العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب والمجاعات والأزمات إلى حفلة شواء كونية فوق جمر المصالح

بقلم: بوشعيب حمراوي
العالم الذي سقط عنه القناع
لم يعد العالم الذي نعيشه اليوم يشبه ذلك العالم الذي كانت تدرسه المدارس للأطفال على أنه فضاء للتعايش والسلم والتعاون الدولي وحقوق الإنسان. لم تعد الأمم المتحدة تلك المؤسسة التي قيل لنا إنها وُجدت لمنع الحروب، ولم تعد القوى الكبرى تحمل مشاعل الحرية والديمقراطية كما كانت تدّعي في خطاباتها البراقة.
لقد سقط القناع… وظهر المطبخ الحقيقي للعالم.
عالم اليوم ليس سوى “مجمر” سياسي ضخم، تتوسطه شعوب محترقة، ودول ممزقة، وأنظمة متبلة بالخوف والطمع والنفاق، بينما يقف كبار الطهاة السياسيين بربطات عنق فاخرة، يبتسمون أمام الكاميرات، ثم يعودون خلف الستار لتقليب “البولفاف” الدولي فوق نار الحروب والعقوبات والمؤامرات وصفقات السلاح والنفط والغاز والديون.
أمريكا تشعل الفحم…
وروسيا تنفخ في الجمر…
والصين تحسب الأرباح بهدوء التاجر العجوز…
وأوروبا تضع العطور فوق الدخان حتى لا يشم مواطنوها رائحة الاحتراق القادمة من غزة وأوكرانيا والسودان واليمن وإفريقيا وآسيا.
أما الشعوب، فقد تحولت إلى قطع كبد صغيرة ملفوفة بشحم الخطابات الرنانة، تُشوى ببطء فوق أسياخ المصالح الكبرى، بينما يتجادل زعماء العالم حول نوع التوابل المناسبة للخراب القادم.
واشنطن… الطباخ الذي لا يشبع
في البيت الأبيض، يبدو العالم مجرد وصفة أمريكية ضخمة لإدارة الفوضى.
الرئيس الأمريكي يتحدث صباحًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب، ثم يوقع مساءً عقود بيع القنابل والصواريخ والطائرات لمن يدفع أكثر أو يركع أكثر أو يخدم المصالح الأمريكية أكثر.
واشنطن لا تحب الحروب كما تدّعي…
هي فقط تحب مشاهدة “البولفاف” وهو ينضج بعيدًا عن أراضيها.
تشعل حربًا هنا…
وتُطيل أزمة هناك…
وتفرض عقوبات على هذا…
وتحمي ذاك…
ثم تخرج لتقدم نفسها كحكم دولي محايد.
حتى المواطن الأمريكي نفسه، بدأ يشعر بأنه قطعة إضافية فوق المجمر؛ ضرائب خانقة، عنصرية متصاعدة، مخدرات، تفكك أسري، وجنون سياسي جعل الأمريكيين أنفسهم يتساءلون:
هل ما زالت الولايات المتحدة تقود العالم… أم تقود فقط حفلة شواء كونية؟
بوتين… قيصر النار الباردة
أما بوتين فيجلس بملامح لاعب شطرنج قديم، ينظر إلى العالم وكأنه رقعة نار لا رقعة سياسة.
الرجل يتحدث عن الأمن القومي الروسي، بينما الدبابات تتقدم، والصواريخ تتطاير، وأوروبا ترتجف كلما اقترب الشتاء وخطوط الغاز.
بوتين يعرف أن العالم دخل مرحلة “الشواء البطيء”.
يعرف أن الجميع سيحترق قليلًا… قبل الوصول إلى أي نهاية.
روسيا لم تعد تبيع الغاز فقط…
بل أصبحت تبيع الخوف أيضًا.
والخوف اليوم هو السلعة الأكثر رواجًا في الأسواق الدولية.
الصين… التنين الذي يشتري الفحم
أما زعيم الصين فلا يضيع وقته في الصراخ والخطب النارية.
الصين فهمت اللعبة مبكرًا.
بينما ينشغل العالم بالحروب، تنشغل بكين بشراء الموانئ والمناجم والشركات والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وطرق التجارة.
الصين فهمت أن السيطرة على العالم لا تحتاج دائمًا إلى الطائرات والصواريخ…
بل تحتاج أحيانًا إلى امتلاك الفحم نفسه الذي يُشوى عليه العالم.
إنها تشاهد “البولفاف” العالمي بهدوء التاجر الذي يعرف أن كل أزمة جديدة تعني أرباحًا جديدة.
أوروبا… قارة العطور فوق رائحة الاحتراق
القارة التي صدّعت رؤوس العالم لعقود بشعارات الحرية والإنسانية، اكتشفت فجأة أن الديمقراطية تصبح جميلة فقط عندما تكون بعيدة عن فواتير الغاز والهجرة والإرهاب والبطالة والانكماش الاقتصادي.
في النهار، يتحدث القادة الأوروبيون عن القيم الكونية وحقوق اللاجئين…
وفي الليل، يغلقون الحدود بالأسلاك الشائكة والكاميرات الحرارية والزوارق العسكرية.
أوروبا اليوم تشبه شخصًا يرتدي بدلة فاخرة داخل مطبخ مليء بالدخان، يحاول إقناع الجميع بأن رائحة الاحتراق مجرد “عطر دبلوماسي جديد”.

الأمم المتحدة… نادل أنيق في مطعم يحترق
أما الأمم المتحدة حيث تذبح الديمقراطية في مهدها من. طرف النافدين أصحاب حق النقض الفيتو. فقد تحولت إلى نادل فاخر داخل مطعم مشتعل.
تكتب التقارير…
تعقد الاجتماعات…
تصدر بيانات “القلق العميق”…
بينما العالم ينهار قطعة قطعة.
كلما سقط آلاف القتلى، خرج مسؤول أممي بوجه حزين وربطة عنق زرقاء ليقول:
“نحن نتابع الوضع بقلق بالغ”.
قلق بالغ؟
العالم كله أصبح “بولفافًا” محترقًا، وهم ما زالوا يناقشون نوعية الفحم المستعمل داخل مجلس الأمن.
الشرق الأوسط… السيخ الذي لا يتوقف عن الدوران
في الشرق الأوسط، يبدو المشهد أكثر عبثية من أي رواية سوداء.
حروب…
تطبيع…
ميليشيات…
قواعد عسكرية…
ثورات مؤجلة…
وأنظمة تتحدث عن السلام بينما تحمل علبة ثقاب في الجيب الآخر.
النفط يحكم…
والدين يُستعمل…
والشعوب تدفع الثمن دائمًا.
حتى القضية الفلسطينية، التي كانت يومًا قضية ضمير عالمي، تحولت أحيانًا إلى بند تفاوضي على موائد المصالح الدولية، يتجادل حوله الكبار كما يتجادلون حول طريقة تقديم “البولفاف السياسي” دون إحراج الضيوف.
إفريقيا… قارة تُشوى بثرواتها
إفريقيا لا تزال تدفع ثمن قرون من الاستعمار القديم والجديد.
ذهب…
يورانيوم…
فوسفاط…
غاز…
ألماس…
وثروات تكفي لإطعام نصف العالم…
لكن الملايين ما زالوا يبحثون عن الماء والخبز والدواء.
الغرب يريد إفريقيا سوقًا…
والشرق يريدها بوابة…
وبعض الحكام يريدون فقط البقاء فوق الكرسي ولو احترقت القارة كلها.
إفريقيا اليوم ليست فقيرة…
بل محاصرة بطهاة دوليين يتقاسمون الفحم واللحم معًا.
الإعلام العالمي… قنوات للشواء المباشر
حتى الإعلام الدولي لم يعد ينقل الحقيقة…
بل ينقل زاوية الشواء المناسبة لمصالح مموليه.
قتيل هنا يصبح خبرًا عاجلًا…
وقتيل هناك يتحول إلى رقم صغير أسفل الشاشة.
طفل في دولة معينة يهز ضمير العالم…
وألف طفل في مكان آخر لا يحصلون حتى على صورة واضحة.
الحقيقة نفسها أصبحت “بولفافًا إعلاميًا” يتم تتبيله حسب اتجاه الرياح السياسية والإعلانية.
العالم لا يكتفي بـ”البولفاف”… بل يُعد “القديد” أيضًا
بعد أن انتهت القوى الكبرى من شواء “البولفاف” فوق نار الحروب السريعة، بدأت الآن مرحلة إعداد “القديد” السياسي؛ أي تجفيف الأزمات وتعليقها لسنوات طويلة حتى تبقى صالحة للاستعمال كلما احتاجت الإمبراطوريات إلى تخويف الشعوب أو رفع أسعار النفط أو بيع مزيد من الأسلحة.
الحروب الحديثة لم تعد تُطبخ للأكل الفوري فقط…
بل أصبحت تُجفف وتُخزن بعناية داخل ثلاجات المخابرات الدولية.
غزة وأوكرانيا… “قديد” العصر الحديث
بعض الملفات الدولية لم تعد مجرد نزاعات عابرة، بل تحولت إلى “قديد” سياسي عالمي.
كلما خفتت النيران…
أعادوا إشعالها بتصريحات جديدة…
وعقوبات جديدة…
وشحنات أسلحة جديدة…
وتحليلات تلفزيونية جديدة.
أوكرانيا أصبحت “قديدًا” أطلسيًا معلقًا بين واشنطن وموسكو.
وغزة تحولت إلى جرح إنساني مجفف يتغذى عليه تجار السياسة والمآسي والخطابات الموسمية.
تجار الأزمات… محترفو تعليق “القديد”
هناك أنظمة وشركات ولوبيات لم تعد تبحث عن حل المشاكل، لأنها ببساطة تعيش عليها.
تقتات من استمرار التوتر…
وتربح من الخوف…
وتستثمر في الانتظار الطويل.
هؤلاء لا يريدون إطفاء الحرائق…
بل يريدون فقط تحويلها إلى “قديد” سياسي صالح للاستعمال كل موسم.
الشعوب… من “البولفاف” إلى “القديد”
في الماضي كانت الشعوب تُشوى بسرعة فوق نار الحروب والانقلابات، أما اليوم فقد دخل العالم مرحلة أكثر قسوة: مرحلة التجفيف البطيء.
ارتفاع الأسعار…
الضرائب…
الديون…
الأزمات النفسية…
الخوف من المستقبل…
كلها وسائل حديثة لتحويل الإنسان المعاصر إلى “قديد” سياسي واقتصادي وإنساني، يعيش نصف محترق ونصف مجفف.

لقد نجح العالم المعاصر في اختراع أخطر وصفة سياسية في التاريخ:
يشوي الشعوب أولًا كـ”بولفاف”…
ثم يعلق ما تبقى منها كـ”قديد” فوق دخان المصالح الدولية حتى لا تنتهي الأزمة أبدًا.
العالم الإسلامي… بين “البولفاف” و”الدوارة”
ووسط كل هذا الخراب والجوع والحروب والذكاء الاصطناعي والصراعات الفضائية، ما زال جزء كبير من العالم الإسلامي يحاول إقناع نفسه بأن الدنيا بخير، فقط لأن “البولفاف طاب”، و”القديد تعلّق”، و”عرفة مباركة”، و”ميمونة ميمونة”، و”الله يدخل هاد العواشر على خير”.
وكأن الأمة لم يعد لديها مشروع حضاري سوى إتقان طقوس الأكل، وعدّ رؤوس الأكباش، ومقارنة أسعار الخرفان، وتصوير موائد الشواء والدوارة والقديد أكثر مما تصور جامعاتها ومختبراتها ومصانعها.
صرنا أمة تتابع نشرات الحروب بالصوت الخافت… حتى لا تفسد علينا رائحة “البولفاف”.
تشتعل غزة… فنقلب السيخ.
تنهار دول… فنعلق “القديد”.
ترتفع الأسعار… فنقول: “العيد ما كايجيش كل نهار”.
العالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية وغزو الفضاء… بينما ما زال كثيرون يتجادلون حول:
هل “بولفاف” الفحم ألذ أم “بولفاف الكانون”؟
العالم ينتظر دوره على السيخ
العالم اليوم لا يعيش حربًا واحدة، بل يعيش حفلة شواء كونية مفتوحة، يتناوب على إدارتها زعماء يرتدون بذلات أنيقة بدل مآزر الطهاة، ويتحدثون عن الإنسانية بينما أيديهم مليئة برائحة الفحم والدم والنفط والبارود.
لقد أصبح الكوكب كله “بولفافًا سياسيًا” ضخمًا فوق جمر المصالح، حيث تُشوى الدول الصغيرة أولًا، ثم الشعوب، ثم القيم، ثم الحقيقة نفسها.
والمخيف أكثر…
أن البشرية بدأت تعتاد رائحة الاحتراق.
بل إن بعض قادة العالم لم يعودوا يبحثون عن إطفاء النار…
بل فقط عن أفضل مكان للجلوس حول المجمر قبل أن يصلهم الدور على السيخ.



