🚨🚩عدالة أجرية في الداخلية: بين خصوصية الميدان وامتيازات المنصب

🚨🚩عدالة أجرية في الداخلية: بين خصوصية الميدان وامتيازات المنصب
بقلم حميد فوزي
يُعيد ملتمس أطر وموظفي وزارة الداخلية إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا، سؤالَ ملاءمة الوضعيتين الأجرية والوظيفية لطبيعة المهام في قطاع يتحمّل أعباءً ميدانيةً وديمومةً تشغيليةً لا تقبل التأويل، وهو ما يجعل المطالبة بنظام أساسي خاص أو مرسوم تعويضات قطاعي أقرب إلى استحقاق من كونه ترفًا نقابيًا، خصوصًا حين تُقْرَنُ المطالبُ بدعوةٍ إلى كسرِ «الحصرية» عن مناصبَ عليا ظلتْ لسنواتٍ حكْرًا على مساراتٍ وظيفيةٍ محدّدةٍ.
في صلب المذكرة المرفوعة إلى وزير الداخلية، مع نسخةٍ إلى رئيس الحكومة، تتقدّمُ فكرةُ «الخصوصية» كمعيارٍ مؤسِّسٍ لأيّ إصلاحٍ أجريٍ، إذ لا يُعْقَلُ أن تُوكَلَ مهامٌّ ميدانيةٌ محفوفةٌ بالمخاطرِ ومتطلّبةٌ للديمومةِ ثم تُقاسَ تعويضاتُها بمعاييرَ عامةٍ لا تميّزُ بين مكتبٍ هادئٍ وميدانٍ متوتّرٍ، ومن هنا تأتي المطالبةُ بتعويضاتٍ شهريةٍ عن الأعباءِ الخاصةِ والمخاطرِ المهنيةِ، وبمنحٍ للمردوديةِ والمسؤوليةِ الدوريةِ على غرارِ صناديقَ خصوصيةٍ اعتمدتْها قطاعاتٌ وزاريةٌ أخرى، في محاولةٍ لردمِ الهوةِ التي تمسُّ حافزيةَ الموظفين وتُضعِفُ جاذبيةَ المسارِ المهني.
غيرَ أنّ الملفَّ لا ينحصرُ في المالِ وحده، بل يتجاوزه إلى هندسةِ المسارِ الوظيفيِّ ذاتِها، حيث تتصدّرُ المطالبةُ بفتحِ منصبِ الكاتبِ العامِّ أمامَ أطرِ الوزارةِ ورؤساءِ الأقسامِ الممارسين، سواءً بالإدارةِ المركزيةِ أو على مستوى العمالاتِ والأقاليمِ والولاياتِ، قائمةَ المطالبِ، بوصفِه وظيفةً محوريةً في التدبيرِ الترابيِّ والإداريِّ، وهو ما يجعلُ الإبقاءَ على «حصريةٍ» غيرِ مبرّرةٍ في بعضِ الحالاتِ إشكالًا بنيويًا يمسُّ مبدأَ الاستحقاقِ والكفايةِ وتكافؤِ الفرصِ، ويحوّلُ السقفَ الزجاجيَ أمامَ الكفاءاتِ الميدانيةِ إلى حاجزٍ مؤسّسيٍّ يُثبِّطُ الهممَ ويُشجّعُ على هجرةِ الكفاءاتِ نحوَ قطاعاتٍ تُقدّمُ آفاقًا أوضحَ.
وعلى الرغمِ من أنّ الدعوةَ إلى مأسسةِ التعويضِ عن الديمومةِ والساعاتِ الإضافيةِ تبدو تقنيةً في ظاهرها، فإنّها في حقيقتِها اعترافٌ مؤسّسيٌّ بأنّ وقتَ الموظّفِ في الداخليةِ ليس كوقتِ غيرِه، وأنّ «الحضورَ» في هذا القطاعِ يتجاوزُ الدوامَ الرسميَّ ليشملَ الطوارئَ والتدخّلاتِ الميدانيةَ التي لا تعرفُ تقويمًا زمنيًا مضبوطًا، وهو ما يقتضي، منطقًا، آلياتَ تعويضٍ مرنةً وشفّافةً، لا خاضعةً لتقديراتٍ إداريةٍ قد تختلفُ من جهةٍ إلى أخرى ومن مسؤولٍ إلى آخر.
أمّا البعدُ الاجتماعيُّ للمطالبِ، والمتمثّلُ في توسيعِ اتفاقياتٍ تفضيليةٍ في السكنِ عبرَ مؤسساتِ الأعمالِ الاجتماعيةِ، فيكشفُ عن وعيٍ بأنّ العدالةَ الأجريةَ لا تكتملُ بدونِ عدالةٍ في ظروفِ العيشِ، وأنّ الموظّفَ الميدانيَّ لا يُنتَظَرُ منه فقط أن يؤدّيَ واجبَه، بل أن يعيشَ أيضًا بكرامةٍ في بيئةٍ سكنيةٍ لائقةٍ، وهو ما يجعلُ من السكنِ التفضيليِّ أداةَ تحفيزٍ غيرَ مباشرةٍ لكنها بالغةُ الأثرِ في استقرارِ الأسرِ وتقليلِ التوتّرِ المعيشيِّ.
غيرَ أنّ الإشكالَ النقديَّ الأبرزَ يظلُّ مرتبطًا بالسياقِ العامِّ للوظيفةِ العموميةِ، حيث تتعدّدُ المطالبُ القطاعيةُ وتتفاوتُ قدرةُ الدولةِ على الاستجابةِ، وهو ما يطرحُ سؤالَ الأولوياتِ: هل تُعالَجُ مطالبُ الداخليةِ كملفٍّ استثنائيٍّ بحكمِ الطبيعةِ الأمنيةِ والإداريةِ للقطاعِ، أم تُدمَجُ في رؤيةٍ شاملةٍ لإصلاحِ الأجورِ والمساراتِ الوظيفيةِ عبرَ وزاراتٍ عدّةٍ؟ وإنْ كانتِ الإجابةُ تميلُ إلى الاستثنائيةِ، فكيفَ تُضبطُ المعاييرُ حتى لا تتحوّلَ «الخصوصيةُ» إلى امتيازٍ يُثارُ حوله جدلُ الإنصافِ بينَ القطاعاتِ؟
في الختام، يُشكّلُ ملتمسُ أطرِ وموظّفي الداخليةِ اختبارًا لقدرةِ الدولةِ على الموازنةِ بينَ مقتضياتِ الحفظِ الأمنيِّ والإداريِّ وبينَ مبادئَ العدالةِ الأجريةِ والوظيفيةِ التي تُؤسّسُ لثقةِ الموظفينِ بمسارِهم المهنيِّ، فإنْ أُجيبَ عنه بإصلاحٍ هيكليٍّ يكرّسُ الخصوصيةَ دونَ إغراقٍ في الامتيازاتِ، وفتحٍ للمناصبِ العليا على الكفاءاتِ دونَ إهدارٍ لمعاييرَ الكفاءةِ والنزاهةِ، أمكنَ تحويلُ المطالبِ إلى رافعةٍ لتحسينِ الأداءِ المؤسّسيِّ، وإلّا فإنّ الملفَّ قد يتحوّلُ إلى ملفٍّ نقابيٍّ متصاعدٍ يُعيدُ إنتاجَ أسئلةِ الإنصافِ في كلِّ محطةِ تفاوضٍ مقبلةٍ.



