كتاب البديل

المعاهدة المغربية الفرنسية المرتقبة: و”قصعة الكسكس بسبع خضاري”؟

 

نعم، كما يوحي بذلك العنوان أعلاه، من المتوقع أن تكون زيارة الدولة التي سيقوم بها جلالة الملك محمد السادس لفرنسا، بدعوة رسمية من رئيس الجمهورية الفرنسية إمانويل ماكرون، زاخرة بحمولات متنوّعة ومن كل الأحجام والألوان والأوزان، وتكون مختلفة تمام الاختلاف عن كل الزيارات السابقة، ليس فقط في حمولتها السياسية الوازنة والمنتظرة وإنما، على الخصوص، فيما يُنتظر أن تُسفر عنه من اتفاقيات غير مسبوقة رفعها وزير الخارجية الفرنسي إلى مرتبة “المعاهدة”، مصرّحاً بأنها ستشمل كل القطاعات الحيوية بالبلدين، وفي طليعتها العسكرية الدفاعية، والأمنية المخابراتية، والتكنولوجية السيبرانية، فضلا عن قطاع الصناعات الحربية، وقطاعات الاقتصاد والمال والأعمال والخدمات، والمعاملات البنكية، والاتصالات، وبطبيعة الحال وبلا أدنى جدال، كل فعاليات الشراكة والتعاون في مجالي العدالة والقضاء، وفي مجالات الثقافة والرياضة والسياحة والفنون… وهلم جرا.

مثل هذا النوع من المعاهدات لم يسبق لفرنسا أن أبرمته مع أي دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، كما لم يسبق للمغرب ان عقده مع أي دولة في ذلك الاتحاد بشكل خاص، ولا في الإطار الجغرافي الأوروبي بشكل عام.

الجدير بالملاحظة في هذا الخبر ذي الحمولة الثقيلة، والتنوع الثّريّ، أن وزير الخارجية الفرنسي اختار أن يعلن عنه من العاصمة المغربية، الرباط، وهذا له مغزى سياسي ودبلوماسي لن تخفى دلالاته على المتتبعين للشأنيْن المغربي والفرنسي، والمغاربي والعربي الفرنسي، وكذلك الإفريقي الفرنسي، فضلاً عن كون هذا الإعلان المدوّي جاء مباشرةً بعد زيارة وزير العدل الفرنسي للجزائر، ولقائه المطوّل، أو الماراثوني، مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، مما يوحي بوجود برودة شبه قاتلة بين الطرفين في عمق علاقاتهما، بالرغم مما يُظهِرانه على سطح تلك العلاقات من عناوين وشعارات تبشر بعودة الدفء إليها، وتتحدّث عن استئناف التباحث حول موضوع “الذاكرة”، أقصد “الذاكرة الاستعمارية”، وجبر الأضرار المترتبة عنها، واستعادة الجماجم… الى آخر تلك الأسطوانة المشروخة، ومحاولة تصحيح، أو بالأحرى محاولة جبر بعض آثارها التي ما زالت تُلقي بكلكلها على عاتق المسؤولين في كل من قصر الإيليزي وقصر الموراديا…

وعلى ذكر جارتنا الشرقية، فقد شهدت هذه الجارة ولا تزال تشهد لحد الساعة هزات سياسية وأمنية شديدة القوة، لماذا؟.. لأن البطل في هذه الأحداث ليس سوى المغرب، ولأن المستفيد من كل ما سلف قوله هو المغرب، وهذا وحده كافٍ لقضّ مضاجع عساكر الموراديا وطرد النوم من أعينهم، وإبعاد الراحة إلى إشعار آخر، عن أجسادهم المترهلة والمُتْعَبَة…

وعلى حد قول أحد المحللين الجزائريين النزهاء والموضوعيين، وقد كان ضابطا سامياً في الجيش الشعبي قبل أن يفر بجلده ويغترِب: “فإن الحالة في قصر الموراديا تبدو أسوأ من أي وقت مضى، خاصة وأنّ سكانها يتوقعون أن تشمل المعاهدة المغربية الفرنسية المرتقبة اتفاقاً للتعاون العسكري، الذي قد يَرقَى إلى مستوى تأمين الدفاع المشترك”، كما قال نفس المحلل… و”هنا طاح الريال.. وهنا نلعبو عليه” كما تقول الأنشودة المغربية الشعبية المأثورة إشارةً إلى انكشاف الغطاء عن حدث من الأهمية بمكان…

ونعود لسؤالنا في العنوان اعلاه، لنسجل أن فرنسا تحاول فعلا أن تعادل الكفة في ميزان علاقاتها مع المملكة المغربية، موازاةً مع مستوى العلاقات المغربية الأمريكية، علما بأن الاتفاقيات المغربية، مع هاتين الدولتين العُظميَيْن، لا تخرج عن نفس نطاق التوسع السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري، وبالتالي الحربي، لحلف الشمال الأطلسي، الناتو، وبذلك يكون هذا التنافس بين فرنسا والولايات المتحدة على كسب وِدِّ البوابة الإفريقية الموثوقة، المملكة المغربية، مكسباً هائلاً لبلادنا على الخصوص، مهما كان الراجح فيه بين الطرفين الفرنسي والأمريكي، يُزكي هذا الطرح أن الاتحاد الأوروبي والمعسكر الغربي عامة لن يرى فيه إلا ما يخدم مصالحه في إفريقيا، ولِمَ لا أيضاً، ما يخدم منافعه ذات السبغة الفرنسية الأمريكية والشمال أطلسية على الصعيدين المغاربي والعربي… ألسنا هاهنا أمام “قصعة كسكسو بسبع خضاري” ؟!!
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى