من “باركو” إلى “طنجة”.. من هجرة الجائعين بالأمس إلى هجرة الوهم الجميل.. اليوم!!
(الباركو barco بمعنى سفينة الحرّاكة الإسبان)

من “باركو” إلى “طنجة”.. من هجرة الجائعين بالأمس إلى هجرة الوهم الجميل.. اليوم!!
(الباركو barco بمعنى سفينة الحرّاكة الإسبان)
شاهدتُ هذا الصباح، عبر التيكتوك، فيديو لسيدة إسبانية يبدو، والله أعلم، أنها عقلانية ومنطقية (** أنظر الرابط في الهامش أدناه) فوجدتها تتحدث بنبرة الواثق، عن تاريخ الهجرات الإسبانية الكبرى، حيث ذكّرت أول الأمر بأن الإسبان الذين يستعرضون اليوم عضلاتهم ضد مهاجري الجنوب، إنْ هُمُ إلا فاشيون ونازيون جدد، وإنْ هُمْ إلا متناسون أنهم أحفاد مهاجرين إسبان، دفعهم الجوع القاتل إلى البحث عن الرغيف خارج الوطن، كما دفع غيرهم في كل أصقاع المعمورة لأسباب مختلفة بكل تأكيد.
ذكّرت هذه المتحدثة بالتحديد بثلاث موجات أبانت بالأرقام أنها فعلا في منتهى الاتساع والضخامة، من إسبانيا “الجائعة آنئذ”، إلى قارة أمريكا، وإلى ألمانيا، وفرنسا… ليس للبحث عن الأمجاد كما صوّر ذلك بعض المؤرخين الشوفينيين الإسبان، بل للحصول على لقمة العيش بعد أشهر، بل سنوات طوال، من القهر الشديد، والفقر المدقع، والتجويع الممنهج، تارةً بسبب الحرب، وتارة أخرى لأسباب إسبانية بنيوية وليس أكثر.
وبعد التذكير أيضاً بأن الهجرة حق مشروع بمقتضى الفصل الثالث عشر من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، قالت هذه السيدة الرائعة إن الهجرة الأولى، التي كانت غير مشروعة وبغير أوراق ثبوتية، وقعت خلال العشرية “1950/1940″، وشملت إثنَيْ عشر ألف مهاجر من مستعمرة الكاناري، اتجهت إلى أمريكا الجنوبية، وتحديداً إلى فنزويلا؛
الهجرة الثانية، وقعت بين سنتي 1940 و1975، وشارك فيها، بنفس الصفة غير المشروعة، ستمائة ألف مواطن إسباني من إقليم الباسك، ثم ما يزيد على المليون نفر من إقليم الأندلس وكاستيا أو قشتالة… والسبب أيضاً؟ الجوع، والبطالة، وظروف الحرب… وتم استغلالهم بطرق غير مُنصِفة وغير إنسانية.
أما الهجرة الثالثة، الكبرى أيضاً، فكانت سنة 1955 لِما كان يُعرف بوصف “العمال الضيوف”.
وعلقت هذه المتدخلة، “الجارحة” بتعبير المعلقين الإسبان الذين تقاطروا عليها بالآلاف بدافعِ عزةِ نفسٍ مصطنَعة، بأن هذا الذي جاءت به ليس من قبيل الافتراء أو الاختلاق، بل هو حقيقة إحصائية مُرّة، يتغاضى عنها الشوفينيون الإسبان، الذين يتباكون من احتلال بربطانيا لصخرة صفيرة في جنوب وطنهم، ولا يأبهون باحتلال الإدارة الإسبانية لأطراف أوسع مساحةً، وأكثر عدداً، وأثقل وزناً لدى بلدان أخرى (ربما قصدت سبتة ومليلية والجزر لأنها المستعمرات الإسبانية الوحيدة المتبقية) !!
شخصيا، ما الذي ينبغي التعليق به على هذه الازدواجية المَرَضية، غير المزيد من علامات الاستفهام والتعجب (؟؟؟!!!)؟
ففي الوقت نفسه، الذي يُظهِر فيه التاريخ الإسباني القربب أن السوادَ الأعظمَ من شبه الجزيرة الإيبيرية كان منصة هائلة لتصدير الأنفس البئيسة منتهى البؤس، تطلع علينا من نفس الجغرافيا أصوات أولئك المتباكين أنفسهم، لتتكلم عن “الغزو المغربي”، و”الإفريقي”، وعن “قوارب الموت”، والغريب أنهم يفعلون ذلك بنبرة فيها الكثير من الاستعلاء، وما هو إلاّ استعلاء كاذب بكل تأكيد.
بل الأدهى من كل ما سبق، أن الإسبان ما زال رهط كثير منهم “يَحْرِك” باتجاه المغرب، نعم، مغرب اليوم ومغرب هذه اللحظة، بعكس ما توحي به المظاهر الكاذبة في ذلك البلد. ويكفي أن ننتبه إلى أن عمال الميكانيكا، وخاصة ميكانيكا السيارات، الأجانب تحديداً، معظمهم من الإسبان، وأغلب هؤلاء جاءوا إلى المغرب أول الأمر بلا أوراق رسمية، لأنهم كانوا يعلمون منذ الوهلة الأولى أن عمال الميكانيكا المغاربة لا يقلون عنهم تأهيلاً، إذا لم يكونوا أفضل منهم بأشواط بعيدة. وأعتقد أن الأحوال الراهنة الممتازة لقطاع صناعة السيارات في المغرب تعفينا من الإطناب في هذا الجانب بالذات.
في نظري المتواضع، يبدو أن التاريخ هناك، وفي العقل الجمعي الإسباني، ذاكرتُه قصيرة جداً، حتى لا أقول إن ذاكرته ذُبابية بكل المعايير!!
فخلال القرن الماضي خرجت إسبانيا فـي ثلاث موجاتِ هجرةٍ كبرى وكاسحة، هرباً من الحرب الأهلية ومن المجاعة، كان المهاجرون الإسبان فيها يغادرون البلاد بلا أوراق، ولا عقود، وبلا أدنى شيء آخر غير غرغرة الأمعاء الجائعة، وغير أحلام بالمبيت ولو ليلة واحدةً يتحقق فيها الشَّبَع، فاشتغلوا بأقل الأجور في المناجم والمصانع، التي كان الألمان يربأون بأنفسهم أن يعملوا بها،
فكانوا بذلك يحملون وصف “اليد العاملة الرخيصة” وتوصيف “الأجانب”.
كانو محتاجين بالكاد إلى الخبز، وكانو ينامون وبطونهم خاوية. وهذه حقيقة تاريخية وليست مجرد مزايدة.
أما اليوم، فالمغاربة لا يهاجرون بسبب الجوع، إذ الحمد لله لا يوجد جياع في المغرب، ولا في أي مكان من العالم بالمعنى الحرفي للجوع، وإنما يركب الشباب المغاربة قوارب الموت، التي سبقنا إليها الإسبان في التاريخ القريب سالف الإشارة، بسبب بروباغاندا الحياة الفردوسية في شمال المتوسط، وبسبب حلم امتلاك فيلا فاخرة، وسيارة فارهة، تحت صبيب إعلام دعائي يعرض عليهم صوراً ومشاهدَ يحلم بها المواطنون الإسبان أنفسهم، بما تَعِدُ به من الرَّغَد والأمان والضمان.
لقد باع هؤلاء ذواتُهُم لأولادنا حلم “الجنة في الشمال”، فصدق شبابُنا الكذبة، ولم يفطنوا إلى أنها لا تمت للواقع بأدنى صلة إلا بعد أن حركوا عبر البحر، وزاغوا عبر الجغرافيا، وتأكدوا من ذلك في عين المكان، واكتشفوا أن إسبانيا ما زالت مصنَّفةً، في الواقع وليس في المواقع، ضمن “العالم الثالث المقيم فيما يسمى تجاوُزاً بالعالم الثاني”. فالفرق إذَنْ، قائمٌ في الجغرافيا فحسب، أما في الواقع المعاش، فالأمر داخل المغرب، بالذات، ليس أقل مستوى مما هو في مدريد بقدها وقديدها، وإنما هي أكاذيب الإعلام وليس أكثر، ومَن أراد التأكد فليقارن بين مدريد أو برشلونة، وبين الدار البيضاء وطنجة ومراكش… ولينظر ماذا يقول واقع الأشياء لا ظاهرها أو أسطُحُها فحسب.
مرة أخرى، وعلى سبيل المقارنة، ما دام الإسبانيون الفاشيون يُمعِنون في نعيقهم البشع، نعود نحن إلى التأكيد بأن المهاجر المغربي لا يهاجر ولا “يحرك” لكي يعيش، بل لكي “يتمتع بحياة أفضل” تبدو له بفعل البروباكاندا رَغْدةً ومثالية، بينما هي ليست كذلك… بخلاف الإسباني، الذي كان “يَحرك” ليجد خبزا وماءً ومخدة يشكو إليها سوء حاله ومآله… وبالرغم من هذه الحقيقة الإسبانية المُرّة والمؤلمة، يأتي إلينا اليوم أحفاد ذلك الإسباني ليصرخوا ضد “الحرّاكة” المغاربة والأفارقة، وليصفوا أبناءنا بالهمج، وبالعبء الزائد، وبالغزو المبيَّت !!
نهايته… إن الهجرة ليست تهمة، بل حقاً مشروعاً لكل إنسان يبحث عن حياة أفضل، وقد سبقنا الإسبان إلى البحث عنه قبلنا بعشرات السنين، مع فارق كبير لا ينكره إلا جاحد أو مجنون، وهو أن هجرتهم كانت بسبب سد الرمق، وإسكات دمدمات الجوع، بينما هجرتنا نحن، اليوم، جاءت بدافع البحث عن حياة أجمل وليس أكثر… فما أعظم الفارق بين الهجرتين… عجبي !!!
___________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



