نريد أن نفهم: “مؤسساتنا الصحافية.. هل هي معنا أو مع خصومنا”؟

نريد أن نفهم: “مؤسساتنا الصحافية.. هل هي معنا أو مع خصومنا”؟
راجت قبل يومين أخبار في غاية الغرابة، مفادُها أن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، اتصل بوزير خارجية إسبانيا خوسي مانويل ألباريس، وأكد له أن ما صدر من تصريحات عن وزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، بخصوص “مغربية سبتة ومليلية والجزر”، لا علاقة له بالموقف الحكومي الرسمي، وإنما جاء في إطار الحملة الانتخابية الواقفة على الأبواب، وأن تلك التصريحات لا تخرج عن هذا الإطار.
الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها أي متتبع لهذا الخبر، هي: هل فعلا اتصل وزير خارجيتنا بوزير الخارجية الإسباني مباشرة كما جاء في الخبر؟ وهل صرح له بذلك فعلاً؟ وعلى أي أساس يأتي وزير خارجية في حكومة من الحكومات هكذا ليفند كلاماً أو تصريحاً صادراً عن أعضاء معه في نفس الحكومة؟ وهل هذه مهمة وزير الخارجية أو رئيس الحكومة، الذي لديه صلاحية الإشراف على أداء أعضائها والتوجه إليهم بالملاحظات أو المؤاخذات على تصريحاتهم عند الاقتضاء؟
هناك سؤال آخر كان على المصدر الصحافي المغربي الذي نشر هذا الخبر، بمنتهى “الغباء المهني”، أن يوجهه لنفسه قبل أن يبثّه، وهو: هل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في الأساس، يمثّل حزباً سياسياً من الأحزاب المغربية، ويخوض بالتالي حملته الانتخابية، كما هو الشأن منطقياً وواقعياً بالنسبة لنظيره المكلف بحقيبة العدل؟
ثم هناك السؤال الأكبر والأصعب، والذي لا يجوز لأي إعلامي أن يغفل عنه عند معالجته لأي نبإ وازنٍ من هذا القَبيل، وفي هذه الظرفية الإقليمية بالذات، وهو: هل نشْرُ الخبر المعنيّ فيه خدمة لمصلحة الوطن أم لا؟ وفي حالة الإجابة السلبية، ما هي المصلحة التي يخدمها ذلك الخبر؟
للأسف الشديد، أن المؤسستين الوحيدتين اللتين بثّتا ذلك الخبر الغريب لم تكلفا نفسَيْهما عناء البحث في صحته ومَوْثوقية مصادره، ولم تطرحا على نفسيهما أيَّ سؤال من الأسئلة سالفة الإشارة، وبذلك نشرتا خبراً لا أساس له من الصحة، لأن الترجمة الكاملة لتصريحات وزير الخارجية الإسباني التي انبثق منها الخبر ذاتُه، لم يرد فيها مطلقا أن وزير الخارجية ناصر بوريطة قال له ذلك، بل جاء فيها بالحرف أن الوزير ألباريس “نُقِل إليه أنّ ما صرح به وزيرا العدل والأوقاف المغربيان يدخل، فحسب، في إطار الحملة الانتخابية الجارية فعالياتها بالمغرب”… نُقِل إليه فقط، ولا ريب أن المؤسستين الناشرتين للخبر تعلمان أن صيغة “فعل النقل” هذه “مبنية للمجهول”، وأن وزير الخارجية الإسباني أرادها أن تكون كذلك بالتحديد… فأين هي المهنية؟!
وأما اتصال وزير الخارجية المغربي بنظيره الإسباني فقد وقع بالفعل، ولكن في إطار آخر، أكد فيه الوزير المغربي لنظيره الإسباني “أن الأحداث التي شهدتها حدود سبتة (المحتلة) لا علاقة للدولة المغربية بها من قريب ولا من بعيد”… هذا كل ما جاء في تصريحات وزير خارجية إسبانيا، وهذا كل ما في الأمر.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وفي هذا السياق بالذات، هو: ما الذي يخدمه ناشرو ذلك الخبر المزوَّر والمحرَّف والخالي من كل مصداقية، في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية شدّاً وجذباً شعبويَّيْن بكل المعايير، بالنظر للمظاهرات الحاشدة هناك، والتي وصل الأمر فيها إلى تمزيق العلم المغربي وإحراقه، بينما الوجه الظاهر من تلك العلاقات لا يفتأ يوحي بالتفاهم والتعاون والشراكة المنتجة والمثمرة؟
وبمناسبة الحديث عن تمزيق رايتنا وإحراقها، لقد اتضح من الصور التي تداولتها وسائل الإعلام والتواصل حول ذلك الفعل الساقط، أن الفاعل جزائري الجنسية، وبالتالي فتلك الهيللة الشعبوبة لا تخدم سوى أجندات خصوم وحدتنا الترابية، الذين “يموّلون بالواضح الفاضح” كل الحركات المناوئة لنا في أي بقعة من المعمورة، وبتحصيل الحاصل، فإن خبراً زائفاً مثل الذي تناولتُه أعلاه لا يمكن أن يخدم إلا نفس الرهط الساكن وراء حدودنا الشرقية، لأنه يصب في بوصلة محاولاته المستمرة لإفساد الود بيننا وبين جارتنا الشمالية، وكذلك بيننا وبين الاتحاد الأوروبي برمته !!
المشكل، إذَنْ، ليس في الخبر الزائف فحسب، بل المشكل أن صحافتنا صارت تنشر على أساس “قالوا إنهم قالوا”… فتعبير “نُقِل إليّ” الذي فاه به الوزير ألباريس، تحوّل عند هؤلاء الصحافيين “غريبي الأطوار” إلى عبارة “قال لي”. وبذلك لم يفرّقوا بين المبني للمجهول والمبني للمعلوم، وهنا الكارثة. لأنك حين تبدأ في اللعب بتصريحات وزراء، وفي ملف سبتة ومليلية والجزر بالذات، فأنت لا تنشر خبرا زائفاً فقط، بل أنت توقّع من تلقاء ذاتك على “معاهدة استسلام بالوكالة”.
إن السيادة يا صحافيي آخر الزمان لا مكان فيها لكلمات مبهمة وغامضة مثل “سمعت” أو “قالو لي”.
ومرة أخرى، مَن يملك حق التفنيد في الحكومة؟ إنّ البروتوكول واضح، ومفادُه أن وزير الخارجية يتكلم باسم السياسة الخارجية لا غير، ورئيس الحكومة هو الذي يتكلم باسم الحكومة. أما أن يخرج وزير ليفند تصريحات وزيريْن آخرَيْن في نفس الحكومة، وعبر قنوات دبلوماسية أجنبية، فهذه “فوضى دستورية” بكل المقاييس. لأنه إذا كان الخبر صحيحاً فتلك مصيبة، أمّا إذا كان كاذباً فالمصيبة أعظم، لأن مَن نشره يريد إيهام المتلقّين بأن حكومتنا مفكَّكة، وأنها تتآمر على نفسها في العلن، وفي الحالتين معاً: مَن المستفيد؟!
ثم لماذا هذا الخبر الزائف الآن بالذات؟ في توقيت يتطاول فيه الشعبويون الإسبان على رايتنا بالتمزيق والحرق، وفي وقت تضخّ الجزائر فيه الأموال لكل الحركات المعادية لنا؟! كيف يخرج “إعلام مغربي” ليبث خبراً مفاده “أنّ حكومتنا تتراجع وتعتذر”؟! هذا ليس سبقاً صحافياً يا “هُواة”، هذا طعن في الظهر، وخدمة مجانية للآلة الدعائية التي يُجهّزُها ويُموّلها أعداء الوطن.
إن هذا النوع من العمل “اللاإعلامي” و”اللااحترافي” يمكّن أولئك الأعداء من الذخيرة ويقول لهم: “أنظروا إلى المغاربة، والرسميين منهم خاصةً، إنهم لا يستطيعون الاتفاق حتى على أكثر ملفاتهم أولويةً” !!
ختاماً، إن السؤال في العنوان أعلاه سيظل مطروحاً وبقوة: “مؤسساتنا الصحافية.. هل هي معنا أو مع خصومنا”؟ وإنّ الصحافة، يا حضرات، ليست مجرد سبورة نخطّ فيها أي شيء سمعناه. الصحافة في قضايا الوطن هي خط الدفاع الأول، وبالتالي فهي المطالَبة قبل غيرها بالفلترة، والتصفية، وبالتحليل والمساءلة، لأنها ملزَمة بحماية المصلحة العليا والفُضلى للوطن قبل “الترافيك” و “البوز” اللذين يمكن أن يحققهما سبقٌ صحافيٌّ عابر.
ونهايته… إن ما وقع ليس خطأً مهنياً عابراً، بل هو اختبار لمدى “وعينا بخطورة الكلمة” في زمن “الحروب الهجينة”. فإما أن نكون إعلاماً وطنياً يحمل هَمّ الوطن، أو نكون مكبر صوت يُستعمَل ضد الذات… وفوق ذلك ندفع له من جيوبنا.
في ملف الوحدة الترابية بالذات، لا يوجد “رأي ورأي آخر”، وإنما هناك موقف وطني واحد، وهو أن “سبتة ومليلية والجزر مغربية، شاء من شاء وأبى من أبى داخل الوطن وخارجه”. ومن لم يفهم هذا، فمن الأفضل له أن يصمت، لأن الصمت أحياناً أكرم من “خبر يذبح الوطن بدم بارد”… عجبي !!!
____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



