كتاب البديل

عندما يصير الكذب عقيدة.. فانتظر الساعة !!

عندما يصير الكذب عقيدة.. فانتظر الساعة !!

(هناك أناس يكذبون…
نحن نعلم أنهم يكذبون…
هم يعلمون اننا نعلم
أنهم يكذبون…
ورغم ذلك
يستمرون في الكذب
والانتخابات على الأبواب…
… اِعقِلْها وتوكّل)!!

أليست هذه الأسطر أشبه ما تكون بقصيدة، بمرثية، في زمن ماتت فيه السياسة في وطننا، الذي ضحينا فيه بالغالي والنفيس لكي يكون للسياسة وطن، ويكون لها موقع متميز، في زمن حلّت فيه وسائل التواصل الاجتماعي وغير الاجتماعي محل الأحزاب والنقابات، وحتى الجمعيات، ومحل مؤتمرات ما عادت تجمع حول موائدها سوى ذباب المآدب ؟!

من هم الأيتام بعد موات السياسة في بلادنا؟ غير هذه الأحزاب، التي صارت دكاكين بلا جغرافيا، شمالُها كجنوبِها، وشرقُها كغربِها، وعالِيُها كسافلِها بلا أدنى إحداثيات، وبلا أدنى فارق، وكأنها نقطة ليست لها أبعاد… فلا هي ذات بُعد واحد كالخط المستقيم، فنعلم نحن أين يبتدئ مسارُهُ وأين يقف؛ ولا هي ذات بُعدين فيظهر لها رسمٌ على أديم الورق فنحتفي نحن بثُنائيته؛ ولا هي ذات أبعاد ثلاثة فنجد فيها ملاذاً نبثّ إليه همومَنا وانشغالاتِنا فيُنصَت إليها، كما كان الأمر في ذات زمان جميل هارب !!

في مغربنا ماتت السياسة، ولكن العجيب الغريب أن الجنازة وفيرة الحضور وصاخبة… فالأحزاب حضرت، والمرشحون حضروا، سواء “الأصيلون” منهم أو “مواليد التزكيات”، ووسائل الإعلام حضرت، وحتى المجتمع المدني، اقصد مجتمع ورقة المائتي درهم، حضر بدوره عن بكرة أبيه… والجميع يمثل دور “الحزين” على الفقيدة، والجميع هو نفسُه قاتِلُها.

السياسة لم تعد صراعَ أفكار، ولا مشروعَ مجتمع؛ السياسة صارت اليوم سوقاً أسبوعياً، البائع فيه يعرض وعود “النماء”، و”الكرامة” و”التشبيب”… والمشتري فيه يعرف أنها بضاعة مغشوشة ورغم ذلك يساوم على الثمن ولكنه يقبض الثمن بدل أن يعطيه، في مشهد سريالي لا يتميز فيه البائع عن المشتري!!

لقد وصلنا لمرحلة متقدمة جدا من مرض يمكن وصفه إكلينيكياً بداء “الكذب الرسمي”، أو “الكذب المشروع”.
فسابقا كان السياسي يكذب ويخجل من نفسه، اما اليوم فقد صار يكذب ويفتخر ويتبختر. يكذب في البرلمان، ويكذب في الحكومة… ويكذب في التلفزيون، ويكذب في المهرجان الخطابي…
و”نحن” نصفق له لأنه “ديالنا” حتى ولو كان كذاباً مفترياً.

إن هذه لم تعد سياسة، بل صارت عقيدة. عقيدة تقول: “الكذب حلال ما دام يخدم القبيلة، والحزب، والمصلحة”…
والنتيجة؟ جيل كامل اقتنع أن الصدق غباء، وأن النزاهة مجرد عامل من عوامل الفشل.

الجميع يعلم بالأمس واليوم، وربما أيضاً في الغد، أن الانتخابات مسرحية معلومة النتائج والخواتم والنهايات… وما دامت الانتخابات الآن على الأبواب، فمن المنطقي بناء على ما سلف ذكره أن نُلفي أنفسَنا بإزاء نفس الوجوه، ونفس الوعود، ونفس “البرامج”، التي صار تصويرها الآن يتم ب”الـشات جي بي تي”، ولكن، وبالرغم من هذا التطور الرقمي في التصوير والتوضيب، فالقفة هي نفسها، قفة المائتَيْ درهم، والشعار بدوره هو نفس الشعار: “صوت على خوك”، وكأن شيئا لم يتغير ولم يتطور ما عدا الجُبّة ولمسات الماكياج!!

هؤلاء الكذابون يعلمون أننا نعلم أن كذبهم سينفضح بعد 3 أشهر، ونعلم أنهم يعلمون أننا نعلم ذلك، وموقنون منه،
ورغم ذلك يأتون هم لممارسة ذات الكذب، ونذهب نحن لممارسة نفس التصويت، لماذا؟
لأننا تحوّلنا، بل حوّلنا أنفسنا طواعيةً من مواطنين فاعلين كأبطال لروايات السياسة إلى “كومبارس”، في فيلم “بايخ” نعلم مسبقاُ دقائق السيناريو المشتمل على تفاصيله…

سيأتي هنا السؤال: من يتحمل المسؤولية؟ وسيأتي الجواب بعده صادماً رغم كونه غيرَ مفاجئ، وهو أنهم ليسوا مسؤولين عن هذا الهبوط الحاد وحدهم، بل نحن أيضا لنا دورنا، ولنا بصماتُنا في استمرار هذه المهزلة، ولنا بالتالي نصيبنا من المسؤولية فيما حدث وفيما لا يزال يحدث،
لأننا نسمح بالتصويت على “فلان المعرفة” بدلاً من “فلان الكفاءة”، ولأننا سكتنا على الكذبة الأولى فصدّق هؤلاء المفترون أننا فعلاً مجرد قطيع، وبتعبير مختلف، أنّ أغلبيتنا فضلت “السكات” على “المواجهة” طمعاً في رغيف.

نهايته… أنّ السياسي يكذب لأننا نكافئه على الكذب، ولأننا نصوت عليه، ونبرر له هرطقاته، ثم لأننا “بلا حشمة بلا حيا” نهاجم من يفضحه.

عندما يصير الكذب عقيدة، والفساد شطارة، والانتهازية ذكاءً… فاعلم أن الساعة اقتربت، ليست ساعة القيامة، بل ساعة الحساب، في ظل دستور يُفترَض أنه ربط الحساب بالمسؤولية، وقد حان الوقت لجعل هذا المقتضى الدستوري قيد التفعيل والتنفيذ…

وإن هذا الحساب لن يكون في صندوق الاقتراع فحسب، بل سيشمل المستشفيات الخاوية من تجهيزاتها الضرورية، وفي المدارس الميتة في الأصقاع النائية والمهمشة، وفي الشباب اللي ما زال يركب قوارب الموت هربا من “التنمية” التي يبشر بها هؤلاء الكذابون المحترفون… و… عجبي !!!
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى