كتاب البديل

هل يمكن ان تصبح البرتغال بديلا استراتيجيا في العلاقات المغربية الاروبية وبوابة نحو أفريقيا في ظل التعنت والابتزاز الإسباني للمغرب ؟

 

مقدمة التعريف بالعلاقات وتاريخها

تضرب جذور العلاقات المغربية-البرتغالية في أعماق التاريخ الإقليمي لشبه الجزيرة الإيبيرية وشمال إفريقيا، حيث تراوحت عبر القرون بين الصراع العسكري والتفاعل التجاري والثقافي. فمنذ فترات التواجد الإسلامي بالأندلس والامتدادات الإمبراطورية للموحدين والمرابطين، مرورا بمرحلة الثغور والمراسي الاستعمارية البرتغالية بالسواحل المغربية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر (مثل سبتة، آسفي، وأزمور)، وصولاً إلى إبرام واحدة من أقدم معاهدات السلم والصداقة الثنائية سنة 1774 في عهد السلطان محمد بن عبد الله؛ طورت البلدان نموذجاً من الجوار الحذر الذي تحول في العصر الحديث إلى شراكة استراتيجية هادئة ومستقرة.

وفي السياق الجيوسياسي الراهن، تبرز البرتغال كفاعل إقليمي وازن يتفاعل بحذر وإيجابية مع الديناميات الأطلسية والمتوسطية، في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية-الإسبانية هزات متكررة ومناورات دبلوماسية مرتبطة بملفات السيادة الترابية للمملكة المغربية وموقف مدريد المتردد أحياناً بين التنسيق مع الرباط وورقة الضغط الأوروبية. من هنا تبرز الإشكالية الأساسية للموضوع: إلى أي مدى يمكن للبرتغال أن تشكل بديلاً استراتيجياً وبوابة اقتصادية وجيوسياسية موثوقة للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، بديلة أو موازية للدور الإسباني، وما هي التداعيات السياسية والجيوسياسية لهذا التحول على موازين القوى في شبه الجزيرة الإيبيرية؟

للاجابة عن هذه الإشكالية، سنسلك خطة من قسمين: الأول يبحث في الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية لصعود البرتغال كبديل أوروبي وممر شمال-جنوب، بينما يخصص الثاني لتحليل التداعيات والآثار السياسية والاستراتيجية لهذا التحول على كل من الرباط ولشبونة ومدريد.

القسم الأول: البرتغال كبوابة أطلسية وبديل اقتصادي في محور “شمال-جنوب”

1. تقوية العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية
شهدت المبادلات التجارية بين المغرب والبرتغال طفرة نوعية خلال العقد الأخير، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري عتبة 23 مليار درهم، مدعوماً برغبة مشتركة في تنويع الشراكات خارج الأطر التقليدية. ولم تعد العلاقات تقتصر على الميزان التجاري البسيط، بل امتدت لتشمل الاستثمارات المتبادلة في قطاعات حيوية مثل الطاقات المتجددة، صناعة السيارات، التجهيزات الكبرى، والربط الكهربائي والرقمي البحري. هذا النسق التصاعدي يكرس البرتغال كشريك تجاري موثوق يتميز باستقرار موقفه السياسي مقارنة بالتذبذب الإسباني.

2. إمكانية حلول البرتغال محل إسبانيا كفاعل أساسي أوروبياً
على المستوى الدبلوماسي والمؤسساتي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت لشبونة مواقف متقدمة وأكثر ثباتاً تجاه والمصالح الحيوية للمغرب، توجت بالتعبير الصريح عن دعم لشبونة لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية باعتبارها الأساس الجدي والحل الواقعي الوحيد برعاية الأمم المتحدة. هذا الوضوح الموقف يمنح البرتغال أفضلية تنافسية لتكون “الناطق” أو “المُيسّر” الأساسي للملفات المغربية داخل بروكسل، مع إمكانية تعويض الدور الإسباني في حال استمرار سياسة الابتزاز أو المناورة التي تنهجها مدريد بين الحين والآخر تجاه الوحدة الترابية للمغرب.

3. البرتغال بوابة لأوروبا في إطار علاقات “شمال-جنوب”
بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي على الواجهة الأطلسية وانفتاحها على الفضاء الإفريقي عبر بوابتها المغربية، ترتسم البرتغال كجسر طبيعي يربط السوق الأوروبية بالاقتصادات الإفريقية الصاعدة. وفي ظل المبادرات الملكية الأطلسية الكبرى (مثل مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية ومشاريع أمن الطاقة والربط القاري)، تجد البرتغال نفسها في صلب محور “شمال-جنوب”، مستفيدة من الاستقرار المغربي وجاذبيته الاقتصادية لتلعب دور منصة إعادة التصدير واللوجستيات الكبرى نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

القسم الثاني: الآثار السياسية والجيوسياسية للتحول الإيبيري-المغاربي

1. على مستوى إضعاف المناورات الإسبانية وخلق حلفاء جدد في بروكسل
تقويض ورقة “الابتزاز الإيبيري”: إن تعزيز التقارب المغربي-البرتغالي يوجه ضربة استراتيجية لسياسة الحنين الإمبراطوري والمناورة المزدوجة التي تنهجها إسبانيا أحياناً بين استخدام المغرب ورقة ضغط في بروكسل، أو محاولة الاستفراد بالدور الأوروبي في شمال إفريقيا. فوجود شريك إيبيري منافس وموثوق (البرتغال) يسحب من يد مدريد احتكار تمثيل البوابة الجنوبية لأوروبا، ويجعل صانع القرار الإسباني مجبراً على تبني مواقف أكثر براغماتية ووضوحاً بعيداً عن سياسة الحسابات الضيقة والمناورات غير المضمونة.
البرتغال كثقل موازن وحليف داخل الاتحاد الأوروبي: لا يقتصر الأمر على مجرد بديل اقتصاد؛ بل يتحول هذا المحور إلى نواة لضغط سياسي إيجابي داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. فدعم لشبونة الثابت للمغرب يمنح الرباط صوتاً قوياً داخل المؤسسات الأوروبية يعاكس الأجندات التقليدية المناهضة للوحدة الترابية للمغرب، مما قد يفرز تحالفات أوروبية-مغاربية جديدة (تضم البرتغال إلى جانب عواصم أوروبية وازنة) تجعل من الموقف الإسباني المتردد معزولاً أو محكوماً بمنطق التوافق الجماعي بدلاً من المناورة المنفردة.
2. على مستوى المملكة المغربية: تنويع التحالفات وتعزيز المكتسبات الدبلوماسية
فك الارتباط الاضطراري: يتيح التقارب المتنامي مع البرتغال للمغرب تقليص كلفة الاعتماد المفرط على الجار الإسباني، وتخفيف تداعيات الأزمات السياسية المفتعلة التي تثيرها مدريد بخصوص الحدود أو ملفات السيادة.
الريادة الأطلسية: يمنح هذا التحالف دفعاً قوياً للرؤية الاستراتيجية للمغرب الرامية إلى جعل واجهته الأطلسية فضاءً للاندماج الجهوي الدولي في تحالف عابر للأطلسي يربط إفريقيا بأوروبا عبر بوابات إيبيرية أكثر تفهماً للمصالح العليا للمملكة.
3. على مستوى الجمهورية البرتغالية: تعزيز الوزن الجيوسياسي والأدوار الإقليمية
تعظيم الدور الدبلوماسي: يرفع التقارب مع قوة إقليمية صاعدة كالمغرب من أسهم البرتغال داخل الاتحاد الأوروبي، ويجعلها محاوراً لا غنى عنه في صياغة السياسة الأوروبية تجاه الجوار الجنوبي وإفريقيا.
المكاسب الاقتصادية والطاقية: تستفيد لشبونة من فرص الاستثمار الواعدة في الطاقات النظيفة (الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والريحية) التي ينتجها المغرب، مما يضمن لها أمناً طاقياً مستقبلياً ومشاريع شراكة كبرى ممتدة نحو إفريقيا، فضلاً عن تحويل شبه الجزيرة الإيبيرية تدريجياً نحو دينامية إيجابية تقودها الرباط ولشبونة معاً.

خاتمة كاستنتاج

يؤكد التطور المتسارع في العلاقات المغربية-البرتغالية أن الدينامية الجديدة بين البلدين تتجاوز حدود التعاون الثنائي التقليدي لتطال هندسة التحالفات الإقليمية في غرب المتوسط والواجهة الأطلسية. وفي ظل سياسة المناورة والتردد التي تطبع أحياناً الموقف الإسباني تجاه قضايا السيادة المغربية، تثبت البرتغال قدرتها وكفاءتها الدبلوماسية والاقتصادية للعب دور البديل الاستراتيجي والبوابة الأوروبية الأكثر موثوقية للمغرب. إن هذا التقارب النوعي لا يقتصر أثره على تعزيز المصالح المشتركة فحسب، بل يمتد ليؤسس لمعادلة جيوسياسية جديدة تحاصر مناورات إسبانيا، وتجعلها تدريجياً حلقة أقل تأثيراً في حال استمرارها في سياسة الرمادي، بينما تبرز لشبونة كحليف أوروبي وازن يكرس شراكة “شمال-جنوب” قائمة على الندية والاحترام المتبادل.

بقلم : الدكتور المصطفى قاسمي
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى