كتاب البديل

تحول العقيدة الجيوسياسية الإسبانية نحو المغرب: قراءة في المأزق الإستراتيجي، اختلال التوازن، ورهانات السيادة.

 

تحول العقيدة الجيوسياسية الإسبانية نحو المغرب: قراءة في المأزق الإستراتيجي، اختلال التوازن، ورهانات السيادة.

التقديم:
تشهد العلاقات المغربية الإسبانية تحولاً متسارعاً يقطع مع أدبيات “إدارة الأزمات التقليدية” ليدخل مرحلة إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لغرب البحر الأبيض المتوسط. لم يعد النزاع محصوراً في تفاصيل تقنية أو سوء فهم دبلوماسي عابر، بل بات يعكس أزمة بنيوية عميقة في الفكر السياسي للطبقة الحاكمة في مدريد، والتي تواجه صعوبة بالغة في التكيف مع صعود المغرب كقوة إقليمية صاعدة ذات سيادة كاملة واستقلالية قرار متنامية.

1. “عقيدة التوازن” المتهالكة: تداعي الحسابات الإسبانية بين الرباط والجزائر

تأسست السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المنطقة المغاربية منذ ثمانينيات القرن الماضي على ما يُعرف بـ “عقيدة التوازن الديناميكي”؛ وهي استراتيجية تهدف إلى الاستفادة المزدوجة من التنافس الإقليمي بين المغرب والجزائر لضمان التفوق الإستراتيجي لمدريد في جنوب المتوسط.
– تأمين الطاقة مقابل تحييد الملفات السيادية: اعتمدت الطبقة الحاكمة الإسبانية عقود عقوداً طويلة على الغاز الجزائري لضمان أمنها الطاقي، واستخدمت ذلك كحساب موازي لكبح دفاع المغرب عن تثبيت وحدته الترابية.
– انهيار المعادلة القديمة: أدى التحول الجذري في الموقف الإسباني صيف 2022 بدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء المغربية إلى كشف هشاشة هذا التوازن. حاول النسيج السياسي الإسباني لاحقاً تقديم مناورات متناقضة لتطمين الجزائر، مما أدخل مدريد في ارباك دبلوماسي استغلته أطراف راديكالية إسبانية للضغط على القرار السيادي، كاشفةً عن عجز الطبقة الحاكمة في صياغة عقيدة متماسكة تحمي المصالح الإسبانية طويلة المدى دون الاصطدام بالمغرب.

2. ثنائية سبتة ومليلية: العقدة الاستعمارية وسراب “التدويل”

تظل قضية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية الاختبار الأكثر تعقيداً لمدى قدرة الطبقة الحاكمة في إسبانيا على القراءة التاريخية والواقعية للواقع الجغرافي والسياسي:
– وهم الشرعية التاريخية: تستند القناعة الرسمية الإسبانية بـ “إسبانية المدينتين” إلى معطيات واقع عسكري يعود للقرنين الخامس عشر والسادس عشر. إلا أن هذا الطرح يصطدم بالقانون الدولي والتطور التاريخي للسيادة الترابية؛ فالوجود الإسباني فيهما يظل امتداداً لبنية استعمارية تجاوزها الزمن الجيوسياسي الحديث.
– مأزق التدويل والاستقواء بالاتحاد الأوروبي: إن المحاولات الراهنة لنقل الملف إلى أروقة بروكسل عبر طلب إدماج المدينتين في الاتحاد الجمركي، وإقحام وكالات الحدود (Frontex) والشرطة (Europol)، تشكل اعترافاً إسبانيا ضمنياً بعدم قدرتها الذاتية على إدارة ملف المدينتين بمعزل عن جارهما الطبيعي. يعي المغرب تماماً أن هذا التدويل لن يغير من حقيقة الجغرافيا شيئاً؛ فالرأسمال غير المادي والجيواقتصادي للقطاعين الشمالي والشرقي للمملكة يظل الشريان الحقيقي لأي حياة اقتصادية مستدامة للمدينتين.

3. المناورة الداخلية والمساس بالمقدسات: قراءة في سلوك بيدرو سانشيز واليمين الراديكالي

تظهر ممارسات الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، إلى جانب تصرفات الأحزاب الراديكالية واليمينية، ازدواجية واضحة تُدار بها الملفات الخارجية لأغراض داخلية ضيقة:
– التوظيف الانتخابي للأزمة: يسعى سانشيز والطبقة السياسية المحيطة به إلى موازنة الضغوط الداخلية الصادرة من الحزب الشعبي (PP) وحزب “فوكس” المتطرف، عبر الاستعراض السياسي والرمزية السيادية (مثل التلويح بالزيارات الملكية أو التصريحات الهجومية).
– المساس بالرموز والمقدسات الوطنية: تقع بعض وسائل الإعلام والفعاليات السياسية الإسبانية في خطأ استراتيجي قاتل حين تظن أن استهداف المؤسسة الملكية أو المقومات السيادية للمملكة مجرد مناكفة سياسية عابرة. إن المؤسسة الملكية في المغرب تشكل الدعامة البنيوية لرمزية الدولة وروح الأمة؛ والمساس بها يرفع كلفة النزاع من مجرد خلاف حكومي إلى قطيعة وجدانية وشعبية طويلة الأمد لا يمكن للطبقة الحاكمة في مدريد تحمّل تبعاتها.

4. الصمت المغربي: الصبر الإستراتيجي واستعراض القوة العاقلة

إن قراءة السلوك المغربي القائم على الهدوء والضبط الدبلوماسي كدليل على الضعف تعكس جهلاً عميقاً بآليات اتخاذ القرار في الرباط:
مفهوم “الصبر الإستراتيجي”:
— يمارس المغرب دبلوماسية القوة العاقلة، حيث يستبدل الخطابات الانفعالية ببناء واقع جيوسياسي جديد على الأرض. تجلى ذلك في إنشاء البنيات التحتية الكبرى (طنجة المتوسط، الناظور غرب المتوسط) التي غيرت قواعد الملاحة والتجارة في المضيق.
— تنويع الشراكات الإستراتيجية: نجحت المملكة في افتكاك ملف وحدتها الترابية من الهيمنة الأورو-متوسطية التقليدية عبر تعزيز التحالفات مع القوى العظمى (الولايات المتحدة، الشركاء الأفارقة، والقوى الآسيوية الصاعدة)، مما جعل إسبانيا مدركة بأن أي خسارة للشراكة مع الرباط ستحول مدريد إلى طرف هامشي في ترتيبات الأمن الإقليمي والتنمية الأفريقية.

5. العواقب المستقبلية وتكلفة الخطأ الإسباني.

إذا استمرت الطبقة الحاكمة في إسبانيا في الاستهانة بالسيادة المغربية والانسياق وراء الاستفزازات السياسية والإعلامية، فإن التكلفة المستقبلية لن تتوقف عند حدود التنسيق الدبلوماسي، بل ستسري إلى عمق العلاقات بين الشعبين:

1. فقدان الميزة الإستراتيجية كبوابة لأفريقيا: يستحيل على مدريد لعب دور الجسر بين أوروبا وأفريقيا بدون شراكة كاملة ومحترمة مع المملكة المغربية.

2. الترسيم التاريخي للذاكرة الجماعية: إن التعدي المستمر على المقدسات المغربية يزرع في الذاكرة الجمعية للأجيال المغربية القادمة قناعة مفادها أن الجار الشمالي يظل مصدراً لعدم الاستقرار، مما يحول العلاقات المستقبلية من التعاون الطبيعي إلى التوجس الدائم.

3. الكلفة الاقتصادية والأمنية: يمسك المغرب بمفاتيح ملفات استراتيجية تشمل الاستقرار الأمني في الساحل وجنوب المتوسط، التنسيق في مكافحة الجريمة المنظمة، والتدفقات التجارية. وأي إخلال بقواعد الاحترام المتبادل سيضع الاقتصاد والأمن الإسبانيين أمام اختبارات مكلفة.

خاتمة
يجب على الطبقة الحاكمة والنخب السياسية والإعلامية في إسبانيا الاستفاقة من أوهام التفوق التاريخي واستيعاب واقع المغرب الحديث:
– دولة ذات استقلالية وقرارات حاسمة، وتاريخ سيادي عريق، ورؤية إستراتيجية متكاملة.
– إن الأمن والاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط لا يمكن أن يتأتيا عبر المناورات الحزبية أو التدويل العقيم، بل عبر اعتراف إسباني شجاع ومباشر بالحقوق التاريخية والسيادية للمملكة المغربية، وبناء علاقات قائمة على الاحترام الكامل للمقدسات والرموز الوطنية.

بقلم : البروفيسور الدكتور المصطفى قاسمي
أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى