرافي. إن تنمية المناطق القروية والجبلية، وتوفير العيش الكريم (الشغل، الصحة، والتعليم) في إطار مشروع الدولة الاجتماعية، هو الرد العملي الذي يقطع الطريق على تجار المظلوميات.

د. الأمان الثقافي والدستوري (مأسسة التعددية)

تفعيل القوانين التنظيمية للأمازيغية وباقي الروافد الثقافية باعتبارها ملكاً مشتركاً وإرثاً جماعياً لكل المغاربة، وليس حقاً حصرياً لتيارات توظفه كأصل تجاري للمغالبة السياسية أو الانتخابية.

هـ. الأمان التربوي والفكري

قيام المناهج الدراسية والجامعات بنشر المعرفة التاريخية الرصينة التي تبرز عمق انصهار الأمة المغربية ووحدتها كإمبراطورية حضارية موحدة، ليتعلم الأطفال منذ الصغر أن “تمغربيت” هي مزيج متلاحم لا يقبل التجزئة.

خلاصة واستنتاجات

يخلص هذا التحليل الأكاديمي إلى أن رهان الهوية المعاصر ليس حركة ثقافية بريئة، بل هو وسيلة تعبئة أيديولوجية للوصول إلى السلطة وانتزاعها من مالك السيادة .
إن حماية المغرب المعاصر وتأمين مستقبله يتطلبان بشكل حاسم الانتقال نحو شفافية المؤسسات وتسييد الكفاءة ومحاربة الزبونية، مع صيانة موقع المؤسسة الملكية كمرجعية عليا فوق كل الصراعات التي يجب ان تتمحور حول ترسيخ دولة القانون والعدالة الاجتماعية:الصحة التعليم السكن والعيش الكريم وليس من اجل ان تشكل سلطة مضادة لسلطة الدولة والحلول محلها .
إن وعي المجتمع المغربي وتلاحمه التاريخي المسنود بدولة القانون والعدالة الاجتماعية، يمثلان القوة الخفية التي تفشل كافة مخططات الانشقاق، ليبقى التنوع مصدر غنى وقوة تحت رعاية ملكية دستورية ضامنة للبقاء والتعايش السلمي والعيش الكريم لجميع المغاربة.

 

البروفيسور الدكتور المصطفى قاسمي
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى