
🚨🚩تمزيقُ العلمِ أمامَ البرلمانِ الإسبانيِّ: انزلاقٌ رمزيٌّ يهددُ مسارَ الرباطِ ومدريدَ
بقلم حميد فوزي
تمزيقُ العلمِ المغربيِّ أمامَ واجهةِ مجلسِ النوابِ الإسبانيِّ بمدريدَ لم يكنْ مشهداً عابراً في زحمةِ احتجاجاتٍ إسبانيةٍ حولَ أزمةِ الهجرةِ غيرِ النظاميةِ في سبتةَ، بل كانَ انزلاقاً رمزياً ثقيلَ الدلالةِ يضعُ العلاقاتِ المغربيةَ-الإسبانيةَ على صفيحٍ ساخنٍ، ويختبرُ نضجَ النخبِ السياسيةِ في البلدينِ أمامَ إغراءِ توظيفِ الغضبِ الشعبيِّ لخدمةِ حساباتٍ داخليةٍ ضيقةٍ.
ففي قلبِ العاصمةِ الإسبانيةِ، وعلى مرأىً من مؤسسةٍ تشريعيةٍ أوروبيةٍ، أقدمَ نشطاءٌ منتمونَ إلى تياراتِ اليمينِ المتطرفِ على تمزيقِ العلمِ الوطنيِّ المغربيِّ، مصحوبينَ بشعاراتٍ معاديةٍ للمملكةِ وللجاليةِ المغربيةِ، في خطوةٍ لم تعدْ مجردَ استعراضٍ عدائيٍّ عابرٍ، بل تحوّلتْ إلى رسالةٍ سياسيةٍ مزدوجةٍ تستهدفُ من جهةٍ رمزيةَ الدولةِ المغربيةِ كطرفٍ فاعلٍ في معادلةِ الهجرةِ والسيادةِ، وتُوظّفُ من جهةٍ أخرى داخلياً لإحراجِ حكومةِ بيدرو سانشيزَ ودفعِها نحوَ تبني خطابٍ أكثرَ تشدّداً تجاهَ الرباطِ.

ولا يخفى أن هذا الفعلَ الرمزيَّ وقعَ في ذروةِ احتقانٍ سياسيٍّ إسبانيٍّ حولَ إدارةِ الحكومةِ لأزمةِ سبتةَ، حيثُ تحوّلتِ المدينةُ إلى ساحةِ مواجهةٍ بينَ الأحزابِ، معَ شعاراتٍ تصفُ ما يحدثُ بـ«الغزو» وتطالبُ بإجراءاتٍ عقابيةٍ ضدَّ المغربِ، بما في ذلكَ سحبُ السفراءِ وتجميدُ قنواتِ الحوارِ، في مناخٍ يجعلُ من تمزيقِ العلمِ وسيلةً لاختبارِ حدودِ «الخطِّ الأحمرِ» الدبلوماسيِّ، ودفعِ النقاشِ العامِّ نحوَ منطقِ المواجهةِ بدلاً من منطقِ التدبيرِ.
وعلى المستوى الدبلوماسيِّ يضعُ الفعلُ السلطاتِ الإسبانيةَ أمامَ خيارٍ صعبٍ، فإما التجاوبُ مع المطالبِ الراديكاليةِ بسحبِ السفراءِ وتجميدِ مساراتِ التعاونِ، أو الحفاظُ على مسارِ تطبيعٍ هشٍّ بُنيَ على تفاهماتٍ حولَ الهجرةِ والسيادةِ، بينما يضعُ الرباطَ أيضاً أمامَ مفترقِ طرقٍ، إذ إن أيَّ ردِّ فعلٍ غيرِ محسوبٍ قد يُقرأُ في مدريدَ «تصعيداً»، في حين أن الصمتَ قد يُفسَّرُ داخلياً في الرباطِ تفريطاً في السيادةِ الرمزيةِ.
أما على الصعيدِ الأمنيِّ والمجتمعيِّ فإنَّ الخطابَ المعاديَ للجاليةِ المغربيةِ يغذّي أجواءَ توترٍ قد تنتقلُ من الشارعِ إلى سياساتِ مراقبةٍ أكثرَ صرامةٍ، وتؤثرُ على حياةِ مغاربةٍ مقيمينَ في إسبانياَ، في وقتٍ قد ينعكسُ فيه الغضبُ المغربيُّ على أشكالِ التعاملِ مع الجالياتِ الإسبانيةِ في المغربِ، وإنْ كان ذلكَ أقلَّ احتمالاً في ظلِّ ضبطِ الأجهزةِ الأمنيةِ
وفي الجانبِ السياسيِّ الداخليِّ بإسبانيا تستفيدُ أحزابُ اليمينِ المتطرفِ من كلِّ حدثٍ رمزيٍّ لتعزيزِ سرديتِها القائلةِ إن الحكومةَ «متهاونةٌ» مع الرباطِ، مما يزيدُ ضغطَها على سانشيزَ قبلَ مواسمَ انتخابيةٍ محتملةٍ، وقد تدفعُ الحادثةُ أحزاباً أخرى إلى تبني مواقفَ أكثرَ حذراً تجاهَ أيِّ تفاهمٍ مع المغربِ، خوفاً من اتهامِها بـ«التنازلِ عن السيادةِ».
ولاحتواءِ هذا الانزلاقِ الرمزيِّ لا بدَّ من ضبطِ الخطابِ الرسميِّ وتجنبِ التوصيفاتِ الانفعاليةِ التي تغذّي دوامةَ الردِّ والردِّ المضادِّ، مع التركيزِ على أن الفعلَ صادرٌ عن جهاتٍ غيرَ ممثلةٍ للدولةِ الإسبانيةِ، بالإضافةِ إلى تفعيلِ قنواتِ الحوارِ عبرَ عقدِ لقاءاتٍ تقنيةٍ بينَ وزارتي الداخليةِ والخارجيةِ في البلدينِ لتحييدِ ملفِّ الهجرةِ عن التجاذبِ السياسيِّ اليوميِّ، ناهيك عن ضرورةِ حمايةِ الجالياتِ عبرَ تأكيدٍ رسميٍّ من مدريدَ على حمايةِ الجاليةِ المغربيةِ من أيِّ استهدافٍ، مع رسائلِ طمأنةٍ من الرباطِ لتفادي ردودِ فعلٍ انفعاليةٍ.
إن تمزيقَ العلمِ أمامَ البرلمانِ الإسبانيَّ ليس حادثةً هامشيةً، بل هو اختبارٌ لمدى قدرةِ النخبِ في الرباطِ ومدريدَ على فصلِ إدارةِ الأزماتِ عن إغراءاتِ التعبئةِ الداخليةِ، فإذا نجحَ الطرفانِ في تحويلِ هذا الانزلاقِ الرمزيِّ إلى فرصةٍ لإعادةِ ضبطِ آلياتِ الحوارِ، فقد يخرجُ المسارُ الدبلوماسيُّ أكثرَ صلابةً، أما إذا تُرِكَ الغضبُ يوجِّهُ السياسةَ، فإن الثغرةَ التي فتحتْها سبتةُ قد تتحولُ إلى جرحٍ مفتوحٍ في خاصرةِ الجوارِ الاستراتيجيِّ بينَ البلدينِ.



