علاقة فرنسا بالدول الإفريقية: بين إرث الاستعمار وتحديات السيادة

تعتبر العلاقة الفرنسية الإفريقية من أكثر العلاقات تعقيدا في المشهد الدولي المعاصر. ذلك أنها علاقة متجذرة في التاريخ، حيث تعود في بدايات نشأتها إلى القرن التاسع عشر، وهو المظروف الزمني الذي بسطت فرنسا فيه سيطرتها على 13 بلداً، أو يزيد، في غرب إفريقيا ووسطها، ثم تلت ذلك مرحلة الاستقلال في ستينات القرن الماضي، لتنتهي تلك العلاقات إلى الوضع الراهن، الذي يشهد تحولات ملتبسة ولكنها في مجملها عميقة.
كيف إذَنْ تطورت هذه العلاقات؟ وما هي تجلياتها في الواقع الراهن؟ وما هي آفاقها المستقبلية؟
لقد استعمرت فرنسا مساحات شاسعة من القارة الإفريقية وفرضت عليها نظاماً قانونياً وإدارياً، ونهجاً اقتصادياً ومالياً، ومنهاجاً ثقافياً ولغوياً لا يزال حاضرا إلى غاية يومه.
بيد أنه بعد الاستقلال، حافظ الإيليزي على نفوذه من خلال حرصه على إبرام اتفاقيات للتعاون العسكري، وشراكات في المجال الاقتصادي، وكذلك من خلال الفضاء الثقافي الفرانكوفوني الذي ظل يجمعه إلى الآن مع مستعمراته السابقة.
هذا الإرث، أسّس لعلاقة خاصة عُرِفت باسم “الفرانسافريك”، (françafrique) جمعت بين التعاون والمصالح المتبادلة، وشكّلت أحياناً مظهراً من مظاهر التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الإفريقية المعنية، والتي بدأ التذمّر والرفض يصدران عن قواها الفاعلة.
من أبرز مظاهر بقاء هذا النفوذ الفرنسي حياً، نظام التداول بالفرنك سيفا CFA، الذي ظل يربط عملات 14 دولة إفريقية بالفرنك الفرنسي، ثم من خلاله باليورو، عبر الخزينة الفرنسية.
ويرى بعض المتفائلين، أنّ هذا النظام من شأنه أن يوفر استقراراً نقدياً، ويحمي اقتصاديات البلدان المعنية من التضخم المفرط… ولكن في المقابل، يرى المتشائمون والمُشَكِّكون أن استمرار ذلك النمط يؤدي إلى تزايد محدودية السيادة النقدية للدول الإفريقية ذاتها، ويرى بالتالي أن هذا التعامل القائم على ضخ 50% من الاحتياطات المالية للبلدان الإفريقية المعتمدة لمنظومة الفرنك سيفا، في صناديق الخزينة الفرنسية، يشكّل قيداً اقتصادياً لم يعد له في الزمن الراهن ما يبرّره.
والحال أنه بالرغم من التغيير الذي تم إدخاله على هذه الآلية، ضمن الإصلاحات التي شهدتها البلدان ذاتها سنة 2020، عن طريق نقل الاحتياطات إلى “البنك المركزي للغرب الإفريقي”، فإن ذلك لم يغيّر كثيراً من الضغط الفرنسي على اقتصادات تلك البلدان. ويرجع ذلك إلى أن فرنسا احتفظت لنفسها بحق “ضمان قابلية التحويل”، مما يجعلها تستمر في توجيه دفة اقتصادات الدول المعنية بما يخدم مصالحها، ولو بطريقة غير مباشرة غيّرت أشياءً في الظاهر، ولكنها لم تغيّر شيئاً في الجوهر !
في السنوات الأخيرة، عرف النفوذ الفرنسي في القارة السمراء تراجعاً على صعيد بلدان الساحل الإفريقي لن أقول إنه تراجعٌ ملحوظ، بل أقول إنه تراجعٌ وازِنٌ ومؤثِّر، خصوصاً بعد الانقلابات التي جرت في مالي سنة 2020، وبوركينافاسو سنة 2022، ثم في النيجر سنة 2023، حيث انسحبت القوات الفرنسية، وتبعتها مظاهر قطع العلاقات الدبلوماسية، قبل أن يُلاحَظَ في كل من تشاد والسنغال تراجُعٌ مماثلٌ، وإن كان أقل تأثيراً، وذلك في السنتين 2024 و2025، وتجلّى هذا على الخصوص في فشل المقاربة الأمنية في مواجهة الجماعات المسلحة، وفي صعود خطاب سيادي يرفض التدخل الخارجي، ودخول فاعلين جدد إلى القارة مثل الصين وتركيا وروسيا ودول الخليج العربي والمملكة المغربية.
وعلى ذكر هذه الأخيرة،
وبخلاف المقاربة الفرنسية التقليدية، اعتمد المغرب سياسة تقوم على الاستثمار المباشر، والمشاريع التنموية الكبرى، والتعاون جنوب-جنوب، تحت الشعار الملكي المغربي الشهير: “رابح رابح”.
في هذا السياق، طفت فوق السطح مبادرات عملاقة، مثل خط أنبوب الغاز المغربي النيجيري، والمبادرة المغربية الأطلسية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، فضلاً عن التوسع المغربي داخل القارة في مجالات جد حيوية، كالنشاط البنكي، ومجال الاتصال، ومشاريع استثمارية في البنيات الأساسية وفي الإنماء العقاري… وكل ذلك في إطار بناء شراكة اقتصادية ندية ومربحة لجميع الأطراف… هذا الدور، جعل المغرب فاعلاً موثوقاً لدى دول الساحل، الباحثة عن بدائل لفك عزلتها الجغرافية، ولسد احتياجاتها الملحة إلى موانئ كبرى تتنفس من خلالها اقتصاداتُها الناشئة.
ونعود إلى العلاقات الفرنسية الإفريقية، لنجد أن مستقبل هذه العلاقات لن يكون أبداً على منوال الماضي، حيث من المتوقع أن تفقد باريس المزيد من المواقع التي كانت تستأثر بها كشريك مُهيمِن، وأن تجد نفسها مطالبة ببذل قُصارى الجهود حتى تحتفظ بشيء من الحُظوة في مجالات التعليم والثقافة وفي بعض الاستثمارات التكنولوجية، التي لن تجد الأطراف الإفريقية بُدّاً من السعي بالضرورة إلى استقطابها.
النجاح إذَنْ، سيكون حليف من يقدم مشاريع ملموسة تخدم التنمية والتشغيل. وبالتالي، فالعلاقة مرشحة للانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة المتكافئة، وإلاّ فسيتم تعويضها كلياً بتحالفات جديدة خارجة عن الطوق الفرنسي المتهالك.
خلاصة القول، علاقة فرنسا بإفريقيا تمر اليوم من مفترق طرق تاريخي بكل المعايير. فهناك إرث استعماري لم يعد مقبولا كأساس للتعاون، والشعوب الإفريقية تُنادي الآن بسيادتها كاملةً. فإما أن تتكيف فرنسا مع هذا الواقع الجديد، وإما أن تستمر في فقدان وزنها السياسي والاقتصادي في القارة…
المؤكد، أن إفريقيا القرن 21 لن تكون ساحة نفوذ حصري لأحد كما كانت في القرون الماضية…
_____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



